والدٍ وما ولد.. ليس لهما بلد

والدٍ وما ولد.. ليس لهما بلد

لعبدالله عمر
7 فبراير، 2019

قبل بضعة عشر عامًا، كنت في سنتي الجامعية الأولى حين أصيب سيدي الوالد بجلطة قلبية أقعدته في المشفى لأسابيع تنقل فيها مرارًا بين العناية “المركزة” والعناية “المخففة”. وكنت أرافقه متى ما كانت المرافقة متاحة.. كنّا نتحادث حول أشياء كثيرة، لكن كان من أكثر ما يسعده الحديث عنه، ويسعدني الاستماع إليه: حديثه عن ذكرياته في عدد من البلدان.

في ليبيا التي عمل بها مدة وحصل على جنسيتها لبعض الوقت، في مصر التي زارها كثيرًا جدًا، للعلاج أحيانًا، وللاستجمام أحيانًا، في العراق التي لفت انتباهه فيها كثرة جداريات صدام وتماثيله، والسمك المشوي الذي يباع على شط النهر، في سوريا التي كان يشتري منها، والأردن التي كان يبيع فيها، ولبنان التي فرّ منها محمومًا ليلة اشتعال الحرب الأهلية..

كنتُ أستمع باستمتاع إلى وصفه لتفاصيل السفر وتجارب الاغتراب المختلفة، وأغبطه على ما ذاق في أيامه من مختلف التجارب، على مارأت عيناه من الأنماط المتباينة في المعمار والحياة والمعيشة، على تنوع الروائح التي نفذت إلى جوفه، وتضاد الأمزجة التي تعامل معها، واختلاف الوجبات التي كان يتناولها.. من “المبكبكة” و“البازين” في بنغازي إلى “الكبة” و“كبدة الدجاج” في بيروت، مرورًا بـ“الطرْب” و“الحمام” في القاهرة، وليس انتهاءً بـ“المسخن” و“المنسف” في عمّان، ولا يهون “المسكوف” في بغداد.

ليس هينًا أن تجتمع كل هذه الوجبات في معدة إنسان واحد، وليس عاديًا أن تختلط عملات كل تلك البلدان في جيبه، وليس قليلًا أن تختزن كل ذكرياتها في داخله، فالسفرُ يصنع من المرء نسخة معدلة، ويجعل نظرته إلى الحياة أكثر اختلافًا، وفهمه لسعة هذه الأرض أعمق وأعرض.

وعلى نحو ما، تسلل إليّ ذلك الغرام بالسفر، وإن كان مرمى البصر أبعد بكثير مما كان يمكن لليد أن تناله..

وفي كل مرة كنت أقف فيها بمطار الملك عبدالعزيز الدولي بجدة، أختم جوازي مغادرًا إلى دولة مختلفة، كنت أستشعر أني أكمل سلسلة من الترحال ابتدأها والدي قبل عقود، وإن كانت الوجهات مختلفة متباينة. وإن كان السبيل واحدًا، وحملني هذا على استذكار صنوف من الميول يورثها الآباء أبناءهم..

ميول يورثها الآباء أبناءهم

ثمة عائلات توارثت الفقه في الدين: كآل قدامة الذين برز منهم طائفة من الفقهاء الحنابلة: أحمد بن محمد بن قدامة، ومن ذريته: الفقيه أبو عمر محمد بن أحمد بن قدامة، وصهره ضياء الدين محمد بن عبدالواحد. والموفق عبدالله بن أحمد بن قدامة، ولهم أصهار وأرحام برز منهم عدد ضخم من الفقهاء: كآل عبدالهادي، وبني سرور الجماعيلي، وبني عبدالواحد بن أحمد السعدي، وغيرهم.

ولا يزال في الأحساء بالساحل الشرقي من المملكة عدد من العوائل التي ينبغ منها في كل جيل عدد من الفقهاء والعلماء: كآل الشيخ مبارك، وآل الجعفري، وآل الملا، وآل العبدالقادر.. وغيرهم

وعرف الدمشقيون أسرةً عُرفت بأسرة الخطيب، توارث بنوها مهنة الخطابة في الجامع الأموي على مدى أجيال وأجيال.

واشتهر في التاريخ الإسلامي وغير الإسلامي عوائل توارثت الحكم والسيادة في بقاع مختلفة من الأرض، وعوائل توارثت الثروة والوجاهة، وأخرى توارثت القضاء والفصل في الخصومات..

كما كان من السائد إلى عهد قريب توارثُ المِهن المتنوعة على مدى أجيال متطاولة: فترى العائلة تنسب إلى مهنةٍ ما، يرثها الابن عن أبيه الذي ورثها عن أبيه.. فهناك أسر توارثت الخياطة، والحدادة، والنجارة، والعقادة، والصرافة، والسمكرة، والبناء، والفرانة، والطب، والطبخ، والصحافة، وأصنافًا لا تحصى ولا تحصر!

الترحال

لكن التاريخ عرف أسرًا مختلفة توارثت الترحال واتخذته أسلوب حياةٍ.. ولا بأس بشيء من الحديث عن أسماء ورثت السفر والترحال على أكثر من نحو.

وعلى سبيل المثال: ذاع في القصيم إلى عهد قريبٍ أن تتوارث بعض الأسر السفر من أجل بيع وشراء الإبل والغنم ومختلف السلع في محطات متعددة من بلاد الله، وضربت هذه المهنة المتوارثة في التاريخ عدة قرون! وسمي أولئك الرحالون في طلب الرزق بـ“العقيلات”، وصار لهم رسومٌ وتقاليد خاصة، وسماتٌ يُعرفون بها ويثنى بها عليهم في الناس.

وبعيدًا عن التجارة، قريبًا من العلم والدبلوماسية، يبرز أمامنا اسم فريدريش زون، العالم والدبلوماسي الألماني، الذي وُلد في ألمانيا لأب دبلوماسي، وعاش طفولته في القدس التي كان والده يعمل بها قنصلًا، ولما بلغ مبلغ الرجال التحق بالسلك الدبلوماسي خلفًا لوالده، وتنقل بين بلدان مختلفة: كالعراق وإيران وفلسطين والمغرب ورومانيا والبرتغال، ومرت السنوات، وولد له ابنٌ التحق بالعمل الدبلوماسي أيضًا، ولما صار عمر فريدريتش زون تسعة وسبعين عامًا سافر إلى الصين ليزور ابنه الموظف بالسفارة الألمانية في بكين؛ وهناك مات بين يدي ابنه الذي أكمل بعده مسيرة الترحال تحت راية الدبلوماسية.

بعيدًا عن الدبلوماسية

وبعيدًا عن الدبلوماسية، قريبًا من المغامرة.. ترحل أسرةٌ فرنسية من العمق الفرنسي إلى الجزائر التي كانت مستعمرة فرنسيةً، وتعيش تلك الأسرة حياةً مزدوجةً، فهي أسرة فرنسيةٌ، لكنها أسرة تحاول أن تبدو عربيةً، تختلط بالسكان المحليين، وتحاكيهم في الطعام والشراب، واللباس ونمط المعيشة، وتتقمص دور الفرنسي المتحول جزائريًا، وينبت في تلك الأسرة نبتٌ هو ابنها جول جرفيه (Jules Gervais) الذي يتمادى في “الاستعراب” والازدواج: فهو يعيش حياتين: حياة عربيةً مع رفاق الحي، وحياةً فرنسية في منزله، بهواية كان لها وجود في الوسط الشبابي الفرنسي، وهي هواية التصوير الفوتوغرافي، وفي ذات لحظة حاسمة يشهر جول إسلامه الذي يقال إنه إسلام مزيف! ويتخذ لنفسه ظاهرًا إسلاميًا: لحيةً، وجواز سفر جزائريًا باسم “عبدالله بن البشير”، ويسافر إلى مكة مع قافلة الحجيج، ويلتقط لمكة المكرمة عدة صور من جبل أبي قبيس..

ذلك كان حديثًا موجزًا، جرني إليه أني أخذت -من إسطنبول- أتذكر سيدي الوالد الذي طالما حدثني في مكة عن أسفاره في مختلف البلاد.. والولد سر أبيه كما يقول التعبير العربي القديم!

كل الصور في المقالة للمصور Jules Gervais

النشرة السريّة
النشرة انضم للآلاف من أصدقائنا السريين، وتصلك رسالة كل يوم سبت يشرف عليها فريق العمل كاملًا
×