عقلك لا يستطيع تخيل المستقبل


دعاء الريحان
29 أغسطس، 2016

الإنسان هو المخلوق الوحيد القادر على تصور المستقبل. فالحيوانات تتعلم من التجربة والخطأ، أما الإنسان فيتعلم من أحداث لم تقع بعد. كل يوم نغلق أعيننا ونتخيل أمرًا مستقبليًّا سواءً كان الذهاب إلى عيادة طبيب الأسنان أو زحام الطريق المؤدي إلى العمل، لكن في الكثير من الأحيان تكون تصوراتنا خاطئة. فمن الممكن أن تتصور أن خسارة عملك أمر فظيع لكنه يصبح أفضل ما حصل لك في حياتك، أو أن شراء سيارة جديدة سيغمرك بالفرحة الغامرة لكنه يكون شيئًا يُشعرك بفرح بسيط لا أكثر.

تصورات المستقبل

دانيال جيلبرت باحث في مجال علم النفس مرَّ بسنة مفعمة بالأحداث السيئة. وفي خلال حوار مع ذاته تفاجأ بأنه لو كان يعلم عمّا سوف يحدث في ذلك العام، لكانت توقعاته أنه سيكون في حالة انهيار واكتئاب تام. وفي واقع الأمر كان عامًا سيئًا، لكن لم يكن بذلك السوء. سخَّر دانيال الكثير من الوقت مع زملائه الباحثين لاكتشاف سبب عدم فعالية تصوراتنا المستقبلية.

كان دانيال أحد المؤيدين لعبارة «المزيد من الحرية يؤدي إلى المزيد من السعادة»، فأجرى تجربة تدرس هذه النظرية. خلال هذه التجربة ألحق هو وفريقه مجموعة من الطلاب في دورة تصوير فوتوگرافي، وفي نهايتها قسموا الطلبة إلى مجموعتين: مجموعة طُلِب منها اختيار صورة واحدة فقط من بين الصورتين اللتين التقطوهما. والصورة التي لم يقع الاختيار عليها لن يتمكنوا من الحصول عليها مجددًا.

أما المجموعة الثانية فقد كان بإمكانهم اختيار أي صورة وتبديلها بالصورة الأخرى مدى الحياة. وبعد أن اختار كلٌ من الطلبة صورته، تابع دانيال وفريقه مدى مستوى السعادة في كلٍّ من المجموعتين فوجدوا أن المجموعة التي توجب عليها الالتزام باختيار صورة واحدة أكثر سعادة من المجموعة الأولى.

سوف ترى أنها أجمل كنزة في العالم

التبرير هو التصرف الذي يقوم به دماغنا خلال عملية اختيار أمرٍ محتم، فيبدأ بإظهار الصفات الحسنة في الأمر لك ليقنعك أنك اخترت الأفضل بين الاختيارات. أما في حالة تعدد الاختيارات يُظهِر الدماغ مساوئ الاختيار لافتراض أن الخيار الثاني هو الأفضل. فعندما تشتري كنزة يمكنك استبدالها تقف أمام المرآة وترى العيوب الموجودة فيها، أمّا إن توجب عليك إبقائها فسوف ترى أنها أجمل كنزة في العالم. مما يعني أن المزيد من الحرية في الاختيار لا يعني دائمًا المزيد من السعادة.

توصَّل دانيال إلى أننا نواجه مشكلتين أساسيتين في التصور الأولي، الأولى أننا لا نجيد تخيل التفاصيل والثانية أننا لا نعلم مَن سنكون في المستقبل. خلال تخيل موقف مستقبلي، نتخيل فقط الأحداث الأساسية في الموقف، فإذا طلبت منك تخيل زيارة إلى طبيب الأسنان فكل ما تتخيله هو زيارة مؤلمة وأيدي الطبيب في فمك لكن تنسى أن أحداثًا تسبق وتلي جلوسك على مقعد الطبيب، فهناك افتراض هل ستكون سيدة الاستقبال لطيفة؟ كم من الوقت سوف تنتظر في غرفة الانتظار؟ ولا تنسى فرشاة الأسنان المجانية!

ومن الممكن أن يكون حلمك اليوم أن تحصل على سيارة فراري حمراء وتعتقد أن هذا هو الاختيار الأفضل لك، لكنك بعد عشر سنوات سوف تفضل أن تملك سيارة عائلية تمكِّنك من الذهاب في رحلات مع أسرتك.

لا ندرك مدى قابليتنا للتغيير

اكتشف دانيال أننا لا ندرك مدى قابليتنا للتغيير، فيعتقد المراهقون أنهم سيبقون كما هم عليه طوال حياتهم بقصات شعرهم الغريبة وأزيائهم الخارجة عن نطاق العادة وشخصياتهم المخاطِرة. أحضر دانيال مجموعة في سن الثامنة عشر ومجموعة في سن الثامنة والعشرين. وسأل مجموعة الثامنة عشر: لأي مدى تتوقعون أن تتغير شخصياتكم في العشر سنين المقبلة؟ وسأل ذوي الثامنة والعشرين ما مدى التغيرات التي طرأت على شخصياتكم خلال العشر سنين الماضية؟

تمحورت إجابات مجموعة ذوي الثمانية عشر سنة حول أنهم لن يتغيروا كثيرًا، بينما أشارت مجموعة الثامنة والعشرون إلى أنهم أشخاصٌ مختلفون تمامًا. حصل الأمر ذاته مع مجموعتين أخرى، مكونة من مجموعة في سن الثامنة والخمسين ومجموعة في سن الثامنة والستين. يتوقع الأشخاص في مجموعة الثامنة والخمسين أنهم لن يتغيروا بعد كل هذا العمر، بينما تجزم مجموعة الثامنة والستين أنه قد طرأت عليهم تغيرات عديدة. يتم التوصل من خلال هذه التجربة إلى أننا لا نجيد تصور كيف ستكون شخصياتنا في المستقبل، فنحن دائمًا على اقتناع بأنّنا سوف نبقى على ما نحن عليه.

ما الحل لتحسين تصورنا للمستقبل؟ الإجابة بعد خمسة عشر عامًا من البحث هي أنه لا توجد طريقة لنكوّن تصورًا دقيقًا للمستقبل. الحل الوحيد لنحدد الناتج عن إحدى المواقف هو الاستناد على خبرات أشخاص أخرين. من أحد التطبيقات التي من الممكن أن تساعدك على تكوين تصور أفضل هو تطبيق يِلب (Yelp) الذي يوفر ساحة للناس لإدلاء آرائهم عن الأماكن التي ارتادوها.

وكذلك هنا مثال آخر أقرب،

وهو ما طرأ على الوطن العربي مؤخرًا ظاهرة الربيع العربي. فكانت تمتلئ شوارع كل دولة بمواطينيها الذين يطالبون بإسقاط الحكم. ومع كل دولة تأخذ بهذا المنهاج، ازدادت دموية الانقلاب. كل سكان دولة يلتزمون الشوارع معتقدين أنهم سوف ينالون مكسبًا مختلفًا. فنحن على اعتقاد دائم أننا مختلفون عن الأشخاص الآخرين وأن آراءنا سوف تختلف عنهم وأننا نحن الحكم الأفضل لاختياراتنا. تسمى هذه الحال بالتميز، حيث نعتقد أننا مختلفين عن الجميع، وفي واقع الأمر لسنا بذلك الاختلاف وسوف نتفق على آرائنا في العديد من التجارب.


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×