إن كنت تسير في أحد شوارع أميركا أو أزقة أوروبا أو حتى في أحد مدن نيوزيلند الساحرة، في الخامس والعشرين من شهر ديسمبر من كل عام، سترى اللون الأحمر يعم الأرجاء، ويغطي كل شيء، من قبعات بابا نويل الحمراء، إلى الإضاءات والأوراق الحمراء الصغيرة التي تتزين بها الشوارع، مرورًا بألوان المحلات التجارية، وحتى أكواب ستاربكس التي يكسوها اللون الأحمر فقط في شهر ديسمبر، والسبب لكل هذا التحول في ديسمبر بالتحديد هو مواكبة يوم عيد الميلاد (كريسماس) في الخامس والعشرين من ذات الشهر: وهو العيد الديني للمسيحيين الذي يعبر عن ذكرى ميلاد المسيح.

الأيقونة الخالدة والرمز المعروف لأعياد الميلاد هو سانتا كلوز. ذلك الرجل المسن، ذو اللحية الناصعة البياض، الذي يقوم بتوزيع الهدايا للأطفال الصغار، متوشحًا رداءً أحمرَ يصافح الجميع وتعلو على محياه الابتسامة. وسانتا كلوز في النهاية هي شخصية خيالية في التراث المسيحي تنحدر في الأساس من شخصية دينية وهو القسيس سانت نيكولاس (St Nicholas) والذي كان يصنع الهدايا ويعطيها للفقراء والأطفال في ليلة عيد الميلاد. الشخصية ظلّت في النهاية مجرد فكرة تتكلم عنها الكتب وقصص الأطفال، لا يوجد تصوّر واضح عنها وعن شكلها الفيزيائي. لكن السؤال: ما علاقة الكريسماس وسانتا كلوز باللون الأحمر تحديدًا؟

للإجابة على ذلك، دعنا نقفز لمرحلة أخرى ونذهب لشركة شهيرة وهي كوكاكولا، الذي كان منتجها في الماضي يأتي عبر قوارير اسطوانية كبيرة بعض الشيء، تمامًا كتلك القوارير التي تحمل دهن العود ولا زالت. وقد كان من السهولة لأي شخص تقليد تلك الاسطوانات في ذلك الوقت وبيعها وبالتالي فإن ذلك يضر بسمعة الشركة. شعرت كوكاكولا بالقلق من أنّ الاسطوانة لم تكن مميزة بما فيه الكفاية. حيث من السهولة الخلط بينها وبين العلامات التجارية “المقلدة”، فكان يجب عليها لزامًا أن تبحث عن حل لتلك المشكلة. أطلقت كوكاكولا مسابقة لتصميم قارورة لمشروبها المعروف.

تعتمد المسابقة على تصميم قارورة ذات شكلٍ مختلف بحيث لا يستطيع أحد صنعها وتقليدها. وفي طلب التصميم كان اهتمام كوكاكولا هو الحصول على تصميم القارورة الزجاجية بفرادةٍ يمكن لأي شخص أن يتعرّف عليها بمجرد اللمس. ليس هذا فحسب بل أيضًا التعرف عليها حتى لو وجدها مكسورة. فكانت النتيجة في النهاية هو تصميم قارورة كوكاكولا الزجاجية التي نعرفها اليوم -وقد كانت القارورة سمينة في البداية ثم تم تصغير حجمها مع مرور السنين- لكنها تحمل نفس التصميم والتي أصبحت بعد ذلك أشهر أيقونة تسويقية عرفها التاريخ.

أُعجبت كوكاكولا بالتصميم لدرجة أنها قررت تسجيل شكل وتصميم القارورة كعلامة تجارية لها. تاريخ تسجيل تصميم القارورة الزجاجية الشهيرة كعلامة تجارية كان في 25 ديسمبر، نفس يوم عيد الميلاد. ولكي تُأكد كوكاكولا للناس بأن القارورة علامة تجارية مسجلة، قرروا وضع تاريخ التسجيل أسفل القارورة. وبشكل سريع وتلقائي قام الناس بتسمية القارورة بـ”قارورة الكريسماس”.

ومنذ ذلك الحين بدأ الارتباط العجيب بين كوكاكولا وعيد الكريسماس. لم تخطط كوكاكولا أو ترسم لهذه القصة، بل الناس هم من قاموا بذلك، الأمر الذي غيّر العلامة بالكامل. لكن شركة بحجم وذكاء كوكاكولا لم يمر عليها هذا الأمر مرور الكرام. فقد استغلّ المسوقون في الشركة هذا الارتباط وقرروا ترويج قارورة كوكاكولا بأنها الهدية المناسبة في عيد الكريسماس والتي من المفترض أن تهديها أصحابك وأهلك.

في تلك السنة عام 1930،  ظهرت كوكاكولا بإعلان لرجل كبير في السن يلبس رداءً يحمل اللون الأحمر ويقدم قارورة كوكاكولا كهدية عيد الميلاد للأطفال، ذلك الرجل الكبير في السن كان المفترض أنه يمثل الشخصية الخيالية “سانتا كلوز”. وبطبيعة الحال، قاموا باستخدام اللون الأحمر كونه لون كوكاكولا المعروف لدى الناس، فعندما تخترع أي شخصية تمثل علامتك التجارية لابد أن تستخدم نفس ألوان علامتك التجارية، أبسط مبادئ التسويق.

وظيفة الإعلان أنه ينقل رسالة واحدة لكل الناس، لكي يحثّهم على التّفكير بنفس الطريقة. وهذا الذي حصل، أصبح لدى الناس جميعهم تصوّر واحد عن سانتا كلوز؛ الرجل المسن الأحمر ذو اللحية البيضاء الكثيفة. في السابق، كان الناس يقرأون عن سانتا كلوز في الكتب كشخصية خيالية، بحيث تصل لعقل كل شخص منهم صورة ذهنية مختلفة عن الآخر، يتخيل تلك الشخصية بالطريقة التي تناسبه والشكل النهائي الذي يرسمه خياله الواسع. الآن أتت شركة ووضعت صورة واحدة عن تلك الشخصية، ولأنه لا يوجد أحد قد قام برسم الشخصية من قبل، كان من السهل على الناس إدراك أن هذا الشكل لسانتا كلوز هو بالطبع الشكل الافتراضي للشخصية، والصورة المقصودة في الكتب والتي يجب أن تكون عليها.

سانتا كلوز بشكله الحالي، هذا الرمز المقدس في الحضارة الغربية هو اختراع تسويقي قامت به كوكاكولا بهدف ترويج منتجاتها السكر والماء الذي يأتي بعدة ألوان! ولذا فإن ستاربكس عندما يفكرون اليوم بترويج علامتهم في عيد الميلاد فإنهم يقومون بإستبدال أكوابهم ذو اللونين الأخضر والأبيض إلى أكواب ذات ألوان حمراء والشكر طبعًا يعود لكوكاكولا!

ولذلك فإنني لا زلت أقول بأن كوكاكولا هي أعظم شركة تسويق في العالم. بالرغم من أن إعلانات آبل مبهرة وإبداعية لكن دعك من آبل، فمن السهولة أن تقوم بتسويق جهاز كـ iPhone ذو المميزات المذهلة. لكن من الصعوبة أن تسوّق للماء والسكر.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.