عالمنا يواكب ثورة رقمية عظيمة، ستؤثر تقريبًا على كل جوانب الاقتصاد والحياة الشخصية. هذه المرة، لن يقود التغيير البخار أو الكهرباء، بل الذكاء الاصطناعي وتقنيات تعلم الآلة.

الثورة الصناعية مقارنة جيدة، لأنها تجعلك تعرف إلى أي مدى ستكون هذه التقنية الجديدة مهمة وتغير مفهوم الوظائف. فالتفكير في الثورة الصناعية من استخدام البخار والماكينات الأكثر تعقيداً، إلى وصول الكهرباء إلينا، مكّننا اليوم من أتمتة الكثير من الوظائف التي تجاوزت فيها الآلة قدرة الإنسان البدنية. ومع وجود الثورة الرقمية، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي سيمكننا لاحقًا من خلق روبوتات وآلات تتخذ القرارات دون تدخل العنصر البشري، والتي تتفوق علينا بالدقة والخبرة.

بدأت الثورة الصناعية في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي في غرب أروبا ومن ثم إلى أميركا، حين كان معظم الأميركيين يعملون بالزراعة قبل الثورة الصناعية، أدى ذلك إلى تغير البنية التحتية لسوق العمل بعدها. وبحسب مكتب الولايات المتحدة لإحصاءات العمل في عام 1810 فقد كانت نسبة العاملين بقطاع الزراعة 84% لكنها انخفضت إلى 2% عام 1990. لا ننكر أن الثورة الصناعية جعلت حياة الناس أسهل، لكن قد يخفى أن لها دور في صعود الفاشية والشيوعية، والحربين العالميتين. وساهمت ولو جزئيًا باضطراب هائل في الحضارة الإنسانية، ناجم عن ارتفاع معدل البطالة.

يمكن أن نتوقع تغير مستقبلي مماثل مع الذكاء الاصطناعي مع فارق واحد مهم، أن الثورة الصناعية حدثت بسرعة في سياق تاريخ البشرية، ومن المفترض أن تحدث الثورة الرقمية بشكل أسرع، وبالتالي فإن الضرر المحتمل أكبر.

أظهرت دراسة حديثة لشركة الاستشارات العالمية ماكينزي، أن التقنية الحالية يمكن أن تشغل 45% من الأنشطة التي يمارسها البشر اليوم. وفي حين أن الأتمتة سوف تقضي تمامًا على عدد من المهن خلال العقد المقبل، سيكون لها تأثير على بعض الوظائف الحالية. فالأتمتة اليوم لديها القدرة على تشغيل قطاعات مثل الرعاية الصحية والمالية، التي تعتمد بشكل كبير على القدرة المعرفية.

خلق فرص وأفكار جديدة

ونتيجة لذلك، نحن بحاجة إلى أن نكون أفضل بكثير في إدارة البطالة وفقدان الوظائف في سوق العمل، وضمان أن الناس لديهم الوقت الكافي لتعلم مهارات مناسبة لإيجاد فرص عمل جديدة لا يمكن لروبوت مجاراتهم عليها.

كان أحد الحلول المقترحة عالميًا لإدارة النمو السريع للأتمتة الروبوتية، هو الدخل الأساسي العالمي (UBI) ويعني ضمان الدخل المالي لأي إنسان لمجرد وجوده على قيد الحياة. فيستطيع من الناحية النظرية أن يكون بمثابة شبكة أمان أساسية لمن لا يملكون سوى القليل من المال، وهو أداة فعالة لردع تهديدات حصول الاضطرابات الاجتماعية، والانهيار الاقتصادي، وكل أشكال الصراعات الأهلية الأخرى التي غالبًا ما تحدث بسبب البطالة.

فمن البديهي أن نفترض أن 90% من وظائف سائقيّ شاحنات النقل سوف تختفي خلال جيل واحد، وهؤلاء يشكلون 1.6 مليون سائق في أميركا حسب مكتب الولايات المتحدة لإحصاءات العمل. وبالطبع لا يستطيعون العودة للدراسة مما يؤكد حاجتهم إلى دخل أساسي عالمي في وقت قصير نسبيًا.

يعتقد البعض أن هذا المفهوم ينتهك المبدأ الأساسي للرأسمالية، بافتراض أن هذه الثورة الرقمية خلافًا لغيرها من الثورات، لن تخلق وظائف أفضل لتحل محل الوظائف التي تمحوها اليوم بلا رجعة. ولكن في حين أن الروبوتات والأتمتة سوف تشغل الوظائف الروتينية والمنخفضة نسبيًا. سوف تعطي الناس الفرصة للهجرة إلى مستويات أعلى ووظائف أكثر مهارة.

هناك ظاهرة تسمى تأثير بلتزمان (Peltzman Effect)، جاءت استنادًا من أبحاث خبير اقتصادي في جامعة شيكاغو درس حوادث السيارات. ووجد أنه عند إضافة المزيد من أدوات السلامة مثل حزام الأمان في السيارات، فإن نسبة الوفيات والإصابات تبقى ثابتة. والسبب هو أن الإنسان حين يشعر بالأمان يبدأ بأخذ المزيد من المخاطر. وربما نستطيع تطبيق ذلك على الساحة المهنية أيضًا. فوجود الدخل المضمون قد يدفعنا نحو المزيد من الروح الريادية وخلق فرص وأفكار جديدة.

ولإحداث تغيير كبير في مجرى هذا النقاش، بدأت حكومة فنلندا اختبار الدخل الأساسي العالمي لدراسة فعالية الفكرة ومدى تأثيرها، لتُطبق على مستوى عالمي. ومن المتوقع وفقًا لبيان مكتوب من وزارة الشؤون الاجتماعية والصحة في البلاد، أن يستمر الاختبار خلال العامين القادمين مع ظهور النتائج بحلول عام 2019. ولاختبار فعالية ذلك، سيحصل 2000 شخص على مبلغ 2500 ريال شهريًا.

تخيل للحظة وجود 2500 ريال إضافية في حسابك نهاية كل شهر، ليست خطأ من البنك، بل المال هو لك فعلًا. هل ستعود إلى الدراسة أو تبدأ نشاطًا تجاريًا؟ هل ستعمل لساعات أقل؟ أم ستتوقف عن العمل تمامًا؟

ماذا لو أن بني الروبوت حققوا لكل فرد الحرية المطلقة في اختيار العمل أو البقاء بدونه، دون أن يكون دافع ذلك هو النجاة؟ ماذا لو اخترت التطوع أو تفرغت لبناء فكرة تغير حياة البشريّة للأبد؟ ماذا لو كان الدخل الأساسي هو مستقبل المهن.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.