X
هل ستتحقق نبوءة قسطنطين؟
أروى الداوود
الرأسمالية
أرباح المطاعم
أيمن اليحيى

“إن الإنسان سيصبح مغلولاً خلال سنين طويلة في المجتمع التقنيّ لكنه لن يموت في الأغلال. فالمجتمع التقنيّ يستطيع ابتداع رفاهيّة. لكنه لا يستطيع خلق الفكر. و من دون الفكر، لا توجد العبقرية. و مجتمع محروم من رجال عباقرة مجتمع محكوم عليه بالفناء”
– قسطنطين جورجيو، رواية الساعة الخامسة والعشرون.

تنبأ قسطنطين بالحداثة الغربية وهي تغرق في وحل زمن الآلة الذي سينتزع من الإنسان إنسانيته ويحكم عليه بالفناء.

في روايته الساعة الخامسة والعشرون رسم الكاتب مصائر أبطال قصته التي تدور أحداثها بعد الحرب العالمية الأولى، فإيوهان الذي اعتركته الآلة بين المعسكرات والسجون حتى آخر رمق من الرواية، رأى المستقبل -أميركا- ينهار أمامه  في لحظات.

التنبوء بالمستقبل علم بالفعل يسمى بعلم المستقبليات (Futurology)، له مدارس ونظريات، إلا أن التنبؤ بالمستقبل اعتاده المنجمون مهنة، والمتبصرون فراسة، وهو هواية يمارسها الفضوليون والتوّاقون والباحثون والخائفون أيضًا حتى الأديان لها نصيب وافر بالنبؤات عن أحداث آخر الزمان ونوازله.

السينما أيضًا زاخرة بأفلام المستقبل الذي يحكمه الذكاء الاصطناعي، أو حتى ذلك الزمن الذي يصور الأرض مدمرة بفعل الصراعات، ذلك المستقبل الذي يرسمه كل من هؤلاء برؤيته الخاصة، غير أننا بتنا نعيش قريبين من المستقبل أو نحن نعيش به بالفعل، هذا المستقبل الذي تحكمه الآلات ويستغنى فيه عن الإنسان وهو مصب اهتمام الباحثين وقطاع ذو احتمالية عالية للمستثمرين الجديد، حيث ظهر مسمى “الأتمتة” أو مستقبل الأتمتة، الذي يتنبأ تبعًا لتطور الذكاء الاصطناعي الحاصل أن تكون كل الأعمال تقريبًا يقوم بها الآلات الذكية، والمتقنة لعملها إلى حد أنها ستستبدل بالبشر، وتخلق وظائف جديدة تتمحور حول تقنية البرمجيات وتطويرها، وستدفن كمًا هائلاً من المهن.

إقرأ أيضًا: إنهم يسمعوننا!

ففي دراسة جديدة صادرة عن منتدى دافوس الاقتصادي أن الأتمتة ستؤدي إلى فقدان 5 مليون وظيفة بحلول العام 2020. أما بحلول عام 2030 سيصل الرقم إلى 2 مليار وظيفة طبقًا للمستقبلي د.توماس فري (Dr Thomas Frey) أشار لهذا في حديثه على منصة CI عام 2012. واللافت أن هذا لا يتطلب عقودًا كما حصل في الثورة الصناعية، بل عدة سنوات!

إذا كنت تعتقد أن هذا الرقم ضرب من المبالغة، فأود منك أن تعود بالذاكرة لآخر مرة حجزت فيها لرحلتك عن طريق مكتب الطيران، أو حصلت على إخطار بالبريد، أو ركبت سيارة لم تكن مصنوعة بأكملها عن طريق الروبوتات. وتوقف مع نفسك لحظة لتتساءل ماذا حصل لمن كان عاملاً فيها خلال هذه السنوات القصيرة، بل إن مرضى أحد المراكز الطبية في أميركا لم يتعاملوا مع صيدلي واحد منذ 2012 بل مع نظام إلكتروني.

لقد ضخت الدول بالفعل كمًا هائلاً من الاستثمارات لتحسين الذكاء الاصطناعي والتركيز عليه بشكل استثنائي خصوصًا بعد عصر الذكاء الاصطناعي. كما أن موادًا كالبرمجة والهندسة التي ستكون هي مهن المستقبل ولغاتها أدرجت في مناهجها وأصبح تعليمها إلكترونيا منذ وقت طويل.

أما الشركات التي تنافس الدول وزنًا، نافستها استثمارا فـ Google وحدها استثمرت بشراء 9 شركات في مجال الذكاء الاصطناعي، وهذه الأرقام الهائلة لفتت الانتباه بريادتها وحركتها السريعة والمتحمسة للمستقبل. أما Amazon فإنها تعمل جاهدة على أن يكون تسليم الطرود بطائرات تعمل بدون طيار في السنوات القادمة، أما فورد فإنها تعتقد أن سيارتها ذاتية القيادة ستؤثر على المجتمع كما أثر ظهور السيارة قبل أكثر من 100 سنة.

في مقابلة لرئيس الولايات المتحدة السابق باراك أوباما في 9 دقائق ممتعة ناقش فيها بتصور لسوق العمل الأميركي ومستقبله، وآراءه الشخصية لهذه الافتراضات. إذ يؤمن أن تهديد خسارة الناس لوظائفهم هو مشكلة موجودة بالفعل إلى أنها لم تصل للحجم الذي سيكون كبيرًا بعد. والحل هو أن يتم استيعاب التقنية بإعادة تصميم المجتمعات والاقتصاديات بقرارات تصنع من الآن وتنفذ لعشرة وعشرين سنة من الآن حتى تندمج تمامًا في التنمية الاقتصادية.

"لا يزال أمامنا حوالي 10 إلى 20 سنة لاتخاذ هذه القرارات"

‏ما نريده هو أن نطور أنظمة مفتوحة تتمتع بالشفافية الكافية التي من شأنها أن تحفظ للإنسان قدرته على تقدير الأمور ومخيلته وإبداعه لتستمر بكونها مساهمة ونشطة. ولكن الكثير من الأعمال الروتينية تسند لأجهزة الحاسب، وعلى سبيل المثال الآلة الحاسبة؛ فهي امتداد لذكائنا ولكنها لا تشكل تهديدًا لنا، فنحن نعلم على الأقل كيف تعمل إلى حد ما، على عكس هذه الأنظمة التي تفقدك القدرة على تحديد كيفية عملها. “وعلى العقد الاجتماعي، وممثلو اقتصادنا الذين يحتذى بهم أن يتكيفوا مع هذه التقنية الجديدة. ما أعنيه هو أننا يجب أن نعيد تصميم العقد الاجتماعي، ولحسن الحظ، لا يزال أمامنا حوالي 10 إلى 20 سنة لاتخاذ هذه القرارات. ما يمكننا فعله الآن هو بناء طرق أخرى حتى حلول الوقت الذي فيه يتم دمجها بالكامل في تنميتنا الاقتصادية.”

إقرأ أيضًا: الأسوأ لم يأتِ بعد

تقريبًا لن يتبقى للبشر أي عمل يذكر إذا تمت الأتمتة، وسيتفرغون بعد ذلك، للفن والإبداع و الفلسفة والكلام، وقد يزيد عدد البشر بسبب البطالة القسرية، مما (يجعلهم مستهلكين لمتع الجسد كما يحصل في مخيمات اللاجئين،) (أو يصل التطور إلى درجة يكون فيها الإنجاب محدودًا) وكل هذا في كفة الافتراض.

 

وقد لا تقتصر الأتمتة على تلك الآلات التي ستقوم بالأعمال المزعجة مثل السيارات بدون سائق، وروبوتات المصانع، بل ستمتد لبعض الأعمال التي لا يتخيل فيها عدم وجود عنصر إنساني، مثل إدارة الموارد البشرية، واتخاذ القرارات، واختيار الموظفين، والأدهى من ذلك هو تطور الآلات التي تستطيع فهم المشاعر وتشعر هي بدورها مثل فيلم (her) ومثل إختراع (Gatebox) الياباني.. الذي يمكنك من إيجاد صديق وحيوان أليف وشخص تواعده افتراضيا حتى. وعلينا أن ننوه أن هذا موجود بالفعل، ولقد وصلنا لمشارف هذا المستقبل ولا يعلم هل مايحصل سيكون أرقى درجة تتوصل لها الإنسانية، أم أنه سيكون طريقها للفناء. أمّا بحروب مؤتمتة، أو أن يولي زمام الأمور إلى الآلات التي ستتوقف يوما ما، تاركة الدماغ البشري الذي تضاءل بفعل سنين الراحة -وهذا ما يتنبأ بحصوله أيضًا، إذ أن الدماغ البشري سيتضاءل حجمه لعدم إستعمال وظائفه- مما سيوصله إلى طريق مسدود.

ماذا سيحصل إذا أصبحت الآلات واعية، ومدركة لنفسها؟

يقول ماسك، الرئيس التنفيذي لشركتي Tesla وSpaceX: “الذكاء الاصطناعي ينطوي على خطر أكبر من خطر القنابل النووية”.

ويرد باحث الأعمال الرقمية مايكل شارجيه (Michael Schrage): “لا يقتصر الخطر فقط على احتمال سيطرة الآلة على الأوضاع بدلاً من البشر، والذي اعتبره بمثابة سيناريو جهنمي زيادة عن اللزوم نوعًا ما. ولكن ما يقلقني حقًا هو ما سيحصل عندما يكون للآلات رأي مختلف عن رأينا، أي مشاعر مختلفة عن مشاعرنا، ليس هناك من باحث عميق التفكير يرغب في أن يرى التأثيرات الرقمية قد وصلت يومًا إلى وضع تصبح معه مصدرًا للموت وتدمير العالم. فكتابة فيروس إلكتروني بحماقة هو شيء؛ ولكن كتابة فيروس إلكتروني بحماقة بحيث يكون هذا الفيروس قادرًا على كتابه فيروسه الذاتي بحماقة هو شيء مختلف تمامًا”.

على الجانب الآخر يعبر أندرو مكافي (Andrew Mcafee) بشكل مشرق عن شكل مستقبل الأتمتة: “هذا يعطينا الفرصة لتخيل مجتمع مختلف، حيث المبدعون، والمستكشفون، وفنانو الأداء، والمبدعون، يقفون جنبًا إلى جنب مع مدرائهم والممولين، للحديث عن القضايا، والترفيه، والتنوير، واستفزاز بعضهم البعض، انه حقا مجتمع مشابه لمؤتمر TED”.

أما تريان كوروجا البطل الثاني لرواية الساعة الخامسة والعشرون يقول:

"لا تنس أنني شاعر، وأملك حدسًا يسمح لي بالتنبؤ بالمستقبل، لا يملكون الآخرون مثله، أنا آسف إذ أتنبأ بأشياء مفجعة كهذه، لكن مهمتي كشاعر، ترغمني على ذلك، ينبغي أن أصرخ وأن أحمّل الأصداء قولي، حتى لو كان قولا ممجوجا."

الساعة الخامسة والعشرون .. ساعة فوات الأوان.. ساعة انقراض الإنسان ،، وسيطرة كائنات أخرى على هذا العالم.

فهل تتحقق نبؤة قسطنطين؟

تريد قراءة المزيد؟
الاسم الاول
الاسم الاول
الاسم الاول
الاسم الاول
تسجيل
عضوا فعلا؟ تسجيل الدخول