قبل بضع سنين، كنت من الأشخاص الذين تأتيهم الأفكار في الحمام، حين أستحم بالماء الحار (أو أجلس فوق الكرسي). قليل من التأمل (والجهد) ليبدأ دمي بالجريان في العروق وأجد الأفكار تتطاير من خلايا مخي. قد تكون هذه الأفكار سيئة أو غير منطقية ولكن جودة الفكرة لا تهم بمقدار “ظهور الفكرة” التي تدل على أن الاسطوانة الداخلية تدور وتعمل على تجميع شتات المعلومات لتشكيل فكرة.

هذا الشيء تغير قليلًا، فلم يعد الحمام مصنع الأفكار. بل لاحظت في السنين الأخيرة أن الأفكار قلّت بشكل ملحوظ. فهل السبب في الحمام؟ أم في الكرسي؟ أم في الماء؟ أو لعلها شيخوخة مبكرة تنال من خلايا مخي الرمادية، بحيث أصبحت عاجزًا عن الخروج ولو بفكرة سخيفة؟

مالذي تغير خلال السنين الماضية؟ هل هو ظهور الهاتف الذكي، وثورة الشبكات الاجتماعية، واتصالي الدائم بالإنترنت. الحقيقة، جميع هذه الأمور نالت من عقلي، وتفكيري. وجعلت عملية الخروج بالأفكار أمرًا صعبًا نظرًا لسهولة الوصول إلى ما يشتت انتباهي ويسليني لبعض الوقت.

حتى حين قضيت الكثير من الأيام في مشاهدة محاضرات تيد (TED)، ومتابعة العلماء والأدباء على الشبكات الاجتماعية، فإن هذا لم يزد من قدرتي على الخروج بالأفكار. يبدو أنني كنت بحاجة إلى  بعض الملل، كي أبدأ بالتفكير أو القيام بالعديد من الأمور، من قراءة الكتاب الموجود على الرف منذ أشهر، إلى تركيب الدولاب الذي اشتريته من ايكيا، أو كتابة مقالة على موقع ثمانية.

الدماغ بحاجة إلى التنفس

أصبحت لا أطيق الملل ولا أسمح لنفسي بأن أصاب به. فمنذ ثورة الهواتف الذكية والشبكات الاجتماعية، أصبح الهاتف الذكي لصيقًا لي طوال اليوم. أقوم باستهلاك المعلومات والتسلية، خصوصًا عبر تويتر بشكل مستمر دون أن أتيح لدماغي أن يتوقف قليلًا لهضم تلك المعلومات. “انظر فيديو لعيوش وشعرها”…”ماهذا تحذير من روبوتات قاتلة”…”لحظة العرض الجديد لفيلم Avengers نشر على يوتيوب!!!”. دوران مستمر في حلقة مفرغة من التسلية والمعلومات التي لا تنتهي. وما أن يحل الليل حتى أصبح عاجزًا عن فتح عينيّ، وأحس بإرهاق شديد، ودماغي مصاب بالتنبلة.

وجدت في بحثي دراسات قامت بربط الملل بالإبداع. فحين يصيب الملل الأشخاص الذين لديهم حس إبداعي (إحم إحم)، ستبدأ في محاولة القيام بأي شيء، أو التفكير في العديد من الأمور وربطها في محاولة منك للتخلص من الملل الذي أصابك ويقال أن هذه الحالة أشبه بالتفكير المتباعد (Divergent thinking)، لكن باعتقادي أن وجود الهاتف الذكي قتل الجانب الابداعي.

تم اختبار هذه الفكرة في إحدى التجارب التي قام بها علماء بريطانيون. في المرة الأولى، جربوا على 80 شخصًا، والثانية على 90 شخصًا. في هذه التجارب قسّموا الناس إلى مجموعات، الأولى تقوم بمهمة مملة مثل نسخ وقراءة الأسماء، في حين أن المجموعة الثانية كانت لا تقوم بأي شيء ممل. وحين طُلب من المجموعتين اقتراح استخدامات مختلفة وغريبة للكأس البلاستيكي، فإن المجموعة التي قامت بالمهمة المملة، كانت أكثر إبداعًا وابتكارًا.

في التجربة الثانية، أوكلت مهام مملة ولكن مختلفة، ولوحظ أن مقدار الإبداع قد يختلف بنوع المهمة، فالأشخاص الذين كانوا يقرأون شيئًا مملًا، كانوا أكثر ميلًا للإبداع في إجاباتهم.

حسنًا، كانت هذه إجابة بني الأصفر. ولكنني أردت الحصول على رأي “منّنا وفينا”، فتوجهت بسؤالي إلى محمد الحاجي الباحث والمحاضر في العلوم السلوكية بجامعة ِتمْبل.

فيعتقد محمد أن الشبكات الاجتماعية تؤثر على القدرة الإبداعية للشخص، فيقول:

“بالإضافة إلى تأثير الإشباع المؤقت الذي تنتجه افرازات الدوبامين المكثفة حين تصفّحنا، فإن أخطر أثر لشبكات التواصل هي كلفة الفرصة البديلة (opportunity cost). فعندما يشغل المستخدم وقتًا معتبرًا من يومه في شبكات التواصل، فإن هامش الفرص الأخرى يتضاءل شيئًا فشيئًا، ومنها بالطبع الأنشطة الإبداعية. الإبداع عادةً يأتي نتيجة لحالة صفاء ذهني أو استغراق في اللاشيء (الملل). ونحن لا نصل لهذه الحالة أصلًا.”

ولعل ذلك ليس كل شيء. حيث يظن محمد أن هناك عاملاً نفسيًا إضافيًا لتصفح الشبكات الاجتماعية على الإبداع:

“إن استخدام الفرد لشبكات التواصل تحيله إلى رهينة نفسية في يد الآخرين. كل موجات السخط والاحتدام والسلبية التي تعج بها المنصات الاجتماعية، ستنعكس بالضرورة على نفسية المستخدم وستترك أثرًا على مزاجه الإبداعي. من يستطيع أن يعزف أو يكتب قصة أو يفكر بمشروع جديد وهو للتو خارج ممزق الثياب أشعث أغبر من تويتر؟!”

زودني محمد أيضًا بدراسة عن تأثير استخدام الشبكات الاجتماعية في العمل على قدرة الموظف الإبداعية، والتي وجَدت أيضًا أن استخدام الشبكات الاجتماعية له أثر سلبي على قدرة الموظف على الإبداع في العمل.

وفرت لنا الشبكات الاجتماعية والهواتف الذكية مهربًا سريعًا من الملل والضيق. لأن عقلك يبحث عن جرعة الدوبامين تلك، فإن أسرع وسيلة للوصول لها هو التقليب في تويتر، أو سناب شات، أو مشاهدة مقطع سريع على يوتيوب. هذه التصرفات مضرة لتفكيرك الإبداعي. الهروب المستمر من الملل لا يسمح لك بالتفكير العميق. أنت لا تعطي عقلك أكثر من 10 دقائق قبل أن تغوص في هاتفك الذكي هاربًا بين التغريدات و”السنابات”، وبالتالي فإن الوصول إلى حل مشكلة ما أو فكرة يكون غير مكتمل، فأنت لم تعطي نفسك وقتًا كافيًا للتفكير.

ضع هاتفك، وركز؟

التركيز هي الكلمة التي نسمعها دائمًا وتقال لنا في كل مرة نريد أن ننجز فيها شيئًا، ولا بد أنك بعد قراءة كلماتي (الملهمة طبعًا) قررت أن تضع هاتفك جانبًا أو على وجهه وتركز في عملك. هذا التصرف جميل ولكن له تبعات على عقلك أيضًا.

فهناك بعض التجارب التي خلصت إلى أن للهواتف الذكية تأثيرًا على قدرتنا العقلية حتى لو لم نكن نستخدمها. ففي تجربة قام بها باحثو جامعة تكساس على 800 مستخدم للهواتف الذكية، تم تقسيمهم إلى عدة مجموعات طلب من بعضهم وضع هواتفهم الذكية على وجهها وبعضهم في جيوبهم وآخرون طلب منهم وضع هواتفهم خارج الغرفة. طلب من هذه المجموعات حل مجموعة من الاختبارات، واتضح أن المجموعة التي وضعت هاتفها الذكي خارج غرفة الاختبار حققت أفضل نتائج.

خلص الباحثون إلى أن وجود الهاتف الذكي في الغرفة حتى ولو لم تكن تستخدمه يشكل عامل ضغط على دماغك ويستهلك من قدرتك على التركيز، وأداء المهام. وكلما زاد تعلقك بهاتفك الذكي أصبح من الصعب عليك التركيز  ولو كان الجهاز في درج مكتبك (شايف نهاية السناب شات).

هل تذكرون مسلسل الأطفال “إيكوسان” ذلك الطفل الذكي الذي كان يتم اختبار ذكائه من أجل الوصول إلى حل مشكلة أو لغز معين؟ الشيء الذي كان ايكوسان يقوم به في كل مرة يحاول فيها الوصول إلى حل للمشكلة هو الجلوس والتربع وإغلاق عينيه والتفكير العميق. ولو كان ايكوسان يمتلك هاتفاً ذكياً لما استطاع حل مشكلة واحدة.

انظر وجبة شهية…

خلال بحثي في العديد من المواقع، عثرت على الكثير من المقالات مثل هذه، والتي ذكرت مخاوف الشركات من أن الهاتف الذكي وعدم الإحساس بالملل، منَعَ الناس من شراء المشروبات الغازية بشكل عفوي حين يسيرون في الشوارع؛ لأن أعينهم تقع على الشاشة وليس على المشروبات الغازية والمجلات. فالكثير من الأكشاك والمحلات والمطاعم تحاول إثارة رغبة الشراء الاندفاعية لديك التي غالبًا ما تكون بسبب الملل على عرض الطعام والمجلات على واجهات المحلات، ولكن يبدو أن انشغالك بهاتفك الذكي منعك من ذلك. أو لعلك اشتريت شيئًا من الإنترنت عوضًا عن هذه المحلات.

عودة إلى الحمام 🚽

إذا كنت تعتبر نفسك شخصًا مبدعًا، فلا بد أن لديك الكثير من الشكوك حول تأثير الهواتف الذكية على إبداعك وطريقة تفكيرك. ولعل كلامي السابق أثر فيك (بشكل إيجابي طبعًا).

ألا تلاحظ كثرة الحديث عن التأمل، والانتشار الواسع له بين الكثير من الناس، خصوصًا المهتمين بالتقنية؟ لو حاولنا الخروج بتفسير لهذه الظاهرة، فهو أن التأمل يسمح لأدمغتهم بالإحساس بالملل، والتنفس بعض الشيء بعيدًا عن الغرق في التنبيهات والعمل. وبالتالي يسمحون لعقولهم بالتنفس مما ينعكس على تفكيرهم وإبداعهم.

تستطيع أن تبحث في Google عن المزيد من المصادر، ولكن يبدو أن الناس مُجْمعة على أن الإفراط في الانشغال بالهواتف الذكية، وعدم ترك مساحة للملل، يؤثر على قدراتك العقلية. وقد يترتب عليه ضربة لقدرتك على الإبداع والمجيء بأفكار خلّاقة.

إذا كنت شخصًا مبدعًا، فنصيحتي لك أن تبدأ بترك هاتفك خارج الحمام، وحين تكون في الداخل، لا تبدأ في قراءة مكونات الشامبو. ودع عقلك يتنفس بعض الشيء. ولو بدأت الأفكار في الخروج منك (بالإضافة إلى أمور أخرى) فقد يكون هناك أمل. والآن لنذهب إلى الحمام.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.