الرأسمالية والرجوع

حتى الآن تم توثيق حربين عالميتين شهد فيها العالم نزاعًا بين الدول على القوة مقابل أي ثمن، عادة ما تقوم الحرب العالمية حين تشعر الدول بالحاجة إلى تغيير النظام القائم وقلب ميزان القوة، في الحرب العالمية الثانية كانت الأيديولوجيات محل الصراع، وكان الانقسام بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي مفترق الطرق أمام المجتمع الدولي، وقد تساقط لأجل هذه الحرب العديد من الخوذات التي دفنت وسط الثلوج، وبين الحدود، وكلفت حياة عدّة ملايين، وانتهت بقنبلة ذرية سقطت بغية موازنة هذا النظام. ولكن سنتخطى تلك الحقائق وننتقل إلى ما بعدها، إلى ما بعد فوز الرأسمالية -أو الإمبريالية كما يسميها الرفقاء الشيوعيون-.

في العالم الرأسمالي، ذو الاستثمارات المفتوحة الآفاق، والتي لا تعرف حدودًا، إبداعية كانت أو ربحية وللأسف حتى الأخلاقية، صار المبدأ هو الربح، الربح فوق الإنسان والحيوان والبيئة، وتستطيع الشركة الرأسمالية أن تستحوذ على كل ما يدر الربح سواء كان دُمًى بلاستيكية أو أسلحة ذات مخلفات نووية، دون تفريق بينهما.

في هذا العالم المليء بالمال كذلك نرى المدن وقد غزاها الفقر والبطالة، ونما فيها الشعور العميق بضعف العدالة الاجتماعية، حتى في المدن الضخمة مثل نيويورك ولندن وهونغ كونغ، لا زال العوز والفاقة يتعاظم للطبقة الأقل أمام الثروات المكدسة للطبقة الأغنى، في عالم قائم على مبدأ الكسب، لأجل الكسب، لا لتلبية الاحتياج أو لجدوى تعود للإنسان، وإنما لأجل الكسب فقط، صار الاستثمار أو كازينو الرأسمالية كما يقول روب سيويل (Rob Sewell) لا يتوقف عن خلق مجتمع طبقي نهم.

وصحيح أن الشيوعية قد خسرت إلا أن العالم الحديث يعترف بفضل فلسفة كل من كارل ماركس وانجلز كونها دفعت العالم للعيش في ظروف أكثر إنسانية في خوف من حمى الثورة التي يطلقها الإعلان الشيوعي المتضمن دعوة لعمال العالم لأن يتحدوا ويبنوا أخويتهم غير الطبقية.

“فلترتعد الطبقات السائدة خوفًا من ثورة شيوعية، فليس أمام البروليتاريا ماتخسره إلا أغلالها، وأمامهم عالم يكسبونه، يا عمّال العالم، في جميع البلدان، اتّحدوا!”

كان نص الإعلان: “فلترتعد الطبقات السائدة خوفًا من ثورة شيوعية، فليس أمام البروليتاريا ماتخسره إلا أغلالها، وأمامهم عالم يكسبونه، يا عمّال العالم، في جميع البلدان، اتّحدوا!”.

بالمقابل كان للرأسمالية الفضل في ابتكار مفاهيم جديدة، تعزز للأفراد قدراتهم المادية وتفتح أمامهم سوقًا كبيرة من الاحتمالات، فقد رفعت الرأسمالية مستوى دخل الفرد في الدول التي تبنت سياساتها في مقابل القروض الدولية.

راجعت الرأسمالية ذاتها عدة مرات وابتدأت تسلخ المبادئ الأولى فيها لخلق نوع من الاستدامة، فتراجعت عن الاعتراف التام بحرية رأس المال وحملته مسؤولية وضرائب.

ولم تكن الرأسمالية لتستمر على صورتها مالم تسن قوانين جمعية، وتوجد اتّزانًا بين الفردية المطلقة والمسؤولية الاجتماعية للحفاظ على اقتصاد مزدهر وبصحة جيدة.

يتحدث الجميع عن أن المستقبل قد يكون بداية أخرى للبشرية، شيء آخر لا يمكن أن نتصوره، مستوى أعلى وأفضل لا يضاهي حتى أفلام الخيال العلمي، تمامًا كما سخرنا من مشاهد فيلم (back to the Future) وغيرها من الأفلام التي حاولت تصور المستقبل دون أن تستوعب طريقة تطوره بشكل كامل.

الأفق يبدو مسدودًا

يبقى السؤال وسط هذا التقدم الحتمي، والمبني على تاريخ من الصراع، والذي يقوم على طحن الأقليات والأكثريات دون هوادة، هل ستساعدنا هذه التقنية على أن نعيش حياة أفضل؟ أم ستخلق نوعًا جديدًا من الإحباط -كالإحباط الذي يعيشه شبان القرن الواحد والعشرين- الإحباط من انعدام العدالة، عن المادة التي تملأ الأرجاء، ورائحة الأوراق التي تزكم الأنوف، والأفكار التي توجد على حبر وورق ويشعر عميقًا بعبثية وجوده على الرغم من كل التنبؤات السابقة بعالم أفضل؟

نحتاج إلى أن نتشاور لأجل الإنسانية، وألّا نوقف هذا الصراع الدائر لأجل معنى الإنسان لا معنى المادة، للجموع لا الأفراد، وستكون محاولاتنا ضئيلة وبريئة، ولكننا سنجعل الإنسانيّة رغم ذلك تخطو خطوة إلى الأمام وأن بفقداننا الأمل سنخسر المعركة قبل بدايتها.

على الإنسان إذا كان جادًا في نبذ الحروب لتعديل ميزان القوى ألّا يكف عن محاولة صنع عالم أفضل والتفكير بحلول تشمل الفرد والمجتمع وكل ما له صلة من نبات وحيوان وكوكب، لأنه إن فقد أمله في إعادة المحاولة وكف عن ذلك سيفقد إيمانه بنفسه، وإذا فقد إيمانه بنفسه سيفقد معنى وجوده، إذا فقد معنى وجوده سيفقد الوجود ويعيش في حلقة مفرغة من الصراع.

الأفق يبدو مسدودًا ولكننا نعيش في عالم حيث أن الماركسية قد سقطت ولكن على الرغم من ذلك لا زلنا نراها تمتد بتأثيرها على الإنسان لقد عاش ماركس في شقة وضيعة، يكتب كتابه (رأس المال) على بطن خاوٍ، ورئة مهترئة وكذلك زوجته وأولاده الذين انتظروه بفارغ الصبر حتى يحطم الرأسمالية ويسدد لها ضربته القاضية، إلا أن الهدوء الذي عم أوروبا وتجاهل آراءه لوقت طويل لم يمنعها ذلك من الظهور في مكان آخر، حيث وجدت كلمات الماركسية مكانها في وجدان الروسيين الثائرين وصار العالم في ليلة وضحاها مهدّدًا بأفكار ماركس ونداءه “يا عمال العالم اتحدوا!”.

خسرت الماركسية كثيرًا من المعارك إلا أنها نظريًا طالت كل أساليب الحياة المدنية الرأسمالية وبطريقة أو بأخرى لا زالت أفكار ماركس تناقش وترسم كثيرًا من الخطوط الجديدة للبشرية لاجتيازها.

في عالم يحاول تغيير موازين القوة بأكثر الأساليب بشاعة، ويحاول مرارًا وتكرارًا أن يجعل الفرد رقمًا يسقط في حرب كبيرة.

ليست الرأسمالية أو الماركسية أو الديموقراطية هي الجواب الأخير، لا بد من أنظمة أكثر عدالة وإنسانية، أكثر تقدمًا لا بدّ من أنظمة تبدأ من هذه النقطة التي نقف عليها، نقطة ما قبل وما بعد، نحن مقبلون على عالم جديد قد يكون بداية لحقبة مختلفة تمامًا، بإمكاننا أن نبدأ صناعته من هذه اللحظة، وأن نتناقش حوله وأن نطرح أفكارنا حول كل ما نعيشه حتى نصل إلى ذلك الجواب، وقد نصل له الآن أو لاحقًا أو قد لا نصل إليه وهذا لا يهم؛ المهم ألّا نكف عن المحاولة لأجل الإنسانية وأن لا نترك الأمر لحرب عالمية أخرى لتغيير بوصلة القوى أو وضع هذا العالم على مفترق طرق آخر.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.