الجادة 8
هل الحرية المطلقة دون أيّة حدود هي ما نريده فعلًا؟
أسامة بن نجيفان
الجادة 8
كيف غيرت السينما حياة مراهق
خالد تركي

لا يتوقف الحديث عن الحرية والتحرر من القيود، أيًّا كان قالبها، سياسيًّا، أو دينيًّا، أو حتى مجتمعيًّا، وكذلك دعم مبدأ الاختيارات والحريات الشخصية، وعدم وجود أي سقف من أي نوع يمنع الأشخاص أو يرشدهم. ماهي نتائج هذه الحرية؟ وهل الفرد قادر على تحديد سقف حريته بناءً على ما يراه مناسبًا؟ الحرية الجنسية، مثلًا، تحولت من أمر طبيعي ورغبة إنسانية بشرية وحاجة أساسية، إلى مشكلات غير منتهية.

في تسعينيات القرن العشرين، تأسست منظمة “Enough Is Enough“، وهي غير ربحية تهدف لتوفير بيئة آمنة للعائلات والأطفال على الشبكة العنكبوتية. ومنذ الانطلاقة حتى هذا اليوم، وهي توفر المصادر والدراسات والأبحاث في ما يخص المحتوى الإباحي وتجارة البشر في الجنس. وما يلي من أرقام هي جهودهم في البحث والتقصي والإسهام في توفير مراجع علمية حول هذا الموضوع.

في مراجعة (46) دراسة أظهرت النتائج أن مشاهدة المقاطع الإباحية تزيد من نسبة الاعتداء الجنسي على الآخرين من قبل المُشاهد. ويفوق عدد زوار مواقع الأفلام الإباحية كل شهر مجموع زوار “نتفليكس” و”تويتر” و”أمازون”. البحث عن تعبير “Teen Porn” الذي يعني “مقاطع إباحية للمراهقين” تَضاعَف بين 2003 و2013، وأصبح البحث يصل إلى 500 ألف مرة خلال اليوم الواحد.

في دراسة شملت عددًا من المواقع الإباحية الشهيرة، وبتحليل بعض محتواها، تبَيَّن أن 82% منها يحتوي على مَشاهد عنف جنسي ضد النساء، ومع ذلك يظهر للمُشاهد أن النساء في قمة سعادتهن بهذه التصرفات ، وهذه التصرفات هي ما تزيد من نشوتهن الجنسية، وعليه تزيد نسبة ممارسة المُشاهد هذا النوع من العنف الجنسي.

خلال كل نصف ساعة تقريبًا هناك مقطع إباحي جديد في الولايات المتحدة الأميركية. و30% من محتوى الشبكة العنكبوتية “إباحي”.

يزعم موقع “PornHub” أنه قدَّم في عام 2015 فقط نحو 75 جيجا بايت من مقاطع الفيديو في الثانية الواحدة. وتستطيع أن تحمل هذه البيانات وتملأ 175 مليون جهاز iPhone بسعة 16 جيجا بايت. عدد المشاهدات على الموقع في العام نفسه بلغ 87.8 مليار مشاهدة، وهذه الإحصائية تخص موقعًا واحدًا فقط من مئات المواقع حول العالم. هذا النوع من التجارة يندرج ضمن “الحريات الجنسية”.

هناك أكثر من 700 ألف شخص مُسجَّل في النظام القانوني الأميركي كمرتكب لجريمة اعتداء جنسي. الطلب المستمر على محتوى جديد ومتنوع في قطاع صناعة الأفلام الإباحية يزيد من نسبة الفتيات والأطفال الذين يُستخدَمون في هذا النوع من التجارة، ويزيد نسبة إجبار دخول المراهقين إلى هذه الصناعة، ويرفع من معدل تجارة البشر في الجنس.

هذه الأرقام ليست إلا قطرة في محيط، وهذه القطرة أساسها “الحرية” و”الاختيارات الشخصية”، ومعيارها قانون يضعه الإنسان، لا يستند فيه إلى مرجع ديني أو مجتمعي، بل هو عائد إلى ما يراه مناسبًا كفرد، ويعتقد أن العقل وحده كافٍ لتحديد ما يراه صحيحًا.

مع وجود هذا الكم الهائل من المحتوى الجنسي، لا بد من وسائل متعددة لممارسة الجنس، وتفريغ هذه الطاقة الكامنة، ومن هذه الوسائل: “المواقع الإباحية”، و”مواقع المواعدة”، و”دور البغاء”، “وتجارة البشر في الجنس“، ما يوفر إمكانية وجود العلاقة الجنسية دون زواج، أو الارتباط بفتاة واحدة، وممارسة الجنس مع أكثر من فتاة.

رغم كل هذا نجد وسم “#أنا_أيضًا” ينفجر في وجه الذكور المتحرشين، ويكشف وجود مشكلات أكثر في التحرش الجنسي داخل هذه المجتمعات. ماذا تريدون أكثر من هذه الحلول الجنسية لتفريغ شهواتكم؟

وجود هذه الخيارات المتعددة عزز نوعًا مختلفًا من الخيال الجنسي، والبحث عن كل جديد وغريب بهدف إشباع هذه الرغبة. هذا لا يعني أن الخيارات المتعددة هي السبب الأساسي والوحيد، لكن هذه الخيارات المفتوحة أدت إلى هذا النوع من التجربة الجنسية المختلفة.

حين يرتاد أحدهم هذه المواقع الإباحية يجدها تعج بمختلف الفئات والتصنيفات: “رجل يمارس الجنس مع آخر”، “امرأة مع أخرى”، “رجل مع أكثر من امرأة”، “فتاة مع أكثر من رجل”، “مقاطع جنسية سادية”، “الممارسة مع صغار السن”، “فتاة مع والدها”، “الجنس في السيارة أو على الشاطئ”، “ممارسة جماعية لعشرات الأشخاص”، والقائمة لا تنتهي، وفي كل مرحلة يزداد الخيال الجنسي لدى المُشاهد، ما يجعله غير قادر على إشباع رغباته بطريقة طبيعية.

يبدأ الفيلم الوثائقي الذي يناقش الثورة الجنسية الجديدة بين الجيل الناشئ “Liberated: The New Sexual Revolution” بمشهد يظهر فيه شاب يتفاخر بين أصدقائه بممارسة الجنس مع إحدى الفتيات التي لم يقابلها إلا منذ يوم واحد، وكانت هذه الليلة أول تجربة جنسية لهذه الفتاة.

هذا الكم الهائل من المحتوى الإباحي والانفتاح الجنسي في المجتمع يقابله نوع من التصرفات الجنسية التي تظهر عواقبها في وقت لاحق بين المجتمع ، سهولة ممارسة الجنس تؤدي في أحيان كثيرة لأحداث تنتهي بزيادة نسبة الأطفال المتاحين للتبني ، يلتقي الشاب بالفتاة ، يمارسون الجنس ، تذهب الفتاة في حال سبيلها ، تحمل الفتاة ابن ذلك الشاب الذي لا تعرف منه إلا اسمه ، تقرر عدم إنهاء الحمل ، يولد هذا الطفل وتقرر الفتاة عرضه للتبني ويذهب هذا الطفل في سوق التبني دون أب أو أم أو عائلة تحتويه.

حرية الإجهاض والتبني في أميركا

في عام 2011، كان هناك مليون ونصف المليون حالة إجهاض في الولايات المتحدة الأميركية، وفقًا لمركز “السيطرة على الأمراض والوقاية منها” (CDC). في 2014 أُجرِيَ 80% من حالات الإجهاض لنساء غير متزوجات. الفتيات في عمر العشرين هن النسبة الأعلى في الإجهاض، مع وجود 10% حالة إجهاض لفتيات أعمارهن بين 15 و19 عامًا.

أما عن التبني، فحتى نهاية سبعينيات القرن العشرين كان مسموحًا فقط للمتزوجين الذين لا يستطيعون الإنجاب بسبب مشكلات طبية. هذه الأوضاع القانونية للتبني تغيرت مع تنوع الأشكال الجديدة للعلاقات التي تزيد من نسبة الأطفال المعروضين للتبني، وتزيد أيضًا من نسبة الذين يبحثون عن طفل. وفي الفلم الوثائقي، نجد أن طريقة عرض الأطفال للتبني أشبه ما تكون بزيارة ملجأ حيوانات للأسف، إذ يعرضوهم بالصور، مع ملف خاص بكل طفل، حتى يتعرف عليهم الراغبون في تبنيهم. هل ذهبت إلى ملجأ خاص بالقطط؟ وهل لديك معرفة بالطريقة المتبَعة هناك؟

توضع صور خاصة بالقطط، فتذهب أنت لتراها، ثم تقدم طلب التبني، وتمر بعدد من المراحل قبل قبول طلبك. إنها ذات الطريقة مع الأطفال في مراحل التبني.

هؤلاء الأطفال هم ضحية “الحرية الشخصية و “الحرية الجنسية” هنا في منظمة “adopt” توجد صفحة خاصة بعرض الأطفال للتبني: صورهم، ومعلوماتهم. وبإمكانك الاختيار ما يناسبك منهم. هناك ما يقارب 7 ملايين طفل تم تبنيهم في الولايات المتحدة الأميركية. ممارسات جنسية غير منتهية دون أي حدود ، دون أي ضوابط دون أي قيم تنتهي بالإجهاض أو عرض الطفل للتبني.

ماذا عن الأشخاص الذين لم يتم تبنيهم؟ لم يتم تسجيلهم في النظام؟ الذين يعيشون في الطرقات والسبب لا عائلة تحتويهم أو أهل ليعود لهم؟ مشكلة المشردين هي قضية مختلفة، حيث نُشرت دراسة في مطلع 2017 تشير إلى وجود أكثر من نصف مليون شخص يعيش مشرد خلال ليلة واحدة في الولايات المتحدة الأميركية.

حرية الخمر

ما يقرب من 88 ألف حالة وفاة بسبب الكحول بين 2004 و2010. وفي 2012 هناك ما يقرب من 10% من الأطفال في الولايات المتحدة الأميركية يعيشون مع والدَيْن يعانيان إدمان الخمور. في 2015 سُجِّل 15 مليون شخص بالغ يعانون من اضطراب الخمور. الفئة العمرية (12-17)، أي ما يزيد عن نصف مليون شاب، يعاني من اضطراب الخمور. في 2005 زاد عدد وفيات أمراض الكبد المرتبطة بالخمور عن 70 ألف حالة. الاستخدام الخطأ للخمور كلف الولايات المتحدة ما يقرب من 200 مليار دولار في 2010. وأظهرت دراسة أجريت في 2015 أن ما يقرب من مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 12 و19 يعانون من شرب الخمور المفرط.

القضية ليست ذات تأثير ملحوظ في البداية، حين تقول: ما المشكلة في كأس من الخمر بعد يوم متعب؟ أو ما المشكلة في عدم حجب المواقع الإباحية؟ أو ما الضرر في شخص يشاهد الأفلام الإباحية كل يوم لدقائق معدودات؟ أو ما المانع في أن يقرر شاب أو فتاة العمل في صناعة الأفلام الإباحية؟ هذا هو عملهم، وفي المقابل يجنون المال. أو ما الضرر من شاب يريد ممارسة الجنس مع آخر مثله؟ أو فتاة تريد ممارسة الجنس مع مثلها؟ أو شاب يمارس الجنس مع شاب وفتاة وينجذب لهما بشكل متساوٍ؟

من يحدد للكائن البشري حدوده في هذا الكوكب؟ من يقرر الصحيح من الخطأ؟ الشر من الخير؟ لماذا تمنع بعض الدول الإسلامية بيع الخمر وشربه، مع أن الإسلام كان صريحًا في قضية الخمور؟ هل الدافع الديني وحده غير كاف للمنع؟

السبب الذي يجعل الإسلام يمنع تداول الخمر من الأساس هو عدم توفير تلك البيئة التي تسمح للشخص بشربه. فالإسلام يعلم أن البيئة تؤثر في الفرد، وضررها يتعدى إلى المجتمع بأكمله، وليس ضررًا وقتيًّا ولحظيًّا. هل يصح أن تعيش منذ طفولتك في بيئة يكون فيها الكحول أمرًا طبيعيًّا، ولا يوجد ما يمنعك عنه في ذلك العمر سوى القانون الوضعي؟ الحدود أشبه بعملية تراكمية في حياة الشخص، بين حدود دينية ومجتمعية وسياسية، وتختلف هذه الحدود من ديانة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى آخر.

لا حل إلا الأنظمة والقوانين

إن توفير بيئة مجتمعية سليمة لا يعني سوء أفراد هذا المجتمع، بل هو إثبات أن البيئة والعوامل المحيطة بالشخص، مهما تكن، قد تؤثر فيه بالسلب أو بالإيجاب، ولا يعني أن الشخص نفسه سيء. ما سبب وجود أنظمة ورقابة على الامتحانات في كل العالم؟ ولماذا يُمنع إدخال الأجهزة في بعض الامتحانات؟ وما ضرورة ترتيب الأشخاص في قاعة الامتحانات بطريقة تمنعهم من التواصل؟ الهدف هو عدم توفير عوامل تساعد على الغش. وهذا لا يعني أن كل الطلبة يفضلون الغش، فالقضية هي: هل حرية الغش تسبب ضررًا وقتيًّا أم تضر بالمجتمع كله ضررًا لا يظهر إلا متأخرًا؟ حين ترى الطبيب والمهندس والقاضي الذي وصلوا إلى مناصبهم دون أي جهد منهم سوى الغش، فأي ضرر سيقدمه هؤلاء إلى مجتمعهم عن طريق خيانة الأمانة؟

بإمكانك تربية الأطفال وتهذيبهم وإرشادهم، لكن البالغين لا حل لهم إلا الأنظمة والقوانين، سواء كانت دينية، أو مجتمعية، أو حتى سياسية.

لا توجد رقابة مجتمعية، أو دينية، أو سياسية تمنعك من ارتكاب هذا الأمر. ما الذي يمنعك إذن؟ ومن الذي يحدد لك الطبيعي من غيره؟ الصحيح من الخطأ؟

ويبقى السؤال: هل الحرية المطلقة في صالح الإنسان؟ هل الكائن البشري يستطيع التعامل مع الحرية بشكل صحيح؟

تريد قراءة المزيد؟
الاسم الاول
الاسم الاول
الاسم الاول
الاسم الاول
تسجيل
عضوا فعلا؟ تسجيل الدخول