الرأسمالية
رغبة الشراء وخداع الحواس
أيمن اليحيى
X
مخيف جدًا: الذكاء الاصطناعي يبدأ في تربية أطفالنا
تهاني عبدالرحمن

هل سبق لك أن دخلت مطعماً ذات مرّة، عاقداً النية لشراء سلطة مثلاً أو أي طبق جانبي آخر ثم تفاجأت بأنك شممت رائحة لذيذة لبرجر لحم بالجبنة تحوم في الأفق، فلم تستطع مقاومتها وتغيرت نيّتك من السلطة للبرجر؟

المطاعم تفعل ذلك عمداً، لا تستغرب! لأن الذي شممته ليست رائحة البرجر ذاتها بل هي رائحة مصطنعة قادمة من نظام التكييف في المطعم مكوّنة من تركيبة كيميائية تعطي نفس رائحة اللحم المشوي الشهي في البرجر مع الجبن الذائب!

مثلًا، مطعم صب واي في بعض الدول يطلق رائحة كيميائية لما يشبه رائحة الخبز الطازج من خلال مضخات في الشارع يشمها المارة.

في أغلب متاجر التجزئة حول العالم، يضعون المخبز بجانب المدخل تمامًا أو بالقرب منه. الهدف من ذلك هو رفع المبيعات لتلك المتاجر! نعم، فرائحة الخبز تُشعر النفس بالراحة وتعطي إحساساً بالجوع مما يجعل المتسوقين يشترون أكثر من احتياجاتهم الفعلية. أيضًا الموسيقا التي يتم تشغيلها داخل المتاجر يتم اختيارها بطريقة تسويقية بحيث يشعر الزبون من خلالها بالراحة التامة والاستمتاع وعدم الملل، والهدف من ذلك هو الاستمرار بالتسوّق وعدم التفكير بالوقت.

أما الإضاءة في المحلات فهي علم بذاتها، ففي قسم الخضروات مثلًا تستخدم إضاءات محددة لإظهار الألوان كالأخضر والأحمر أكثر نضارة. أما في محلات الملابس فيتم استخدام إضاءة تعطي شيئًا من “التغبيش” لتخفي عيوب القطع. لم ينتهِ الأمر هنا، فحتى في غرف القياس لدى بعض محلات الملابس قد توضع مرايا خادعة أحيانًا تجعلك تبدو أطول من العادة وربما أنحف بقليل مما أنت عليه، وقد تعود للبيت وتبدأ الشكوك أنك لم تحضر نفس القطعة، لكنك فعلت! أما عن الإضاءة المستخدمة في قسم مستحضرات التجميل فهي مما يساعد على ظهور عيوب البشرة.

صوت القرمشة؟

صوت القرمشة في رقائق الذرة من شركة Kellogg’s مصطنع، فهناك مختبر خاص يتأكد من جودة صوت القرمشة لجعله يختلف عن أي علامة منافسة. فلا يُعجب الناس رقائق الذرة إلا من علامة Kellogg’s، بسبب صوت القرمشة؟ ربما!

كانت تعاني متاجر 7-Eleven الشهيرة من السطو على متاجرها، فقاموا بتجربة عبارة عن وضع سماعات في مواقف المتجر تبث مقطوعات كلاسيكية هادئة، عندها انخفضت عمليات السطو والسرقات بشكل رهيب.

في عام 2012، قامت شركة دانكن دونتس في مدينة سول في كوريا الجنوبية باستخدام هذا الجانب النفسي عن طريق ابتكار جهاز معطر للأجواء برائحة القهوة تم تثبيته في الحافلات والقطارات، يقوم بإطلاق الرائحة عند سماع النغمة الخاصة بـ دانكن دونتس في الراديو، الأمر الذي يجعل الركاب يفكرون بشرب القهوة ذاتها فور نزولهم والاتجاه لأقرب فروع دانكن دونتس في وسط المدينة. 16% كانت هي الزيادة في عدد الزوار، و29% هي الزيادة في عدد المبيعات بعد هذه الفكرة المجنونة.

كل ما ذكرته يُسمى في علم التسويق بتأثير الرسائل المضمنة (Subliminal Messages). ربما يكون هذا هو الباب الأول لعالم التسويق، وهو مخاطبة العقل اللاواعي قبل الواعي. المعروف أن التسويق مرتبط بعلم النفس والتحليلات النفسية لما يدور في عقل المستهلك، ولكن الارتباط قد يزداد أكثر وأكثر في المستقبل. الرسائل المضمنة في التسويق هي الرسائل التي تخاطب العقل اللاواعي لدى المستهلك وتؤثر في قرار الشراء لديه، وهي تختلف عن الرسائل المباشرة. بشكل أوضح هي تلك التي لا يدركها المستهلك بعقله الواعي، بل تشعر بها حواسه الخمس من خلال مخاطبة العقل اللاواعي لديه مثل ما تم ذكره من أمثلة في أول المقالة، وبالتالي فإن هذه الرسائل تحفّز المستهلك على الشراء أو حتى تعمل على تغيير نيّته تماماً من شراء سلعة معينة إلى شراء سلعة أخرى.

الفرق بين الرسائل المضمنة أو غير المباشرة وبين الرسائل المباشرة هي في معرفة المستهلك وإدراكه لهذه الرسائل بعقله الواعي. أحد وسائل الرسائل المباشرة هي الإعلانات التي تعرض في التلفاز، الشبكات الإجتماعية، المذياع، والتي مضمونها غالباً يكون “إذهب واشتر منتجنا، منتجنا هو الأفضل”. لذا فالمستهلك يعلم تماماً أن ما يراه في التلفاز أو ما يسمعه في المذياع هي إعلانات تجارية مدفوعة الثمن هدفها الإعلان عن المنتجات أو العلامات التجارية وإخراجها بأجمل صورة حيث يدرك كل ذلك بعقله الواعي، وبالتالي جانب التحفيز لديه ربما يكون أقل وقد لا تؤثر عليه بشكل كبير كتأثير الرسائل المضمنة أو غير المباشرة والتي يعتقد المستهلك من خلالها أن اتخاذه لقرار شراء برجر بالجبنة كما في المثال الذي تم ذكره في أول سطور المقالة كان قراره بنفسه دون أي تأثير خارجي عليه والحقيقة هي أن رائحة البرجر المزيفة والمنتشرة حول المطعم كانت وراء اتخاذه لهذا القرار والتي قد يكون لها الأثر بنسبة كبيرة على تغيير نيّته من شراء السلطة إلى شراء البرجر.

جميع الطرق التسويقية التي تتبعها الشركات هي محاولات لإرضاء غرائز بشرية. غرائز كالجوع، حب التميّز، الجمال، الإحساس بالأمان. عليك أن تعرف أنك كإنسان أكثر سعادة عندما تشبع هذه الغرائز. لذا كان كل ما سبق يساعدك لتحقيق ذلك. كما أنها أيضاً محاولات لعدم نسيان علامتهم التجارية في عقلك باستخدام كل الحواس وليس فقط بصرك.

في النهاية هناك بعض النصائح المهمة إليك:

كمستهلك، احمِ أموالك وكن واعيًا ومتيقظًا لكل هذا. فمثلاً، لا تذهب للتسوّق في متاجر التجزئة جائعاً. قم بشراء ما تحتاجه لا ما ترغبه، عندما تدخل محلاً ما اشترِ حاجتك المحددة مسبقاً ولا تلتفت للمنتجات الأخرى أو الإعلانات والتخفيضات المنتشرة حولك، ذلك يحد من وقوعك في شراء ما لا تحتاجه فعلاً. كصاحب هدف (تجاري أو اجتماعي) تنبه لهذه الحقائق واستخدمها في صالحك طالما أنك لا تكسر بها حواجز أخلاقية.

تريد قراءة المزيد؟
الاسم الاول
الاسم الاول
الاسم الاول
الاسم الاول
تسجيل
عضوا فعلا؟ تسجيل الدخول