خطر المألوف: كيف يسيطر ما نألفه على سلوكياتنا

خطر المألوف: كيف يسيطر ما نألفه على سلوكياتنا

لعدنان المعتوق
19 أغسطس، 2019

بصفتي باحثًا في مجال علم النفس الاجتماعي، لا أكاد أتوقف عن الملاحظة المقصودة لتفاعلات البشر والمخلوقات من حولي. تساعدني هذه الملاحظات في سبر أغوار هذا الإنسان بالغ التعقيد والتركيب. وقد دفعت بي إحدى ملاحظاتي إلى تأمّل المألوف ودوره في تشكيل مشاعرنا وأحاسيسنا، وليس ذلك فحسب بل و خطر المألوف حتى في إحكام السيطرة على سلوكياتنا وبنائها.

هذا المألوف الذي نحياه ولا نكاد ننفصل عنه هو ما يميزنا بأصالة متناهية الدقة. وبالرغم من أنه ملازم حتمي ما يكاد ينفك عن الطبيعة البشرية، إلا أن فيه سر تبلدنا وانهيارنا. يتخلل هذا المألوف في كل شيء من لحظات حياتنا بدءًا من شعائرنا الدينية إلى نشاطات أفراحنا.

ومن هنا تأتي هذه المقالة

في محاولةٍ لتحديد مفهوم المألوف وخصائصه وكيف نتفاعل معه بغير وعيٍ منّا. كيف يؤثر على آرائنا؟ وكيف يسيطر على مراكز الإحساس لدينا؟

وكيف لهذا المألوف أن يصبغ العالم بصبغةٍ معيّنة ومحددة يجعلنا غير قادرين على اتخاذ الحياد. أي أنه يُجبرنا على اتخاذ موقف ما. وكأن المألوف يصنع هذا العالم بأجندة مُضمَرة وسابقة العزم.

وقبل تحديد ماهيّة المألوف، يلزمني تعريف “المُحفّز/المنبّه” في الاصطلاح النفسي لأن المألوف يستهدف المحفزات. في علم النفس، يُقصد بـ”المحفز/المنبّه” ذلك الشيء الذي يُحدث إحساسًا، وهذا الإحساس ذو ارتباط بأنساق مختلفة:

  • النسق الفيزيولوجي/الجسدي
  • والنسق النفسي
  • والنسق الاجتماعي

مفهوم المنبّه محوري جدًّا في تحديد وفهم “الاستجابة” بوصفها التعريف عن السلوك بكليّته.

ولذلك اهتم البحث النفسي بتعريف الاستجابة في إطار نظرية “المنبّه – الاستجابة”. وبعبارةٍ أخرى، كل استجابة يشعر بها الفرد – سواءً كانت فيزيولوجية كالدموع، أو سيكولوجية كالحزن، أو اجتماعية كالثأر- ما هي إلا نتيجة لمنبهٍ أو محفز ما.

ودور عالِم النفس معرفة ذلك المحفز من أجل فهم تلك الاستجابة. والاستجابة تختلف عن السلوك؛ إذ أن الاستجابة تحلّق في سماء الغرائز والرغبات، بينما السلوك هو التمظهر لتلك الاستجابات. فمن السلوك نُحلل المحفز والرغبة والغريزة.

“لا يُصبح المألوف مألوفًا إلا من خلال إيجاد طريقه إلى حياتنا على نحو محايد وبطيء ومتدرج”

كانت هذه المقدمة بالغة الأهمية لأن للمألوف سلطة على جذور سلوكياتنا اليومية. فالمألوف يتفاعل بشكل مباشر مع المحفّزات التي تخلق استجاباتنا وتشكّل سلوكياتنا. ويجد هذا المألوف طريقه إلى حياتنا من خلال التكرار الدائم للمحفزات المسؤولة بدورها عن مركزية الإحساس لدى الفرد.

وبسبب التكرار، تُصبح تلك المحفزات أكثر رغبةً وأكثر تفضيلًا، بينما نشعر بالقلق والتوتر حينما نكون في مواجهة مع اللامألوف.

ومثال ذلك هو الشعور بالاطمئنان للأشخاص الذين نلتقي بهم يوميًّا وعلى وجه متكرر بالرغم من عدم معرفتهم. فيتولّد هذا الاطمئنان بمُجرد تكرار الرؤية، بينما لا نشعر بنفس الشعور تجاه الغرباء حينما نتفاجأ بهم لأول مرة في مكان لا يُفترض تواجدهم فيه.

يقع المألوف في كل معلوم ومرغوب، ويتلاشى هذا المألوف في كل ما نجهل وفي كل ما لا نرغب فيه، ولذلك يشعر الإنسان بالقلق حينما يكون في مواجهة اللامألوف. وفي مثل هذه المواجهات يتخذ العقل دور المدافع ويتقمص الرفض المباشر ويبرر عدم الرغبة في ذلك الشيء.

يكمن السر العجيب وراء حب المألوف في تكرار تواجد (الحدث الجديد) في محيط الإنسان. ومجرد الوعي بتواجد (الحدث) كافٍ لجعل ذلك الحدث أمرًا محبوبًا ومرغوبًا فيه.

بل إن أقوى ما يكون المألوف مُمكنًا

حين يكون الوصول إليه من خلال الذهن اللاواعي، بمعنى أنه لا حاجة لأن يكون الإنسان مُتَنَبِّهًا ويقظًا لوجود هذا الحدث. فإدراك الحدث من خلال اللاوعي لا يستفز العقول ويحمي المألوف من مقاومة المجتمعات ورفضها.

وهنا يبدو المألوف شيئًا تافهًا لا قيمة للحديث عنه. ويأخذ هذا المألوف حيزه من الحياة الاجتماعية في حضوره المحايد في محيط الوعي والإدراك. حياديّة المألوف محوريةٌ في بقائه واستمراريته في الحياة الاجتماعية. لأن الحدث الجديد، إذا ما استفز الذهن، فَسَيُقضى عليه مباشرة.

لا يُصبح المألوف مألوفًا إلا من خلال إيجاد طريقه إلى حياتنا على نحو محايد وبطيء ومتدرج. ويزداد المألوف قوة وصلابة كلما كان متقطع الحدوث. أي أن الحدث لن يُصبح مألوفًا إذا اتصف بالديمومة والاستمرارية.

لا يكمن خطر المألوف في أنه يُفقد الأشياء معانيها فحسب، بل يتجاوز خطرُه ذلك ليصل إلى إخماد الفضول المعرفي لدى الإنسان حتى تنزاح الدهشة ويحل مكانها الكسل الذهني.

وسر تشبث الإنسان بالمألوف أنه يبعث على الهدوء؛ فهو لا يستفز التفكير، ولا يحفز الذهن، ولا يهدد المعتقدات، ولا يثير الشكوك.

يُمكّن المألوف الإنسان من السيطرة على مشاعر الخوف، ويُشعره بالأمان ويقضي به على المجهول. ومن خطر المألوف أيضًا أنه ينتحل دور البديهيات ويكاد الناس ألا يفصلوا بين البديهي والمألوف. ولهذا السبب يُقدَّم خطاب المألوف كدليل على صحة وحقيقة الأشياء.

فالمعلومات والأخبار المألوفة أجدر بثقة الناس ولو كانت خاطئة، بينما ينكر الناس صدق وصحة المعلومات المغايرة واللامألوفة ولو كانت صحيحة.

وقبل أن أغادر وصف المألوف، أريد أن ألفت نظر القارئ إلى أن الروتين ليس عدوًّا حقيقيًّا للمألوف.

“الروتين ليس عدوًّا حقيقيًّا للمألوف”

يبدو هذا للوهلة الأولى أمرًا غير منطقي، لأن ما نألفه يتحول عادةً إلى ملل شديد نحتقره ونفقد الرغبة فيه، بينما تزداد رغبتنا في كل ما هو خارج عن  المألوف. وسر ذلك أن المألوف والروتين لا يلتقيان ولذلك لايصطدمان.

يعمل الروتين في محيط الإدراك التام وفي سياق الاختيارات الواعية، أما طريق المألوف إلى الأذهان فهو طريق اللاوعي، وشرطه الحياد في الأشياء. وتتمثل فكرة الحياد في انعدام تحفيز الحدث الجديد، بمعنى أن انعدام التحفيز للحدث شرط جوهري لحدوث المألوف.

وإضافة إلى ذلك، لا يحدث المألوف من خلال تكرار الخيارات والقرارات الواعية، وإنما من خلال اللا-اختيار. يقع المألوف في البديهيات ويقع الروتين في العادات.

وثمة علة أخرى؛ حين يكون الحدث الجديد في طريقه نحو المألوف، فإنه لن يصبح مألوفًا إذا تكرر من دون انقطاع وبتدفق كالفيضان. أي أن الديمومة والاستمرارية صفتان تعيقان حدوث المألوف وتقودان إلى إمكانية الروتين. 

ولكن ثمة حقيقة مذهلة، وهي أن كل هذه القوانين المشكِّلة للمألوف تُصبح غير ممكنة في حياة الأطفال. يفشل المألوف في أن يجد طريقه إلى ذهن الأطفال. لا يصاب الطفل  ببؤس المألوف أبدًا. ويعود ذلك لسببين:

  1. الأول خاص بطبيعة الحدث
  2. أما الآخر فيختص بطبيعة الطفل

أحد شروط حدوث المألوف، أن يكون الحدث كامل التركيب والتعقيد وهو ما يسمح للفرد بعدم استنزافه وسبر كامل أغواره. إن جانب الغموض والتعقيد محوريٌ جدًا في طبيعة الحدث ليتحول إلى مألوف. وهذا يجعلنا ندرك أن أكثر الحوادث التي يتفاعل معها الأطفال سطحية وغير معقدة، وهنا يسقط شرط الغموض في الحدث. والسبب الآخر، هو أن الفضول المعرفي لدى الأطفال ينبض بالحياة، ولذلك لا يعاني الطفل من الكسل الذهني، بل إن ذهن الطفل سؤول ويقظ وشديد الملاحظة. ومن هنا يكون المألوف غير ممكن في حياة الأطفال.

قد يتساءل القارئ، كيف نواجه خطر المألوف في حياتنا؟

وفي ذلك أقول: على الرغم من أن هذه المقالة تهدف للإجابة عن هذا السؤال، إلا أن الجواب هنا لن يكون كافيًا لضيق مساحة المقالة. ومن هنا أود الإشارة إلى أن الأديب الروسي فيكتور شكلوفسكي قد صاغ مصطلح اللامألوفية أو اللامألوف من أجل مواجهة خطر المألوف في حياتنا.

يقوم اللامألوف على إحداث الغَرابة؛ أي تحويل كل أمر معتاد إلى أمر غريب وتغريب الأشياء من حولنا. ويزعم شكلوفسكي أنّنا حين نفهم قوانين الإدراك سنستطيع فهم إشكالية حدوث المألوف في حياتنا اليومية.

ومن تلك القوانين على سبيل المثال قانون “الآلية”، وهو أحد القوانين التي تحكم مَلَكَة الإدراك لدينا، بمعنى أن تفاعلاتنا مع الأشياء من حولنا تتمّ بطريقة تلقائية وآلية. ومن هنا تُبتذل الأشياء وتحدث البَلاَدَة الذهنية ويدخل الإنسان في مرحلة حسيّة تتصف بغياب الشعور والانفعال.

ومثال ذلك، أنّنا حين نرى الشيء مرات عديدة فإننا نصبح عاجزين عن اكتشاف كُنهه وسره، بالرغم من قدرتنا على الحديث عنه والتعريف به. فهو أمامنا ننظر إليه ولكننا لا نراه؛ لا نعرف حقيقته.

يقترح شكلوفسكي -من أجل التخلص من هذه “الآلية” في الإدراك- محاولةَ وصف الأشياء من حولنا كما لو أننا قد رأيناها لأول مرة، أو وصف الحدث أو الظاهرة الاجتماعية وكأنها آنيّة الحدوث.

أو محاولة تجنب تسمية الأشياء والاكتفاء بوصفها، والتركيز على نقل الأحاسيس بدلًا من نقل المعلومات، والاهتمام بوصف التجربة أكثر من نقل المعرفة، ومحاولة تغريب (من غريب) الأشياء المألوفة حينما نستخدم اللغة. وليس الهدف خلقُ معانٍ جديدة للأشياء والظواهر الاجتماعية وإنما بناءُ تصور خاص ودقيق عن تلك الظواهر.

وختامًا، أود الإشارة إلى أن اعتناق اللامألوف مخاطرة على الخريطة الذهنية الراكدة وخلقٌ جديد لمركزية الإحساس لدى الإنسان. ممارسة اللامألوف بعثٌ للمعنى؛ تكمن اليقظة في اللامألوف. وبسبب المألوف، يتسامح الناس مع تناقضاتهم ونفاقهم، بل لا يشعرون بفظاعة سلوكياتهم.


النشرة السريّة
النشرة انضم للآلاف من أصدقائنا السريين، وتصلك رسالة كل يوم سبت يشرف عليها فريق العمل كاملًا
×

×