آن للنكبة ألّا تستمر

 كل عام وفلسطين حرّة 

في اليوم الأول من رمضان، أغلق الاحتلالُ مدرّج باب العامود بسواتر حديديّة، ومنع الفلسطينيين من التجمّع حوله. يعرفه المقدسيّون بأنه المدخل الرئيس إلى المسجد الأقصى، ومكانٌ يقيمون فيه مظاهراتٍ واعتصامات وحتى فعاليات اجتماعية، كإثباتٍ مستمرّ على الهوية العربيَّة للمدينة في وجهِ من يستعمرونها
كان إغلاق باب العامود شرارة صغيرة، سرعان ما امتدت لمواجهاتٍ تتجدد يوميًا في أحياء القدس وخارجها. وبعد أقلّ من أسبوعيْن وبدماء عشرات الجرحى، أَجبرت الهبّة الشعبية الاحتلالَ على إزالةِ السواتر التي وضعها. وعنونت صحيفة القدس صفحتها الأولى ليوم 14 رمضان بعبارة «انتصر المقدسيون».

لكنّ الأحداث في القدس لم تتوقف هنا. أصبح حيٌّ آخر من أحياء القدس محط الأنظار، فلو كنتم في حي «الشيخ جرَّاح» في رمضان، لرأيتم موائد إفطارٍ رمضانيَّة ممتدة بلا نهاية، يجلس إليها فلسطينيون جاؤوا لحماية الحي. الحي الفلسطيني في القدس الشرقية تسكنه عائلاتٌ هُجِّرت من بيوتها في نكبة 1948، ويهددها الاحتلالُ الآن بتهجيرٍ جديد. 

كيف تعمل إسرائيل على تهجير الفلسطينيين؟ 
منذ نكبة 1948 قسّم الاحتلالُ فلسطين البالغة مساحتها الكلية 27 ألف كيلو متر مربع فقط إلى أربع مناطق سياسيَّة، يحمل السكان في كلٍّ منها أوراقًا ثبوتية مختلفة، ويختبرون أشكالًا مختلفة من الاحتلال الصهيوني، كلّها تؤدي إلى نتيجةٍ واحدة: محو هويتهم العربيّة ومصادرة أراضيهم.

• مدن محتلة بالكامل كحيفا واللِّد، اقتحمتها العصابات الصهيونيّة قبل سبعة عقود، وهجّرت أهاليها وارتكبت المجازر، ودمّرت العديد من قُراها تدميرًا كاملًا. لتعلن بعدها النكبة و«قيام دولة الاحتلال» رسميًّا، على أنقاض المدن التي طُمست أسماؤها العربية. سُمّيت عسقلان أشكِلون، وبُنيت على يافا وقُراها المدمرة ناطحات السحاب لمدينة «تل أبيب». توزّع المُهجَّرون على مخيمات اللجوء في الدول العربيّة، أو لجؤوا إلى مدنٍ فلسطينية أخرى. بينما بقي العديدُ منهم في مدنهم الأصليّة بأعدادٍ متفاوتة، يحملون جوازات سفرٍ «إسرائيليَّة» ومجبرون على استخدام اللغة العِبرية في التعليم والعمل. ويسمّيهم الاحتلال «الأقلية العربيّة في إسرائيل» معاملًا إياهم كمواطنين درجة ثانية وطامسًا هويتهم الفلسطينية، في «دولته القومية اليهودية». كما يفرض على أحيائهم سياسات الإفقار والتهميش، دون أي اعتبارٍ لكونهم السكان الأصليين لهذه المناطق.

مدن الضفة الغربية كرام الله ونابلس، احتلت عام 1967، بعد حربٍ خاضها الفلسطينيون برفقة الجيوش العربية، انتهت بعد ستةِ أيامٍ لصالح الاحتلال، وسميت بالـ«النكسة». احتُلّت بذلك مدن الضفة الغربية، وهُجّرت ودمّرت فيها قرى إضافية، مثلما حدث عام 1948، فنزح أهلها إلى مخيمات اللجوء مجددًا.
بقي ملايين الفلسطينيين في هذه المدن، يحملون اليوم جوازات سفر تصدرها السلطة الفلسطينية. لكنّ توسّعَ الاحتلال في الضفة له شكلٌ آخر، يقسّمها بالحواجز العسكرية والجدار، ويبني على أراضي الضفة مستوطناتٍ تتوسع يوميًّا، لا يقطنها إلا الإسرائيليون، وتبتلع الأراضي كلما توسعت. إضافةً إلى ذلك، يمارس المستوطنون عنفًا غير مسبوق اتجاه الفلسطينيين، قد يصل إلى القتل وإحراق الأشجار والهجوم المباشر على السيارات والمباني، لا سيما بأنهم غالبًا مسلّحون، ويحميهم جيش الاحتلال. لا يستطيع  أهالي الضفة زيارة حيفا مثلًا، إلا في حالة استصدار تصريح بموافقة من الاحتلال أو بمواجهتهم أخطار التهريب التي قد تصل إلى اعتقالهم، أو حتى إطلاق النار عليهم.

قطاع غزة حاله كحال الضفة الغربية، احتُلّ عام 1967، ويحمل سكانه جوازاتٍ فلسطينية. لكن الواقع الذي يعيشه القطاع الآن ليس له مثيل، فهو محاصر اقتصاديًّا وحدوديًّا منذ 15 عامًا، عاش خلالها ثلاثة حروب جوية مباشرة شنّها الاحتلال، آخرها ما تعيشه غزة اليوم.
بسبب الحصار، لا يستطيع أهالي قطاع غزة مغادرته أصلًا إلا في حالاتٍ استثنائية، بينما يمنع بقية الفلسطينيين من زيارة القطاع إلا بتصاريح أمنية يصدرها الاحتلال. 

• القدس عاصمة فلسطين المحتلة، احتلَّ الجزء الغربي منها عام 1948، ثم احتل معظم الجزء الشرقي عام 1967. كما المدن الفلسطينية الأخرى، عاشت القدس فصولًا من التهجير والاستيطان المستمريْن، لكنها تمتلك خصوصية إضافية. إذ يحاول الاحتلال جعلها عاصمته، وتهويد كلّ أحيائها، بما في ذلك أماكنها المقدّسة غير اليهودية ككنيسة القيامة والمسجد الأقصى. يحمل أهالي القدس صفة «المُقيم»، فهم لا يحملون أيّ جنسية في العالم، بل بطاقة إقامةٍ في القدس قد يخسرونها حين يغادرون المدينة لفتراتٍ طويلة، إضافة إلى جواز سفرٍ أردنيٍّ مؤقت. ولا يمكن لأي فلسطيني زيارة القدس بحريّة سوى من يحملون جوازات «إسرائيلية»، أو تصريحًا يصدره الاحتلال.

ما جديد الاحتلال  في رمضان 2021؟
منذ السبعينيات، ادّعت جمعياتٌ استيطانية ملكيتها لحيّ «الشيخ جراح» المقدسيّ في المحاكم الإسرائيليَّة، ولم تنظر المحاكم في وثائق الفلسطينيّين الذين يسكنونه، واستمرّت محاولات الاستيلاء على الحيّ حتى اليوم.
وفي مطلع مايو 2021، أمهلت المحكمة العليا الإسرائيلية أربع عائلات من الحي أسبوعًا للتوصّل إلى «اتفاق مع المستوطنين»، لكن الأهالي رفضوا ذلك تمامًا.
الأمرُ في غاية البساطة: يريد مستوطنون احتلال بيوتِ خمس مائة فلسطينيّ، ليمكثوا هم فيها، مكان سكّانها. كما يعني الاستيلاء على هذا الحي تحوّله إلى بؤرة استيطانية جديدة، وحلقة وصلٍ تربط المستوطنات التي تطوّق القدس.
لم يُترك أهالي الحي وحدهم، فانضمّ إليهم من يستطيعُ إلى ذلك سبيلًا، من القدس ومدن فلسطين المحتلة عام 1948. ولو كنتم هناك، لرأيتم متظاهرين فلسطينيين يهتفون بأعلى صوتهم، ولرأيتم جنودًا يعتقلونهم، ومستوطنين يرقصون ويعتدون عليهم لاستفزازهم.
لم ينتهِ الأمر بعد، فاضطرت محاكم الاحتلال أن تؤجل البتّ في هذه القضية مؤقتًا، طمعًا في امتصاص غضب المتظاهرين والمتضامنين، وأفول جذوة الرفض. إذ يتعمد الاحتلال إخماد الاحتجاجات بنية الاستفراد بأهالي الحي وتهجيرهم لاحقًا، لكنّ الاحتجاجات مستمرة.

توسّع رقعة المواجهات أكثر وأكثر
خلال الأسبوعيْن الماضييْن، أصبحت القدس نقطة مشتعلة لمواجهة الاحتلال، تحديدًا فيما يدعي المستوطون أنه يوم توحيد القدس، أي حينما احتلت القدس الشرقية عام 1967. وانطلقت المظاهرات في الضفة الغربية والمدن المحتلة عام 1948، كما في غزَّة. 
ورغم أنّ الأحداث الحالية تبعث الكثير من الأمل، لا سيما أنّها استمرار للمقاومة على عدة جبهات تستنزف الاحتلال، إلّا أنها ليست سهلة. تغرّد فتاةٌ غزية على تويتر بعد ليلةٍ دامية من القصف: «مش مصدقة إني عشت». بينما ينظم المستوطنون في المدن المحتلة حملات ممنهجة للاعتداء على الفلسطينيين، يتبادلون رسائل الكراهية، ويرسمون علاماتٍ على البيوت العربية في اللدّ لمهاجمتها ولترويع سكانها، ويهتفون: «الموت للعرب» ، ثم لا نكاد نغفل عن هواتفنا للحظة، حتى يصل خبر استشهاد فلسطيني آخر.

كيف لنا أن نُساعد؟
• أن نعرفَ أكثر، وأن نسمّي الأحداث بمسمّياتها.
• أن نسلّط الضوء على الرواية الفلسطينيَّة للأحداث، وننشرها على مواقع التواصل الاجتماعيّ بكلّ اللغات، ونرويها في دوائرنا الاجتماعيَّة أينما كنّا.
• نستطيع إرسال التبرعات عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية.


 مقالات ذات صلة 


 برامج بودكاست نرفع لها القبعة 

  • يهدف بودكاست «إعادة تأمل فلسطين»، (Rethinking Palestine)، بودكاست لشبكة السياسات الفلسطينية لتعزيز النقاش حول حقوق الفلسطينيين وحقهم في تقرير المصير.
  • حلقة «همهمة» (Rumble) مع مؤسس والعضو السابق لفرقة بينك فلويد، والناشط السياسي المثير للجدل روجر واترز.
  • حلقة «موسم الزيتون»، من بودكاست أصوات، عن موسم جني الزيتون في فلسطين، بين ماضِ زاخر وحاضر يناضل ضد الاقتلاع والنهب.


 ملفات ثمانية | القضية الفلسطينية 

حرصًا من ثمانية على توثيق مركزية  القضية الفلسطينية بوصفها بوصلة القضايا، وفي تأكيد على دعم حقوق الشعب الفلسطيني ورفض سياسات التطبيع، نصنّف في هذا الملف الخاص مجموعة من المقالات وبرامج البودكاست التي تتناول تاريخ وثقافة فلسطين المحتلة.


 أُعدّت هذه النشرة بمجهودات 

الوسوم:
اشترك في نشراتنا البريدية
اقرأ المزيد في
بودكاست أرباع . الرأسمالية

الرجل خلف شعار ثمانية

أفضل الشركات والمنتجات هي تلك التي تمتلك فن إظهار هويّتها، تجعلك تعرفها، بالخط، الهوية، الشعار، التصميم، اللون. في كل مرّة تصور كوب قهوة من ستاربكس أو تحرص على إظهار تفاحة أبل الخاصة بك، تذكر جيدًا أن هذه العلامات صنعت خصيصًا لتقول لك “أنت لست وحدك“.

لوليد العيسى
بودكاست أرباع . الثقافة

لم نحيي التراث؟

الحلقة “93” من بودكاست أرباع مع ابتسام الوهيبي، خبيرة في شبكة خبراء يونسكو. عن أهمية توثيق التراث غير المادي.

لوليد العيسى
مقال . الثقافة

بعد عام من العمل عن بعد، أعود إلى نظام العمل التقليدي

ما إن أُعلن عن انتهاء العمل بالإجراءات الاحترازية، الأحد الفائت، حتى سارعت بعض الشركات إلى إبلاغ موظفيها بأنَّ نظامي الورديات والعمل عن بعد المتبعين في

حسين الإسماعيل
مقال . الثقافة

كيف تحارب المجتمعات المحافظة المثلية؟

كنت سأفتتح الحديث عن المثلية بالحديث عن المسلسل الإسباني «لاكاسا دي بابيل» (La Casa De Papel)، والذي لم أتابع سوى ردات الفعل الغاضبة حول موسمه

هيثم الروقي
مقال . المستقبل

مستقبل الإنسان، وطلب الشاورما

تبشر الكثير من أفلام الخيال بنهاية البشرية على يد الذكاء الاصطناعي الذي يزداد تطوره كل يوم، وقد كتبت وكتبت وكتبت وكتبت مرارًا على ثمانية عن هذا الشيء.

ثمود بن محفوظ
فلم . الثقافة

صناعة مختلفة في هوليود

اليوم، أميركا تسيطر على الإنتاج العالمي في السينما والأفلام إجمالاً. والإنتاج هذا دومًا يرمز لتلك المدينة في لوس أنجليس، هوليود. يتفق جميع من في هوليود على قانونٍ واحدٍ في مفهوم الإنتاج: فلم أكبر هو أفضل، والكبير هو الأفضل. والأمثلة كثيرة.. تكاد أن تكون كلّ الأفلام التي تصل إلى صالات السينما في كلّ العالم (عدا) السعودية، هي من تلك الأفلام التي تجد ميزانيتها تتجاوز 100 مليون دولار.

عبدالرحمن أبومالح