في عام 1836 كان بارنوم (P.T. Barnum) يعمل في سيرك كمساعد لهرون تيرنر (Aaron Turner)، وفي يوم الافتتاح، تجوّل بارنوم ببذلة أنيقة في المدينة، فبدأ الناس بتتبعه، حتى صاح أحد من كان في الجمع بأنّ هذا الأنيق هو إفرايم افري (Ephraim K. Avery) الذي برأته المحكمة من تهمة القتل، وخلال لحظات انقض الجمع على بارنوم لينتقموا من خطيئته، ولكنّه أقنعهم بالذّهاب معه إلى السيرك ليثبت هويته، وهناك كشف صاحب السيرك تيرنر أنّ كلّ ما حصل كان مقلبًا من تنفيذه، لقد أرسل تيرنر عاملًا ليتّهم بارنوم بذلك الاتهام، تحققت أهداف تيرنر عمومًا، فقد دخل الجمع المنفض عن الحادثة إلى سيرك تيرنر، وبقي بارنوم غاضبًا، إلّا أنّه في ذلك اليوم تعلم أهم درس في مسيرته العملية، قال له تيرنر “تذكر أنّ كلّ ما نحتاج إليه لضمان النجاح هو الصيت السيء”.

تعلم بارنوم من ذلك اليوم قانونا مهمًّا في العمل والحياة، وسار على درب هذا القانون وصولًا إلى المجد، كان من حيله ما عمل عليه في مشروع المتحف الأميركي، حيث أخذ بارنوم بيد شحّاذ إلى المتحف وأعطاه خمس قرميدات امرًا إياه بأن يصنع دائرة من القرميد، بحيث يمسك بقرميدة ويضع أخرى على نقاط محدّدة من الدائرة، على أن يبدو جادًّا فيما يفعله ويرفض إجابة أي سؤال، وأن يدخل إلى المتحف ويخرج منه إلى الباب الخلفي ليمارس نفس الطقوس.

الفكرة وراء هذه الحيلة كانت في أنّ حشودًا كبيرة من الناس تجمعوا حول شحاذ بارنوم ليعرفوا شأنه، إلّا أنّه بدل أن يجيبهم على أسئلتهم كان يدخل إلى المتحف فيلحقه الجمع إليه، وحالما يخرج تكون الأغلبية قد وقعت في الطعم واستقرت إلى التجول داخل المتحف، بينما يجمع هو حشدًا جديدًا أمام الباب الخلفي.

في زمن بارنوم، لم يكن الاستماع إلى الموسيقا بالسهولة التي اعتدنا عليها، لكن بارنوم قرر أن يكافئ أهالي المدينة بأن يدفع لفرقة موسيقية كي تعزف أمام باب المتحف مجّانا، إلّا أنّ الخدعة كانت في أنّ بارنوم استأجر أسوأ فرقة موسيقية في المدينة، وكان هذا سببًا في أنّ كل من تجمع حول الفرقة قرر شراء تذكرة المتحف كي يهرب من نشاز موسيقاها.

لم يهتم بارنوم بالانتقادات التي كانت توجّه إليه، بل على العكس، كان يحرص على دعوة كل من انتقده من الصحافيين إلى حفلاته ليجلس في أحسن مقاعدها كشكرٍ على ما ساعده فيه، وحينما كان اسمه يخبت في أرجاء الصّحافة، كان يرسل انتقادات تذمه إلى الصّحف باسم مجهول، بارنوم يعرف حقيقة الشّهرة: فكلّ الشهرة، حسنها وقبيحها، هي شهرةٌ جيدة!

ترامب وبارنوم في نفس الجملة

يعرف بارنوم -حتى يومنا هذا- كأعظم من دخل مجال العروض، وكذلك سمى سيركه “أعظم عرضٍ في العالم”، ورغم أنّ سيرك بارنوم أعلن عن إيقافه مؤخّرًا بعد أكثر من مئة وأربعين عامًا من العروض، إلّا أنّ دروس بارنوم في حصد الشهرة ما زالت تدرس، الرئيس الأميركي دونالد ترامب أشهر مثال على ذلك.

هنالك أكثر من 230 مقالًا منشورًا ذكر فيه اسم ترامب وبارنوم في نفس الجملة، بل إنّ دونالد ترامب بنفسه أجاب حين سئل عن أكثر شخصية تشبهه بين بضعة أسماء باسم “ب. ت. بارنوم”، قائلًا بأنّ البلاد تحتاج إلى أشخاص كـ”بارنوم” كي يعيدوا بناء صورتها.

ب. ت. بارنوم، ودونالد ترامب، وغيرهم من لاعبي القوّة، يعرفون تمامًا أهمية الفوز بالشهرة، بل إنّها كانت العامل الأساسي لنجاحهم، إنّ تصرفات ترامب وأقواله التي لا تتناسق عادة مع التقنيات السياسية جذبت وسائل الإعلام لتغطية أخباره أكثر من أي مرشّح اخر، حيث جذب ترامب في انتخابات 2016 لوحده أكثر من نصف وسائل الإعلام بينما تقاسم بقية المرشحين النصف الاخر من التغطية.

مشاعر الشادنفرويدا

يتميز الألمان بلغة غنية بمفردات تعبر عن مشاعر قد لا تعترف بقية اللغات أصلًا بوجودها فضلًا عن أن تمتلك لها ترجمة ما، ومثال ذلك المصطلح الألماني شادنفرويدا (Schadenfreude) والذي يشير إلى الشعور بالمتعة بعد رؤية فشل الاخرين.

حين تشاهد مقطعًا يجمع عدّة مواقف مضحكة لأناس يقعون أثناء نزول الدرج، أو فلمًا يفشل فيه تشارلي تشابلن أو أعداؤه في أداء مهمة ما، فإنّك ستشعر بالسعادة والاستمتاع لعدم تمكّن هؤلاء من تحقيق أهدافهم؛ أولًا لأنّ ذلك يؤكد لعقلك أنك أفضل من كثير من الناس، وثانيًا لأنك كثيرًا ما تفترض أنّ هؤلاء يستحقون ما حصل لهم خصوصًا إن كانوا ناجحين أو مغرورين.

ظهرت مؤخرًا أبحاث عديدة تتعلّق بتأثير مشاعر الـ”شادنفرويدا” على السياسة، دونالد ترامب مثال مذهل على هذه الظاهرة، يمكن لك أن تلاحظ بأنّ دونالد ترامب تفوق على منافسيه بإعطاء الناخبين مشاعر المتعة اللحظية المتمثلة في الـ”شادنفرويدا”، حين يقدم ترامب على فعل لا يناسب التقنيات السياسية فإنّ جميع الأميركيين يهتمون بهذا الفعل، فمؤيدوه سينطلقون بالدفاع عنه ومعارضوه لن يتوانوا عن نشر ما فعله ترامب بهدف إيذائه، إلّا أنّ الواقع أنهم جميعًا يعملون في صالحه بهذا.

هذا هو ما يعرفه ترامب، هذا هو واقع عالم المسرح والعروض، فكّر فيما يلي: كل عرض ترفيهي تشاهده اليوم قائم على فكرة إقناعك بأنّك إما أفضل من غيرك أو قادر على أن تكون أفضل من غيرك! نتابع كرة القدم لأنّنا نستمتع إن عرفنا بأنّنا راهنّا على الفريق الفائز وأنّنا أفضل من الاف من مشجعي الفريق المنافس، وحتى إن خسر الملاكم الذي راهنت عليه، فإنّك تكون قد أدمنت هذه المراهنات بالفعل واشتقت إلى مشاعر الـ”شادنفرويدا” المتمثلة بفوزك في الرهان القادم.

إليك سر عالم العروض: الجميع يودّ أن يشعر بأنّه الأفضل، أعط الاخرين هذا الشعور لحظيًّا وسيتفوق عرضك في المدى البعيد، هكذا نجح بارنوم، وهكذا نجح ترامب، نجحا بإيمانهما بأنّ الشهرة وأي سبيل نحوها سيوصل إلى هدف ما، العالم اليوم قسمان، قسم يرى الشهرة غاية، والنجاح لديه سطحي، وقسم يرى الشهرة وسيلة، والنجاح لديه أساس الغاية، من يرى الشهرة غاية سيحققها ولن ينجح في غيرها، ومن يرى الشهرة وسيلة سيحققها وسيصل إلى هدفه، والمهم في كلّ هذا هو أن نمتلك وعيًا بمجال العروض، وأن نفهم ما يعرضه لنا العارضون.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.