أزمة اللقاح أمام الثقة الشعبية والتجاذب السياسي

جنان الهاملي 25 نوفمبر، 2020

بعد أن أعلنت شركتا «فايزر» (Pfizer) و«بيونتيك» (BioNtech) وصول فاعلية لقاحهما إلى نسبة 95%؛ أعلن المدير التنفيذي لشركة «بيونتيك»، إيگور شاهين، إمكانية حصول اللقاح على موافقة مستعجلة من هيئة الغذاء والدواء الأميركية للاستعمالات الطارئة، خلال النصف الأول من شهر ديسمبر القادم أو منتصفه.

يأتي هذا الإنجاز في إطار سباق محموم، تتنافس فيه عدة شركات تصنيع أدوية حول العالم لطرح لقاحات في السوق العالمي؛ لتصبح في متناول أكبر عدد ممكن من البشر حول العالم.

ففي الإمارات، أعلن وزير الصحة، عبدالرحمن العويس، عن إجازة اللقاح الذي طورته شركة «ساينوفارم» (Sinopharm) الصينية للاستعمال الطارئ، بعد نجاح المرحلة الثانية من الاختبارات السريرية، ليُقدّم للطواقم الطبية التي تتعامل بشكل مباشر مع المصابين بالفيروس. حيث أكد العويس أن هذا الإجراء متطابق مع القوانين المتبعة لتعجيل عملية ترخيص اللقاحات.

ومع وصول أحد عشرة لقاحًا من أصل حوالي مائتين وستين حول العالم إلى المرحلة الثالثة؛ يتوقع وكيل وزارة الصحة السعودية، الدكتور عبدالله عسيري، حصول لقاحين أو ثلاثة على ترخيص للاستعمال الطارئ قبل نهاية العام.

أما عن إجازة اللقاحات للاستعمال العام وتوافرها لكافة الفئات، فيقول عسيري أن هذه العملية ستمتد إلى فترة أطول. وفي حال جاءت نتائج الاختبارات على نحوٍ مُرضٍ، لن تُلحظ آثار اللقاحات على هذه الأزمة العالمية قبل صيف العام القادم. ولكن أهذه هي المعضلة الوحيدة أمام تطوير اللقاح وإجازته ووصوله لكل بقاع العالم؟ أم أن التجاذبات السياسية ستكون عاملًا معيقًا لوصولها؟

بداية نهاية عهد الكوفيد

تنعقد عدة آمال على توفّر اللقاح وانتشاره، أوضحها على الإطلاق تجنب الإصابة بالمرض ذاته. وإن لم يكن الشخص يخاف المرض، فربما يود تجنب ملحقاته، أو ما سمي بمتلازمة ما بعد الإصابة بكوفيد (Post Covid Syndrome)، وهي حالة تصف الأعراض المصاحبة للمرض، وتظل مع المريض حتى بعد شفائه بصورة مضاعفة؛ أو أعراض أخرى مرتبطة بالمرض لكنها تظهر للمرة الأولى بعد الشفاء منه.

وتجنب الإصابة سيعني بالضرورة عودة الحياة إلى طبيعتها، وإصلاح الأضرار الاقتصادية الجسيمة التي لحقت بالاقتصاد العالمي. فعلى حد قول إيگور شاهين، توفر لقاح كورونا هو بمثابة «بداية لنهاية عهد الكوفيد». وفي الوقت الذي احتفل فيه مع زوجته وشريكته المؤسسة لشركتهما «بيونتيك»، أوزليم توريجي، بنجاح المرحلة الثالثة بداية هذا الشهر، تُتداول شكوك كثيرة عن فاعلية اللقاح وماهيته.

ففي البرازيل، توقف العمل على لقاح «ساينوفاك» (Sinovac) الصيني مؤقتًا، حتى بعد دخوله المرحلة الثالثة من الاختبارات. وأتى ذلك بعد وفاة أحد المشاركين. مما دعا الرئيس اليميني جايير بولسونارو بالتعليق بابتهاج في صفحته على فيسبوك: «نصر جديد لجايير بولسونارو»، وأعقبه بمؤتمر صحفي نادى فيه الشعب البرازيلي بألا يكونوا «جبناء» لأن «الكل سيموت يومًا ما، فلا فائدة من الهرب […] من الواقع.»

لكن وكالة مراقبة الصحة الوطنية «أنفيسا» (Anvisa) سمحت باستئناف التجارب، بعد اكتشاف حقيقة انتحار المشارك في الدراسة، وهو ما لم يعلق عليه الرئيس حتى الآن. ويأتي تصريح بولسونارو وسط اتهامات عدة بعدم كفاءة حكومته في إدارة هذه الأزمة التي خلفت حتى اليوم 5.7 مليون حالة إصابة مؤكدة و 163 ألف حالة وفاة، ما يجعل البرازيل ثاني أسوأ دولة بعد الولايات المتحدة من حيث عدد الوفيات.

تزعزع الخطاب السياسي 

لم تكن هذه المرة الأولى التي يعبر فيها الرئيس البرازيلي عن اعتراضه على الإجراءات التي يعمل من خلالها المتخصصون في مجال الأوبئة. فقد اعترض في وقت سابق على إرشادات منظمة الصحة العالمية التي تدعو إلى التباعد الإجتماعي ولبس الكمائم، حتى ألزمته محكمة في البرازيل في أواخر شهر يونيو الماضي بلبس الكمامة، قبل أيام فقط من إصابته بالمرض.

وفي الولايات المتحدة أيضًا، رفض رجل الأعمال الجمهوري هيرمان كين، لبس الكمامة، وحثّ على نزعها، قبل أن يصاب بالوباء في إحدى تجمعات ترمب الانتخابية في العشرين من يونيو الماضي، ليلقى مصرعه بعد شهر من تشخيصه.

وهكذا، دائمًا ما تضاربت الآراء حول اللقاح نفسه، نتيجة تزعزع الخطاب السياسي الذي امتد إلى التشكيك في وجود المرض ذاته في بعض الحالات من خلال أجندة غير رسمية تابعة له. فترى البي بي سي أن امتزاج نظريات المؤامرة مع التشكيك بفيروس كورونا مثل نظرية «الكيو آنون» (QAnon) التي يزعم مؤيدوها أن دونالد ترمب يقود حربًا سرية ضد قوى شيطانية تجمعها نشاطات استغلال جنسي للأطفال، ساهم في تصعيد المخاوف حول اللقاح.

ولكن في البرازيل، أخذ تسييس الرد الحكومي لأزمة كورونا منحى أكثر وضوحًا. فخلافات الرئيس البرازيلي الملقّب بـ«ترمب الاستوائي» جاءت مناقضة لتعامل خصومه السياسيين مع الجائحة. ففي شهر يونيو الماضي، هدد الرئيس بالانسحاب من منظمة الصحة العالمية –كما فعل قبله نظيره الأميركي– بسبب ما أسماه بـ«التحيز الأيديولوجي» للمنظمة. ولكن هل تبنى تلك الشكوك على شكوك أخرى؟ أم أنها مخاوف مبنية على اعتبارات منطقية؟

المناعة والمخاوف الصحية

من الأسئلة التي يحاول العلماء اليوم الإجابة عليها هي: إن كان بإمكان الإنسان اكتساب مناعة ضد المرض، فلأي وقت ستظل معه؟ يذكر موقع منظمة الصحة العالمية أن الأبحاث لم تتوصل إلى نتيجة نهائية حول المدة الزمنية لبقاء المناعة في جسم الإنسان ومدى قوتها.

فمن ضمن العوامل التي تحدد قوة جهاز الإنسان المناعي خلال هذه الأزمة، قوة أو خفة أعراض المرض أو ما إذا ظهرت على الإطلاق. وتشير دراسات أولية إلى أن الأجسام المضادة التي يفرزها الجسم ضد الفيروس قد لا تكون فعالة لأكثر من عدة أشهر.

ومع اقتراب حصول عددٍ من اللقاحات على الموافقات النهائية، يعود هذا السؤال للظهور مرة أخرى. ويركز مدير منظمة الصحة العالمية بأوربا، هانز كلوگ، على أهمية هذا التساؤل. حيث يذكر احتمالية قصور اللقاحات المتقدمة في فحوصاتها عن تقديمها الحماية الكاملة لجميع الفئات العمرية. ويقول «أسمع طوال الوقت أن اللقاح سيكون نهاية الوباء. بالطبع لا! إننا حتى لا نعرف إن كان هذا اللقاح سيساعد جميع الفئات السكانية وكل الحالات.»

ويعلل العلماء عدم قدرتهم الجزم في هذا الموضوع بقلة البيانات المتاحة، إذ احتاجت اللقاحات سابقًا إلى عشرة أو خمسة عشر عامًا قبل أن يجاز استعمالها. بالمقابل، يُتوقع من أول لقاح مُجاز لفيروس كورونا أن يتاح للعامة خلال حوالي عام فقط من بدء العمل عليه.

ويقترح أستاذ الميكروبيولوجيا الزائر في جامعة أكسفورد، جيفري أرنولد، إعطاء اللقاح على شكل جرعات صغيرة للملايين من الناس، خلال فترات زمنية منتظمة، أو حتى إدماج لقاحين أو أكثر حتى يحصل الشخص على أفضل حماية ممكنة من المرض. لكن أرنولد يقر بصعوبة هذا الحل، فتوفير جرعة واحدة من اللقاح فقط للعالم كله، لن تكون مهمة سهلة.

اللقاح والمخاوف اللوجستية

مع تواصل نجاحات لقاح «فايزر» و«بيونتيك» في تجاربهما السريرية، كَثُر الحديث عن الكيفية التي سيتنقل بها اللقاح إلى مراكز التطعيم. إذ تكمن المعضلة في لزوم المحافظة على اللقاح في درجة حرارة تقدر بـ70- درجة مئوية من لحظة خروجه من المستودعات وحتى قُبيل حقنه بوقت قصير. كما يتحتم استعماله خلال عشرة أيام

وفي المقابل، تتباهى شركة «موديرنا» (Moderna) على موقعها الإلكتروني بأن لقاحها -الذي اجتاز بنجاح كبير مرحلة اختباره الثالثة مؤخرًا- يمكن الاحتفاظ به في المجمد المنزلي لمدة ستة أشهر. حيث لا يتطلب الاحتفاظ به سوى درجة حرارة تعادل 20- درجة مئوية، أي المساوية لدرجة حرارة أغلب أجهزة التبريد المنزلية أو الطبية المتوفرة في أية منشأة تطعيم طبية. لكن هل يعني استبدال لقاح بمواصفات «فايزر» بلقاح «موديرنا» حلًا لمشكلة توزيع اللقاح حول العالم؟ 

توزيع اللقاح على مناطق الحرب

تلتفت أعين العالم اليوم بقلق نحو مناطق النزاع والحرب ومخيمات اللاجئين. ففي عام 2018 وأثناء انتشار وباء إيبولا في الكونگو، أُعيقت الفرق الصحية عن إيصال اللقاحات اللازمة للناس بسبب القتال الدائر شرقي البلاد. ونتيجة لبطء الاستجابة للوباء -والذي تسبب به كذلك توجّس الناس من اللقاح- أعلنت منظمة الصحة العالمية العام الماضي حالة طوارئ دولية.

ولتلافي هذا السيناريو، تبنت الدول المشاركة في قمة العشرين هذا العام -والتي عقدت افتراضيًا في الرياض يومي الجمعة والسبت الماضي- مبادرة لضمان تطوير وتصنيع ووصول اللقاح لجميع شعوب العالم في أقرب وقت ممكن. وتضمن المبادرة وصول اللقاح للاجئين.

ففي لبنان مثلاً، وفي تصريح لثمانية، أكدت المتحدثة الرسمية باسم «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» التابعة للأمم المتحدة، هدى سمرا، على استمرار الخدمات الصحية للاجئين الفلسطينيين المسجلين هناك والذين يصل عددهم إلى مائتين وسبعة لاجئين مسجلين في ظل الجائحة، بما فيها المسحات المخبرية والاستشفاء في المراكز الصحية.

وتؤكد بأن اللقاح سيكون متاحًا، حال توفره، للاجئين الفلسطينيين هناك بالتنسيق بين منظمة اليونيسف ووزارة الصحة اللبنانية.

أما بالنسبة للاجئين السوريين هناك، والذين وصل عددهم إلى 1.5 مليون لاجئ، فتصف مؤسسة «زيتونة وبسمة»، ياسمين كيالي، لثمانية الوضع بـ«المأساوي». إذ تسببت الأزمة بتسريح 91% من السوريين من وظائفهم. كما حذرت منظمة «عمل ضد الجوع» من أن الأوضاع المزرية في المخيمات تحول دون إمكانية تطبيق إجراءات السلامة، كالتباعد الاجتماعي ولبس الكمامة. 

وهو ما تحاول المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تصحيحه، من خلال تحويل مبانٍ وخيم لمراكز عزل. لكن التمويل الحالي لا يغطي إلا 34% من حاجة المفوضية لمساعدة اللاجئين خلال هذه الأزمة.

وبالرغم من هذه الصعوبات، تعمل اليونسيف حاليًا على تجهيز نصف مليار إبرة طبية مع نهاية هذا العام، تحسبًا لوصول اللقاحات في أي وقت، كجزء من التحضيرات لعملية التطعيم التي تمولها مبادرة قمة العشرين.

وأخيرًا، تُقر شركة «فايزر» بأن التحدي اليوم يكمن فيما إذا كان الناس سيقبلون التطعيم، خصوصًا وأن المخاوف المرتبطة باللقاح ستتزايد مع تسارع عملية التوزيع. فتذكر مسؤولة التوزيع والتوريد في الشركة، تانيا ألكورن، أن «من المؤسف ألا يثق العامة في اللقاح بعد كل هذا الجهد.»


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×