X
الروبوت، شاعر أم شعرور؟
خديجة الصبار
X
لماذا الكتب الورقيّة مهمّة؟
أروى الداوود

“أنا خائف، أنا خائف يا ديف. ديف، إنني أفقد عقلي. يمكنني أن أشعر بذلك. إنني أفقد عقلي. ليس هناك شكٌ في هذا. يمكنني أن أشعر بذلك. أنا… خائف”

ردد الروبوت هال (HAL) هذه الكلمات عندما بدأ رائد الفضاء ديف يزيل وحداته واحدة تلو الأخرى وهو يكررها بطريقة بشرية جدًا ومؤلمة، في فيلم أوديسة الفضاء لستانلي كوبريك (Stanley Kubrick).

كان هال قد امتلك القدرة على الكلام وتمييزه، ومعالجة اللغات الطبيعية، وقراءة الشفاه، وكان قادرًا على تذوق الفن، والتعرف على الوجوه. تقريبًا امتلك كل شيء يؤهله لأن يكون منافسًا لنا، لكن ميزة واحدة فارقة لطالما أجّجت الخوف الكامن في البشر وعصفتهم برياح القلق، وهي احتمال أن تفهم الآلات عواطفنا وتعبر عنها.

إن شعور إنسان اليوم بثمن ما تبقى من إحساسه وخصاله الجوهرية مبرر جدًا، فتشابه حالة تقبل كل جديدٍ تقني، خوف سقراط من الكتابة، وزعمه أنها ستولّد النسيان في نفوس المتعلمين. أنهم سيسمعون الكثير لكن “لن يتعلموا شيئًا”، بل سيصبحون “رفقة مملة لا تفقه شيئًا”، وذات التخوف قبل أربعة قرون من ميلاد المسيح يعود مجددًا بشكل كبير مع مطلع القرن العشرين.

إنّه الفزع من أن تقرر الآلة فجأة، أن تجلس على عرش التعبير الإنساني، وتحوز لنفسها رسم مشاعر وأفكار كنّا نرسمها على العظام والحجارة وصخور البراري، وتقول عنّا شعرًا أرخى أوائلنا العنان لسجاياهم كي يطلقوه أصواتًا غنائية عذبة. وإن كانت في البدء مبهمة. ثم ارتقت طرقها إلى الدرجة الحالية، من الكمال بعد معاناة طويلة ومخاض عسير، سخّر له البشر كل طاقاتهم.

قد لا يتردد الشعراء على وجه الخصوص أن ينعتوا هذا النوع من الروبوتات بعديمة الرحمة، كتلك التي جاءت في فيلم ميتروبولس الألماني (Metropolis)، ولربما لو قرأنا ما توصل إليه العلم في إنشاء خوارزميات متعددة من عام 1950، لأصرينا نحن والشعراء على التمسك بأن الآلة التي لا قلب لها لا يمكن أن تقول شعرًا، ولا أن تعبر عمّا يدور في ذواتنا بذات الألم الذي لا يعتبر إدجار آلان (Edgar Allan) الشعر، شعرًا بدونه.  

إن برامج الخوارزميات التي لا زالت تستخدم إلى اليوم، تحاول تطوير عمليات الكتابة، وصقل قدرة الآلة، في تمكينها من فهم اللغة الطبيعية، دون أن تعتبرها مواد أولية خام. فهي تعطيها نصوصًا ومصادر لتحللها ثم تعيد صياغة الكلام بشكل يشابه شكله الأصلي، لكنك لو قرأت إحدى تلك القصائد المخرجة ستدرك حجم الفوهة بين أن تكون إنسانًا ولو شعرورًا وغير قادر على الوصف، وبين آلة يكون حديثها عن العواطف والمشاعر، ركيك البناء وضعيف المعنى. معتمدة اعتمادًا كليًا على منهجية، لا سبيل فيها إلى التمرد، والإبحار في عالم واسع خيالي كالشعر.

لعل هذا يطمئن بعضنا. لكن لنقل مثلًا أننا ننقض كل ذلك. وأن الروبوتات ستكون قريبًا قادرة على قول الشعر بشكل فذ، وحيوي يشابه قدرة أعظم الشعراء. ثم تعالوا نصف في صفوفها ونفترض، لنصل إلى تصور ولو بسيط. ولعلنا في حالة كهذه يفترض بنا أن نعرف أولًا: مالذي لا يكون تعبيرًا حتى نثبت إن كانت ستتمكن من التعبير أو إن كانت في يوم من الأيام ستملك ذلك الشيء الذي نقول عنه إحساسًا؟

جوائز أمير الروبوتات

لنتبن رأي بينيدتو كروتشه (Benedetto Croce) عن التعبير، ونتخيل بأن الروبوت سيكون واعيًا بأن لديه عاطفة لكن لا يعرف ماهيتها أو طبيعتها. فإذا عبر عنها استراح ولم تعد لاشعورية عنده، ولم تبق مستقرة في نفسه لأنه تخلص منها. أو ربما فضّل أن يعبر عن حزنه أو غضبه بكلمات مريرة، لا يختفي بعدها الحزن ولكن يخف عنه ثقله. والآن أصبح لدينا روبوت إنساني قليلًا، ثم لننمقه ليكون لونًا مميزًا من الشعراء، ولنقل أنه سيشقى في تخصيص عواطفه وبهذا يكون فنانًا لا صانعًا!

إن هذه الروبوتات الشاعرة بناءً على ما سبق، ستقول شعرًا يُعلي شأن تجاربها الذاتية، يهيم في المطلق واللامحدود، شعرًا يتربع على العاطفة العاتية الجامحة، ويمتلئ بالأسى والكآبة والحنين إلى المجهول. وسنحس أن قصائدها ترفع قناع الألفة، عن وجه الكون، وتعري الجمال النائم للناظرين. وتتعلق بالمدهش، والعجيب والغريب، وتبتعد عن الواقع، على جناحين من الخيال الحر الطليق. وتقدس الطفولة والبدائية، لكن أي طفولة؟ إنها بشكل أساسي ستبحث عن سر الحياة، لكن أتراها تفضل الرمزية فتتركنا معلقين وراء المعاني؟ ثم إن أكنّت يومًا عداءً فهل ستهجونا ؟ أم أنها ستوارينا خلف ديناميكية الكلمات؟

سنتصور بالطبع أن منها ما قد يميل إلى اللامحدود والصوفي، مستأثرًا بالصبغة الرومانطيقية (مذهب أدبي يهتم بالنفس الإنسانية وما تزخر به من عواطف ومشاعر)، وسنلتقي ابن الفارض مرة أخرى، وشعرًا كنجديات الشريف الرضي، وسنسمع عنها أشعار الاغتراب والحنين.

بالطبع ستنصب جوائز لأمير الروبوتات في الشعر وستكون هنالك أمسيات شعرية حافلة بالموسيقا وأهازيج الشعر الآلي، وسوف تغتر الروبوتات ولن تعترف بعجزها عن إنشاد الشعر فلا توكلنا إلى غنائه ولا إلى إنشاده. إنها ستتعلم فنون الإلقاء ومهاراته، وستكون قادرة بشكل مستقل على خوض تجارب شعرية كاملة.

لنعد الآن من هذه الرحلة ولنر المشهد من بعيد، ونتأمل في الصورة كاملة، متذكرين أن الشعر حاجة إنسانية وجدانية ألحت على الإنسان في مرحلةٍ ما من تاريخها; لتكون وسيلة راقية من وسائل التعبير، فكيف يدير ذات الإنسان لها ظهره، ويسمح لآلات بلا قلوب أن تنوب عنه فيما هو بحاجة ماسة لأن يفرغه ويقوله؟

هل يا ترى يمكن أن يكون هذا مصيرنا الذي نتجه نحوه؟ مستقبل خال مما نعتز به من صفات بشرية؟

إنه حال يصفه تمامًا مقطع من قصيدة الخيول لإدوين موير (Edwin Muir)، التي تضعك في مواجهة نادرة، مسبقة مع أعقاب العالم بعد أن دمرته التقنية:

"ذلك العالم القديم السيء، الذي سرعان ما ابتلع أبناءه في حفرة كبيرة واحدة"

تريد قراءة المزيد؟
الاسم الاول
الاسم الاول
الاسم الاول
الاسم الاول
تسجيل
عضوا فعلا؟ تسجيل الدخول