الجادة 8
إمّا مع دارث فيدر، أو مع الإرهاب
فيصل العريفي
الرأسمالية
ألم الدفع
أيمن اليحيى

قد تظهر لنا الكثير من الأفلام بأنّها سطحية وذات نصوص ركيكة كتبت لجني الأموال، وتصدّر شبابيك التذاكر. ولكن حين نمعن النظر في رمزياتها وإسقاطاتها نجدها أعمق من ذلك بكثير.

كتابة الأفلام شبيهة بكتابة الروايات أو القصص المصورة. فهي وسيط يعبّر من خلاله الفنّان عن أفكاره، وينسج عالمه الخاص. تجده يجسّد من يكن له مشاعر الكره بشخصيات وحشيّة ومجرمة. ومن يرى فيه بصيص الخير والأمل يستوحي منه شخصية البطل. يحاول عبر عالمه هذا تقديم رمزياته وتهكّماته على العالم الواقعي، لكن عبر شاشة السينما التي تستطيع أخذنا إلى مجرة بعيدة، بعيدة جدًا.

الأفلام كنافذة للهروب من العالم

كانت هذة الظاهرة جليةً تمامًا على من يقرأ بين السطور ويدرس الشخصيات بعناية في سلسلة ستار وورز (Star Wars). نعم هذه السلسلة المحببة للأميركان، وللبعض منّا، والتي خصصّوا لها يومًا سنويًا للاحتفاء بها من شدّة تعلقهم بعالمها.

ولكن ما يخفى على الكثير منهم، أن استلهامات الكثير من الشخصيات المحببة لديهم، والتي تعلقوا بها لدرجة أنهم يطبعونها على قمصانهم التي يلبسونها وأكوابهم التي يشربون منها وحقائب الأطفال التي يبكون من أجل اقتنائها، استلهمت من أعلام السياسية الأميركية.

ففي تصريح لصحيفة شيكاغو تريبيونأوضح جورج لوكاس (George Lucas) مخرج السلسلة، أن فترة حرب فيتنام، ومحاولات الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون ترشيح نفسه لولاية أخرى، كانت أحد أهم المؤثرات ومصادر الاستلهام  التي ساعدته في بناء هذا العالم وتكوين شخصياته.

قام لوكاس أيضًا، بإيضاح الكثير من الأمور والرمزيات السياسية في هذه السلسلة، وكيف ساعده ذلك على تقوية ارتباط المشاهدين بالسلسلة. وكيف أن محبي السينما يستخدمون الأفلام كنافذة للهروب من عالمهم، ولا يريدون أن يروا أو يسمعوا بها نفس القضايا، والأسماء السياسية التي تملأ يومهم في كل مكان. يكفي بأن يروهم حين يقلبوا محطات التلفاز، ويظهروا لهم حين يقوموا بتشغيل المذياع في طريقهم للعمل، ويرونهم في اللوحات الدعائية في أنحاء الطرقات.

"أنتم إمّا معنا، أو مع العدو"

تجلت براعة لوكاس باختزال العالم السياسي في سلسلته. وتجسيد أهم الرموز في شخصياته بطريقة شيّقة، وغير مباشرة. فعلى سبيل المثال، شخصية الإمبراطور بالباتاين الشهيرة كانت مستوحاة من شخصية الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون. وعندما قاموا بسؤال جورج لوكاس عن ماضي الإمبراطور أجابهم متهكمًا:

“لقد كان سياسيًا. كان اسمه ريتشارد نيكسون. وقام بقلب نظام مجلس الشيوخ وأصبح إمبراطورًا، وكان شريرًا و لكن يتظاهر دومًا بأنه رجل لطيف”.

لم يتوقف لوكاس عند هذا الحد فحسب، بل قام بإسقاطات واضحة للعلن ليشير إلى رمزيات شخصياته. مرة اخرى كانت السياسة مصدر إلهام ساعده في نسج وبناء عالم ثلاثيته الثانية. التي تقاطعت فترة إنتاجها مع فترة الحرب الأميركية على الإرهاب ورئاسة بوش الإبن.

ففي الحلقة الثالثة من السلسلة، والمنتجة عام 2005، قامت لوكاس باستعارة إحدى أشهر خطابات جورج بوش في فيلمه. نعم، استخدم تلك الجملة الشهيرة “أنتم إمّا معنا، أو مع العدو” التي قالها في خطابه عندما أعلن الحرب على الإرهاب عام 2003.

في الفيلم، استعار دارث فيدر (Darth Vader) هذا الخطاب عندما قال في أحد المشاهد الأيقونية “إذا لم تكن معي، فأنت مع العدو”. يرى جورج لوكاس، الرئيس بوش رمزًا للشر، ولكنه كان في ماضيه رجلًا صالحًا في حين أن الشر المطلق يتمثل في ديك تشيني (Dick Cheney)، نائب الرئيس آنذاك. وساعده ذلك في تشكيل شخصية الإمبراطور الذي قام باستقطاب دارث فيدر من جانب الخير إلى الجانب المظلم.

رونالد ريغن، وباراك أوباما، وهيلاري كلينتون، وغيرهم الكثير من السياسيين استخدموا إقتباسات من ستار وورز في خطاباتهم وحملاتهم الدعائية. لا عجب في ذلك، إذا علمت أن جورج لوكاس قام بكتابة ملامح السلسلة وقت دوامة قضية ووترغيت (Watergate)، وفترة إعلان الحرب على الإرهاب. وأن دوافع كتابة هذه السلسلة هو الوضع السياسي المرتبك في الفترتين، فقد أجاب لوكاس عن سؤاله عن الرمزيات السياسية في السلسلة الأصلية وقال:

“لقد كانت عن حرب فيتنام وفترة رئاسة نيكسون، والتي جعلتني أفكر تاريخيًا عن كيف يتم تحويل الديمقراطيات إلى دكتاتوريات؟ لأن الديمقراطيات لا يطاح بها، ولكنها تسلب من الداخل”.

فعندما تقوم بمشاهدة فيلم جديد، عليك بالتمحيص في خباياه و طبقاته. ورسم الخطوط بين رمزياته وعالمنا الحقيقي. أو افعل كما فعل البقية، ارجع ظهر كرسيك للوراء وخذ رشفةً من مشروبك المفضّل، وقم فقط بالاستمتاع بما هو أمامك. كما هو.

تريد قراءة المزيد؟
الاسم الاول
الاسم الاول
الاسم الاول
الاسم الاول
تسجيل
عضوا فعلا؟ تسجيل الدخول