المستعمرة
قرار المجمعات التجارية
عبدالرحمن أبومالح
الجادة 8
تصميم المطار
عبدالرحمن أبومالح

تصمّم المحلات التجارية لتكون القلب النابض لجلب المزيد المبيعات. فعندما تذهب إلى متجر باحثًا عن جورب وتخرج بقميص، فهذا ليس خطأك حبيبي. فالمتاجر تصمّم بشكل تظهر فيه جميلةً، مرحبّة بالكل، القطع مرصوصة ومعروضة بشكل متقن تجعلك تشتري ما تريد وما لا تريد.  هذا ما يعرف بتأثير جرون!

سميّ تأثير جرون نسبةً للنمساوي ابن فيينا، فيكتور جرون. ترك جرون النمسا عام 1938 قاصدًا التفاحة الكبيرة: مدينة نيويورك، حيث صنع اسمه علمًا في تصميم تجربة التسوّق.

والعجيب، أنّه صنع هذا في وقتٍ كان فيه الناس فقارى لا يملكون المال، فكيف بهم يذهبون للمتاجر والتسوّق! إلاّ أنّ جرون صنع الطعم الذي يغري النّاس من خلال تصميم نوافذ أخّاذه وصناديق زجاجية أنيقة في تلك المتاجر. فكان يراهن جرون أنّ التصميم المذهل.. يعادل الأرباح المذهلة. فكلّما زاد جمال وإبهار طريقة العرض وما حولها، طالت رغبة المستهلكين في البقاء في المتجر.وكلّما بقوا وقتًا أطول داخل المتجر، زادت فرص الشراء أكثر.

بدأ جرون في بناء المتاجر بواجهاتٍ أمامية في أرجاء الولايات المتحدة. وفي هذه الأثناء عندما كان يجول الولايات، لاحظ الوقت الذي يقضيه الأميركان في سياراتهم. وكانت تظهر الصورة أكثر وضوحًا في ضواحي المدن الأميركية. وكان جرون يكره السيارات، كان يراها أسوأ الاختراعات التي طار بها الأميركان.

كانت الضواحي تفتقر ما يسميه عالم الاجتماع راي أولدينبيرج بالأماكن الثالثة. فلو كان المنزل هو المكان الأساسي، والعمل هو المكان الثاني، فالمكان الثالث هو أي مكان آخر يجتمع فيه الناس ليتعرفوا على بعضهم، ويجلسوا ويشعروا بالتواصل فيما بينهم. فأراد جرون أن يمنح أولاءك الأميركان ذاك المكان الثالث.

جزيرة للتواصل

تخيّل جرون تصميم بيئة خضراء مليئة بالمتاجر. مكان مغلق.. يظهر كما لو أنّه.. جزيرة للتواصل. مكان للوصول إليه، يجب على الأميركان النزول من سياراتهم. رأى جرون أنّ تصميمه سيكون حلاً معماريًا سحريًا، لم يسبقه أحد من العالمين إليه. سيكون حلاً للبيئة، وللتجارة، وللمشاكل المجتمعية التي رأها جرون. كلّ هذا يتم، بتشيد مبنىً واحدًا. قدّم جرون حلّه السحري لأميركا: المجمعات التجارية.

كانت رؤية جرون الكاملة للمجمع، أن يكون أكثر من مجرد متاجر. هو تخيّلها كخليط من المرافق والشقق والمكاتب والمراكز الصحّية ورياضٍ للأطفال ومكتبات، وكونها كانت تلك الحقبة في الخمسينات من القرن الماضي، فكذلك هي.. ملاجئ. رسم جرون مخطّطات نظرية لكيف تظهر المجمعات التجارية. رسمها منذ وقتٍ طويل قبل أن يبني مجمعًا واحدًا. حتى أن أتى عام 1952، ووجد من يرغب ببناء أول مجمع تجاري مغلق ومكيّف. كان هذا في مدينة أداينا في ولاية مينسوتا.

افتتح المتجر في عام 1956، والذي أطلق عليه: ساوثديل. وإن كان للمجمعات أم، فساوثديل هو أم المجمعات. فقد أخذ جرون بنسخه في كلّ مكان. والحقيقة، أنّ المجمع لم يكن خليطًا من المرافق كما تخيله جرون. فلم يعش الناس هناك، ولم تفتح رياض الأطفال، ولا مكاتب للبريد. إلاّ أنّ المجمع كان مليئًا بالمتاجر بكل أنواعها. وكان كذلك مليئًا بالمتسوقين.

من الخارج، كان ساوثديل، مملاً، ليس به ما تعجب به، أو ما تنظر إليه. هو تمامًا، كأي مجمعٍ تجاري، مبنى مربع بواجهات رتيبة وأبواب ضخمة ودون أي نوافذ تذكر ودون لافتات. فكان الطعم والإغراء والعرض المذهل يتم داخل المجمع لا خارجه. كان المجمع هو أشبه بالمكان المقدّس للأميركان القاطنين في الأرياف والضواحي، وكون الأميركان كانوا يحبّون قيادة السيارة، فكان الذهاب لتلك المجمعات نزهة. لكن هذا، ومع مرور الوقت، بدأ يقلل الزيارة للمدن الكبيرة، ويضعف اقتصادها.

كان الكثير يتهافت للمجمعات، لكونها المكان الوحيد الذي يتم التحكم بدرجة الحرارة فيه

فقرّر جرون أن يساعد في إعادة تشكيل تلك المدن. وفعلاً، عمل على إعادة تصميم المدينة، فأخذ يعيد تصميم وسط المدينة ليكون صديقًا للمشاة، يجولون الشوارع الخضراء التي تساعد في تخفيف درجة الحرارة وتوفر الظلال، وتزيّن المكان، وأوجد المتاجر المصطّفة بجانب بعض. شيّد في مدينة كالامازو في متشجان أول مجمّع تجاري خارجي في الولايات المتحدة. وأخذ ينسخ الفكرة وحاول أن يطبق أفكاره كاملةً على الجادة الخامسة في مدينة نيويورك، وأغلقوا الطريق لعدة أسابيع للتجربة، إلاّ أن نيويورك عنيدة، وأبت.

وبدأت فكرة المجمعات التجارية تغزو كل المدن الأميركية. بين الستينات والتسعينات، كان الكثير يتهافت للمجمعات، لكونها المكان الوحيد الذي يتم التحكم بدرجة الحرارة فيه. لكن، اليوم، في أميركا وأوربا، ومع قدرة الناس على التحكم بدرجة الحرارة في كلّ مكان، لم تعد المجمعات المغلقة مكانًا مغريًا بالنسبة لهم. أصبحوا يبحثون عن الأماكن الخارجية.

فلك أن تتخيل، في أميركا كلّها لم يبنَ مجمعًا تجاريًا بعد العام 2006. وإنمّا أصبح الاستثمار والبناء يتمحور حول المراكز الحيوية. هي قريبة تمامًا من المجمعات، إلاّ أنّها مفتوحة على عنان السماوات، بها العديد من المرافق والمساكن والكثير من المطاعم وحتى أحيانًا أجزاءً من الجامعات. هي أقرب.. إلى ما كان يحلم به فيكتور جرون.

بدأت تغلق الكثير من المتاجر والعلامات التجارية الكبرى جلّ فروعها

في العقد الماضي، المجمعات المغلقة في أميركا أصبحت إمّا مهجورة. وتجدها تدرج واحدًا تلو الآخر في موقع ديدمولز.كوم. أو تحوّلت إلى أماكن ثالثة للمجتعمات المكسيكية.

واليوم، في أميركا، بدأت تغلق الكثير من المتاجر والعلامات التجارية الكبرى جلّ فروعها، في توجه جديدٍ تمامًا لما نعرفه عن المجمّعات. فمع نهضة التجارة الإلكترونية، لا تجد الشركات أنّ المجمعات أصبحت ملاذًا للتسوق، وإنّما هي مكانًا للترفيه لا أكثر. اليوم، تجدها تحوّلت من متاجر إلى معارض، بها موظف أو اثنان، يقودانك لشراء السلعة التي تريد عبر الإنترنت.

تريد قراءة المزيد؟
الاسم الاول
الاسم الاول
الاسم الاول
الاسم الاول
تسجيل
عضوا فعلا؟ تسجيل الدخول