كيف ساعد شغف مهندس تصميم بمراقبة الطيور في خلق معجزة لإنجاح أسرع قطار اخترعه البشر؟

في عام 1989، كان قطار الرصاصة الياباني شينكانسن (Shinkansen) قد حطم جميع الأرقام القياسية آنذاك بسرعة تتعدى 300 كم/ساعة. وكان لمشروع كهذا حاجة عالية; إذ أنّ خط توكايدو شينكانسن الذي يبلغ طوله 515 كيلو مترًا يعتبر أكثر خطوط السكك الحديدية ازدحامًا في العالم. فقد نقل 10 مليار راكب منذ افتتاحه في عام 1964 لأولمبياد طوكيو إلى يومنا هذا.

ولكن سرعته العالية رفعت معدل الضجيج للقطار إلى رقم خيالي لا يمكن قبوله، حسب مواصفات ومعايير الحكومة اليابانية. كان للضجيج مصدرين، أولها هو الصوت العالي الذي يصل مداه إلى 400 متر، والذي يحدث نتيجة ضغط الهواء العالي حين يمر القطار عبر الأنفاق التي تقع ضمن الأحياء السكنية. أما الثاني فكان نتيجة اتصال القطار بالأسلاك العلوية التي تغذيه بالكهرباء. لذلك، تم جلب فريق الهندسة لإعادة تصميم القطار ليصبح أكثر هدوءًا. وكان من حسن حظهم أن المدير العام لقسم التطوير التقني ايجي ناكا تسو مراقبًا شغوفًا للطيور.

فقد تأمل المهندس ايجي كيف كان طائر الرفراف قادرًا على الغوص بسرعةٍ عالية، لصيد فريسته بالماء دون أن يُحدث أدنى ضجة. الظاهرتان متشابهتان، فالقطار مثل طائر الرفراف كلاهما يواجه مقاومة عند العبور: الأول في الأنفاق عند ضغط الهواء، والثاني على سطح البحر. إلا أن الرفراف يعبر سطح البحر بفضل منقاره الحاد بخفة. وبهذا تمت محاكاة تصميم منقار طائر الرفراف واعتماد التصميم لمقدمة القطارات السريعة. كما تم خفض صوت الاتصال بأسلاك الكهرباء بمحاكاة تصميم ريش طائر البومة بمنحنياته ودقته. فتصميم ريش البومة يمكنه من افتراس واصطياد فريسته من غير إصدار أيّ ضجة.

بعد هذا النجاح، تم استلهام الكثير من التعديلات المستوحاة من الطبيعة لرفع كفاءة القطار. منها تعديل تصميم جسم القطارات، لخفض مقاومة الرياح عبر محاكاة جسم طائر البطريق، الذي يمكنه تصميم جسمه من الانزلاق على الجليد بسهولة والسباحة.

في عام 1997، تم أخيرًا تدشين القطار بتصميمه الجديد المستوحى من مجموعة متنوعة من الطيور ليُصبح أكثر هدوءًا من أي قطار تم صنعه، وأكثر كفاءة. فقد تم خفض كمية استهلاك الطاقة بمعدل 13%، وزادت سرعته بحيث تجاوزت 420 كم/ساعة.

تأمل وتعلم

 

نحن البشر ننسى أحيانًا أننا لسنا المبتكرين والمصممين الوحيدين في هذا الكون. وأننا لسنا الوحيدين القادرين على التكيف مع الظروف الصعبة. نحن ننسى أننا جزء من منظومة طبيعية. وننسى أيضًا أنه قبل وجود الجنس البشري، كانت هناك التربة الرطبة التي عملت على تنقية المياه وحفظها في باطن الأرض، والغابات التي أنتجت المحاصيل الغذائية المستدامة، والنمل الذي بنى مساحات شاسعة من البيوت القادرة على الحفاظ على درجة حرارة داخلية ثابتة تقريبًا على مدار السنة.

هذه الأنظمة الطبيعية وغيرها، تطورت على مدى آلاف أو ملايين السنين بشكل مُثير للدهشة في التكيف كونها من أصعب أنواع المخاوف اللوجستية التي قد يواجهها البشر. في حين أن العديد من الحلول التي وجدناها نحن البشر لمشاكل حياتنا غير فعالة ومكلفةٌ للغاية وغالبًا ما تتسبب في مشاكل أكثر مما تحل.

ولهذا، في نفس العام الذي دُشن فيه قطار الرصاصة شينكانسن بحلة الطائر السريع، تم استحداث علم المحاكاة الحيوية (Biomimicry) وهو نهج للإبتكار يسعى إلى إيجاد حلول مستدامة للتحديات البشرية، من خلال محاكاة أنماط واستراتيجيات الطبيعة التي اجتازت اختبار الزمن. والذي يحثُ على تعزيز أهمية التعلم من البيئة والتأمل في هذا الكون لدى المصممين والمهندسين.

هذه الدروس تأتي من عدة مصادر, فمثلاً دراسة لمحاكاة بُنية فم البعوض في اختراع الإبرة الطبية، وذلك باستخدام الضغط لتحقيق الاستقرار وانزلاق دون ألم في الجلد. وهذا العلم لا يقتصر فقط على محاكاة التصاميم، فهناك ثلاثةُ طرق رئيسية يمكن أن تعمل بها المحاكاة الحيوية، منها التصاميم (mimic form or shape) ومحاكاة العمليات (mimicking process)، مثل برمجة وإعداد شبكات المركبات ذاتية القيادة بمحاكاة النمل والنحل في التواصل كخلايا. وأخيرًا، محاكاة على مستوى أعلى في تقليد النظام الإيكولوجي (ecosystem-level mimicry)، عبر تقليل النفايات التي تنتج في جميع الحلول والتقنيات المستخدمة، وإعادة تدوير كل شيء مرةً أخرى كما يحدث بالنظام البيئي الذي استمر ملايين السنين دون إنتاج أي نوع من المخلفات الغير قابلة للتدوير. وهذا هو الهدف النهائي للمحاكاة الحيوية، صنع المنتجات وتصميم الأنظمة والمدن بطريقة مشابهة للعالم الطبيعي.

كل ماعليك القيام به هو إلقاء نظرة في هذا الكون البديع! تأمل وتعلم

لحل أي مشكلة، كل ماعليك القيام به هو إلقاء نظرة في هذا الكون البديع! تأمل وتعلم، اعرف أكثر عن الحياة والمياه والطاقة، حلل استراتيجيات استخدام المواد. اسأل نفسك كيف للطبيعة أن تحل مشكلة كهذه! واحرص دوماً أن يكون الحل متعدد الوظائف فكل عنصر في هذا الكون يخدم أكثر من غرض. أوراق الأشجار تمدنا بالظل، وتولد أيضًا الطاقة، واللحاء يساعد في تنقية الهواء. إن دمج المحاكاة الحيوية في حل مشاكلنا واستخدامها بتصاميمنا يمكن أن يولد فوائد ليس لك فقط بل للمجتمع ككل.

فإذا كانت الطبيعة تحصد مياه الأمطار، وتخفف الفيضانات، وتنتج الطاقة، وتعزل الكربون فلماذا لا يتم تصميم مدننا لأداء نفس هذه الخدمات؟ وإعادة النظر لكل عنصر سواءًا كان مبنى أو طريق كجزء من منظومة مترابطة، وزرع علاقات تعاونية توفر الموارد والطاقة والتكلفة للمشروع وللمجتمع بشكل عام.

عندما ننظر للكون من حولنا فنحن ننظر إلى منتجات مثالية تمت تجربتها لأكثر من 3.8 مليار سنة. وعندما ننظر إلى ما هو مستدام حقًا، فإن الطبيعة هي النموذج الحقيقي الوحيد الذي عمل على مدى فترات طويلة من الزمن. نحتاج فقط أن نفتح أعيننا لندرك أن إجابة سؤالنا “كيف لنا أن نعيش في عالم مثالي أخضر؟” تكمن حولنا.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.