في البداية دعنا نتصور السيناريو التالي: تدخل متجرًا مع صديقك تبحث عن غطاء لهاتفك الذكي، ثم تقع عينك على غطاءٍ أنيق وجذّاب سعره لا يقل عن 250 ريالًا، يسحرك ذلك الغطاء ويسرق نظرك إليه وتشعر أن عليك اقتنائه الآن. فجأةً، يُخبرك صديقك الذي يعرف كل شيء أنه قد وجد نفس الغطاء بالأمس في متجرٍ آخر لا يبعد سوى خمس دقائق، وبسعر 150 ريالًا. فتشعر أن عليك تأجيل إقتناء الغطاء لحين الذهاب إلى المتجر الآخر وشرائه بسعر يقل 40% عن المتجر الأول، بالضبط كما سيفعل الكثير من الناس.

في مثال آخر يبدو مختلفًا بعض الشيء، تتجوّل في ذات المتجر لتشتري حاسبًا شخصيًا ذو طراز جديد. يقع اختيارك على أحد الحواسيب، تبلغ قيمته 6,000 ريال. وكما في المثال الأول، يخبرك أحد أصدقائك أيضًا بأن الجهاز بنفس الطراز والمواصفات موجود في متجرٍ آخر بقيمة 5,900 ريال، أي بتوفير قدره 2%، لكن هذه المرة ورغم القيمة الأقل، تبدو فكرة الذهاب لشرائه من متجر آخر لا تستحق العناء. نعم، فالغالبية من الناس سيكونون أقل استعدادًا لتكبد العناء الإضافي مقابل توفير زهيد لا يكاد يبلغ 2% بالرغم من أن الفارق بين القيمتين هو 100 ريال. هذا النوع من تناقض قرارات الشراء يُسمى في التسويق والاقتصاد السلوكي بـ المحاسبة العقلية (Mental Accounting).

سُمّي المصطلح بهذا الإسم من قِبل ريتشارد تالر (Richard Thaler)، أستاذ الاقتصاد السلوكي في جامعة شيكاغو. المحاسبة الذهنية أو العقلية وآخرون يسمونه بالمحاسبة النفسية، وهو مفهوم يحاول وصف عملية التفكير لدى الناس من خلال تصنيف وتقييم النتائج الاقتصادية المترتبة على سلوك الشراء لديهم. كيف يتصرف ويقرر دماغ الإنسان عندما يتعامل مع المال. حيث أن الناس تقوم بمقارنة الأشياء من حيث النسب بدلًا من المبالغ الكاملة. على سبيل المثال، سيظهر ربح بقيمة 15 ريالًا بجانب ربح قيمته 10 ريالات أكثر إيجابية وجاذبية من ربح بقيمة 150 ريالًا بجانب ربح قدره 140 ريالًا. في المحاسبة الذهنية، يقوم الإنسان لا شعورياً بتأطير المعلومة بطريقة مختلفة بحسب الظروف المحيطة بها، مما يؤدي لإعطائها قيمة مختلفة باختلاف تلك الظروف. فعندما تزداد كمية النقود، تقل قيمتها النقدية.

لكن ماذا لو قمت فعلًا بشراء تذكرةً أخرى بديلة؟ ستشعر حينها كما لو أنك دفعت 60 ريالًا لـ فيلم تبلغ قيمة تذكرته 30 ريالًا فقط!

وللمحاسبة النفسية أو العقلية عواقب وخيمة أحيانًا في الحياة اليومية، فهي تؤثر على كيفية إنفاق الناس للمال وكيفية حفظهم له، حيث يقع الغالبية من الناس في أخطاء كبيرة عند اتخاذ قراراتهم المالية بسبب تلك الظاهرة النفسية المعروفة. كما تؤثر  الظاهرة على كيفية تعامل الناس مع الخسائر والمكاسب غير المتوقعة، فمصدر المال يؤثر على كيفية إنفاقه. إيضاحًا لذلك، تخيل معي هذا السيناريو: تشتري تذكرة بقيمة 30 ريالًا كي تشاهد فلمًا في السينما، وعند باب الدخول تفتح محفظتك بحثًا عنها، وبعد لحظات من الهلع تكتشف أنك فقدت التذكرة. ولسوء الحظ لا تملك فاتورة الشراء أيضًا حيث قمت برميها للتو. الآن، إن كنت لا زلت تود مشاهدة الفيلم فيجب عليك دفع 30 ريالًا مرةً أخرى لتحصل على تذكرة جديدة. إذا كنت مثل معظم الناس، ستفكر مرتين ثم تعود أدراجك وتؤجل فكرة مشاهدة الفيلم لاحقًا. لكن ماذا لو قمت فعلًا بشراء تذكرةً أخرى بديلة؟ ستشعر حينها كما لو أنك دفعت 60 ريالًا لـ فيلم تبلغ قيمة تذكرته 30 ريالًا فقط!

دعنا نبني السيناريو السابق بشكل مختلف: تذهب لمشاهدة  فيلمٍ في السينما. وأثناء وقوفك في طابور شباك التذاكر لشراء تذكرتك، تكتشف أنك فقدت 30 ريالًا، ربما سقطت منك في الطريق أثناء قدومك إلى المكان. يصيبك الإحباط لما حدث، بالطبع ستشعر كذلك، لكن عند وصول دورك في الطابور هل ستقوم بشراء تذكرة لمشاهدة الفيلم؟ مرّةً أخرى، إن كنت مثل بقية الناس، قد تشعر بالقلق حول المال المفقود، ولكن على الأرجح لن يؤثر ذلك على قرارك لشراء التذكرة.

أجرى علماء النفس تجربة على هذا النحو. ووجدوا أن 46٪ فقط من الذين فقدوا تذاكرهم كانوا على استعداد لشراء تذكرة بديلة، في حين أن 88% من الناس الذين فقدوا مبلغًا معينًا من المال – ما يعادل قيمة التذكرة – كانوا لا يزالون على استعداد لشراء التذكرة. وبما أن التذكرة المفقودة والمال المفقود كان لهما نفس القيمة، فقد كان من المفترض أن تكون خسارتهما بنفس الطريقة – فلماذا كان ما يقرب من ضعف عدد الأشخاص كانوا على استعداد لتجاهل المال المفقود والمضي قدمًا لشراء التذكرة أكثر من عدد الأشخاص الذين فقدوا التذكرة وكان عليهم شراء أخرى بديلة؟

هناك عاملين أساسيين يفسران هذا التأثير:

العامل الأول: تصنيف المال تحت فئات وحسابات مختلفة في عقلك يتحكم في شعورك تجاه المال. بشكل أكثر تبسيطًا، في حسابك البنكي الخاص قد يكون لديك عدة حسابات في حساب واحد، فهناك حساب جاري وحساب إدخار وحساب آخر للبطاقة الإئتمانية والتي غالبًا ما تستخدم للمشتريات الإلكترونية مثلًا. وبالمثل، يحمل الناس في رؤوسهم فئات أو حسابات مالية مختلفة ومتنوعة كتلك الحسابات بيد أنها لا تكون ظاهرة لديهم وقد لا يعرفون بالضرورة عن وجودها، لكنها موجودة داخل تفكير كل شخص منهم. فمثلًا، حساب “الأكل في المطاعم” و حساب “فاتورة الجوال” وآخر ربما بإسم “مشتريات المنزل”، ومن ضمن تلك الحسابات الذهنية حساب بإسم ” الترفيه” والذي تندرج تحته قيمة التذكرة الضائعة للفيلم. في المثال أعلاه، فقدانك لتذكرة الفيلم والاضطرار إلى شراء أخرى بديلة كلّف 60 ريالًا من حساب الترفيه الخاص بك، في حين كان تخطيطك ذهنيًا وقتها هو صرف 30 ريالًا فقط. أما المال المفقود في المثال الذي يليه من ناحية أخرى، فلا يتم تحميله على حساب الترفيه – وهذا هو السبب في أن معظم الناس في موقفك قد لا يترددون كثيرًا في شراء تذكرة لمشاهدة الفيلم في السينما رغم فقدانهم ما يساوي قيمة التذكرة ماليًا مصادفةً في تلك اللحظة كما حدث في المثال، والسبب أن عقولهم ووفقًا للمحاسبة النفسية تخبرهم أنه لا علاقة لهذا بذاك من الناحية المحاسبية.

العامل الثاني: عقلك يتعامل مع الأموال غير المدرجة أو غير المصنفة تحت فئات وحسابات معينة بشكل مختلف، وأقل أهمية. مثال ذلك هو أن تذهب لأحد متاجر التجزئة لشراء منتج قيمته المعروفة هي 60 ريالًا فقط، وبطبيعة الحال بدخولك المتجر وأثناء تجوالك بحثًا عن المنتج تقع عينك على كثير من المنتجات التي تراها على الرفوف وبين الممرات. فجأةً اكتشفت بأن المنتج الذي جئت لأجله يحمل تخفيضًا في السعر أصبح ثمنه الحالي بعد الخصم 40 ريالًا. الآن، في عقلك المليء بالأفكار قد كنت على استعداد نفسي بأن تصرف 60 ريالًا ثمنًا لهذا المنتج. في هذه الحالة، هل قام التخفيض ذو العشرين ريالًا (33%) بمساعدتك على التوفير؟ أو ربما ساعدك على أن تصرف أكثر؟

الناس الذي يعملون في التسويق يبنون استراتيجيات التسعير وفقًا لظاهرة المحاسبة العقلية، كما أن التخفيضات على المنتجات في المتاجر مبنية كذلك على المحاسبة العقلية أو الذهنية للناس وكيفية تحكمهم بأنفسهم خلال عملية الشراء، فالكثير من التجارب فيها هي محاولة مراقبة تصرفات الناس وسلوكهم أثناء عمليات الشراء التي يقومون بها في المتاجر.  كيف تتحكم التخفيضات التجارية في الناس؟

التحكم في النفس فرع كبير من فروع سلوك المستهلك، أحد تخصصات التسويق المهمة، حيث وظيفة الرسائل الدعائية في معظم الأحيان هي محاولة كسر هذا التحكم. بيد أن الحديث ليس عن التخفيضات التي تعلم بوجودها والتي قد تذهب إليها عنوةً بقصد منك لتشتريها وتستفيد من الخصم، بل عن التخفيضات التي لا تعلم عنها من قبل وتراها فجأة عندما تذهب للتسوق قاصدًا شراء بعض المنتجات الأخرى. في المثال السابق، قد كنت على استعداد لصرف 60 ريالًا ثمنًا للمنتج، لكنك الآن تتفاجأ أن بحوزتك 20 ريالًا لم تحسب لها حساب، فهي غير مدرجة في أي من تلك الحسابات العقلية في الوقت الحالي، وبالتالي سيزداد تفكيرك حول صرفها أو جزء منها على علبة آيس كريم أو ربما قطعة شوكولاتة لذيذة أو حتى مشروب بارد تتسلى به في طريق العودة، وتلك تعد منتجات غير أساسية مقارنة بالمنتج الذي جئت لأجله في الأصل. تأثير التخفيضات على حجم مصروفات الناس يرتبط ارتباطًا مباشرًا بفكرة النثريات تلك (المنتجات غير الأساسية).

في جانب مختلف من الموضوع

وفي مثال آخر، تخيل أنك حصلت على 3,000 ريال للقيام برحلة خارجية كجزء من وظيفتك للقيام بعمل مدته أسبوع في دولة أخرى، وقد قمت بذلك عن طريق إحدى طريقتين:

الطريقة الأولى: تم إيداع المال كاملًا، 3,000 ريال في حسابك البنكي قبل 3 أشهر من الرحلة، والآن وللتو وصلت الدولة التي سافرت إليها ولديك بعض المهام التابعة لوظيفتك للقيام بها. الطريقة الثانية: هي إعطائك النقود، 3,000 ريال بالعملة المحلية للدولة فور وصولك، والتي يمكنك الآن من خلالها دفع قيمة الفندق وغيرها من الأمور.

الآن هذه الدولة التي سافرت لها مكلفة! كل شيء مكلف، السفر والغذاء والمشروبات والترفيه وغيرها. في أي من تلكما الحالتين سيكون من السهل عليك نفسيًا إنفاق المال؟

في الحالة الأولى، حصلت على المال قبل الرحلة بفترة طويلة، حيث أن المال قد أصبح في حسابك البنكي الخاص، وبالتالي فهو يعتبر جزء من مالك وجزء من ثروتك و تشعر بالسوء لو قمت بصرفه بشكل عشوائي أو غير مقنّن. بينما في الحالة الثانية، لديك كل هذا المبلغ من المال، مصروف الرحلة مقدّم لك من جهة عملك. وبالطبع هو مرتبط إرتباطًا وثيقًا برحلتك حيث حصلت عليه فور وصولك، فيبدو من الأسهل بالنسبة لك صرفه كاملًا في الرحلة وقضاء وقتًا ممتعًا لأنه أكثر ارتباطًا بنفس الفئة العقلية أو الحساب الذهني المتعلق بالرحلة.

يمكن أن تكون استراتيجية قابلة للتكيّف

بالإمكان أن ترى أيضًا لماذا هذا المفهوم من المحاسبة العقلية يتصل بشكل غير مباشر بمفهوم “ألم الدفع The Pain of Paying” الذي سبق وتحدثنا عنه في مقالة سابقة. ​ولعل أسهل طريقة لتعريف المحاسبة الذهنية بعد كل هذا هي مقارنتها مع المحاسبة المالية والإدارية كما تمارسها المنظمات. تعريف المحاسبة بشكل عام هي “نظام تسجيل وتلخيص المعاملات التجارية والمالية في الدفاتر، وتحليل العمليات المالية والتحقق من النتائج وإعداد التقارير عن ذلك لمتخذي القرار في الشركة”. وبطبيعة الحال، يحتاج الأفراد والأسر أيضًا إلى تسجيل وتلخيص وتحليل المعاملات المالية وتقديم تقارير عن نتائج المعاملات والأحداث المالية الأخرى. وهم يفعلون ذلك لأسباب مماثلة لتلك التي تحفز المنظمات على استخدام المحاسبة الإدارية للحفاظ على أموالهم وتتبع سيرها، حيث تمكنهم من السيطرة على تدفقهم المالي قدر الإمكان. المحاسبة العقلية هي وصف للطرق التي تقوم بها هذه الأشياء داخل عقل الإنسان.

في الغالب عندما نفكر في المحاسبة العقلية، فنحن نفكر بها كما لو أنها تجعلنا نصنع قرارًا ماليًا خاطئًا. لكن، واحدة من فوائد المال الرئيسية هو أنه قابل للإستبدال والإستخدام، حيث يمكنك تبديله محاسبيًا من مكان إلى آخر ولكن الناس لا تُعامل المال على أنه قابل للتبديل. المحاسبة العقلية هي في الواقع استراتيجية جيدة تساعد على ترتيب الأمور المالية وتنظيمها. لذلك ما قد تحتاجه منها في الواقع هو التفكير في كل عملية شراء تقوم بها وكيف يمكن أن تترجم هذه العملية إلى جميع المشتريات الأخرى، فإذا قمت بشراء كوب قهوة اليوم، ما الشيء الذي لن تكون قادرًا على شرائه جرّاء ذلك؟ وحتى إن اشتريت سيارة اليوم، ما الذي لن تكون قادرًا على شرائه غدًا؟ هل المحاسبة الذهنية هي الحل الأمثل لإدارة المصروفات الشخصية؟ بالطبع لا. هل هي تؤدي إلى أخطاء؟ بكل تأكيد نعم. ولكن مع ذلك هي تقيّد المشكلة، وتخلق حدودًا أكثر وضوحًا للتعامل مع المال بشكل أفضل. لذلك، إذا كنا نفكر بعقلانية تمامًا فالمحاسبة العقلية لن يكون لها معنى حينها. ولكن نظرًا لأنه من الصعب بالنسبة لنا التفكير في المال بشكل عقلاني جدًا، المحاسبة العقلية تساعدنا على تقسيم المشكلة، أوعلى الأقل تمنحنا خطوة واحدة إلى الأمام.

المحاسبة العقلية يمكن أن تكون استراتيجية قابلة للتكيّف، فهي تساعد على شيئين رئيسيين: تقسيم الإنفاق الشخصي، وجعل القرارات المالية أكثر قابلية للإدارة. وهناك نهجان قد يساعدانك على التفكير في المال، الأول: الافتراض بأنك عقلاني جدًا ويمكنك إدارة الأموال بشكل فعال بين الفئات والحسابات العقلية المختلفة. الثاني: تحسين تقنيات قائمة المحاسبة العقلية الموجودة لديك، حتى لو كانت غير عقلانية. وأعتقد شخصيًا أن النهج الثاني أقرب للنجاح أكثر حيث لدينا فرص أفضل من خلال معالجة بعض المعلومات الخاصة بنا والبناء على ذلك، بالإضافة إلى ضرورة رفع الثقافة المالية لدى الفرد والتي لأسباب غير معروفة لا يتم تدريسها في المدارس حتى اليوم.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.