يقال أن الموارد الطبيعية للأرض ستنضب بسبب تزايد الاستهلاك البشري، فقد أصبح من الصعب على كوكبنا مجاراة ذلك الاستهلاك المتزايد في جميع المجالات من موارد الطاقة إلى الغذاء وصولًا إلى مياه الشرب، ففي شهر أغسطس الماضي نكون قد استهلكنا كل ما يمكن للأرض أن تنتجه للاستهلاك البشري خلال سنة واحدة، ومازال لدينا 5 أشهر متبقية حتى نصل لنهاية العام. واستنادًا لمعطيات تم تتبعها من قِبل شبكة (Global Footprint) فإن الاستهلاك العالمي يتجاوز ما توفره الأرض بمقدار 70%،  وتذكر الشبكة دومًا أن كوكب الأرض كان في مرحلة الفائض حتى العام 1961 تلاها مرحلة عجز بدأت في الظهور منذ عقد السبعينيات.

الأدلة والبراهين على تأثير الإنسان السلبي على هذا الكوكب كثيرة، ففي العام 1741 وبعد اكتشاف بقر البحر من قِبل البحار جورج ستيلر حين كان مبحرًا في شمال المحيط الهادي ليصطدم بجزيرة منعزلة. يعد هذا المخلوق من أغرب الحيوانات الضخمة والذي ينتمي لفصيلة الثدييات، عرف عنه البطءُ في الحركة نظرًا لوزنه والذي يقارب العشرة  أطنان وهذا جعل منه هدفًا سهلًا  للصيادين، ولم يلبث إلا أن انقرض بعد مرور ثلاثة عقود منذ اكتشافه. هذا مؤشرٌ ودليلٌ واضح لتأثير فعائل الإنسان على كوكب الأرض.

يبلغ تعداد البشر حوالي السبعة مليارات نسمة

وبالإضافة إلى استهلاكهم للحيوانات الأمر الذي سبب انقراض بعضها، فهم يستهلكون مصادر وخيرات الأرض، ولعقودٌ عديدة ظلت فكرة عدم استمرارية البيئة  ونضوب مصادر الأرض وخيراتها السبب الذي سيؤدي إلى انهيار الحضارة البشرية. هذه الفكرة المقلقة ظهرت للمرة الأولى عام 1798 في كتاب (An Essay on the Principle of Population) للكاتب توماس مالتوس (Thomas Robert Malthus).

أحد أشكال استهلاك خيرات الأرض من قِبل الإنسان كان تطويع الأرض لصالحه من أجل خلق أراضي زراعية. فمنذ وقت طويل والإنسان يحاول بشتى الطرق إنشاء تلك الأراضي، مما قد يساهم فيما بعد في خلق خلل في النظام البيئي، كقطع لأشجار الغابات وحفر للأرض بطرق عشوائية وغير منظمة. ساهمت بعض الأدوات في خلق تلك الأراضي نذكر منها المحاريث والتي كانت تجر بواسطة الأبقار. لكن مع قدوم القرن العشرين وتطوير الإنسان للمعدات المستخدمة في الزراعة تم استبدال الحيوانات بالجرارات وخشب الأشجار والقش بمشتقات النفط والفحم.

ومنذ العام 1960 تقلص حجم  مساحة الأراضي الزراعية بمقدار 68%. هذه التدابير الوقائية جعلت غالبية أراضي نيو انجلاند غابات بعد أن عرفت  كأراضي زراعية. وقد ذكرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) في تقرير لها عن اقتلاع الغابات عام 2015 أن “نسبة اقتلاع الغابات انخفضت من 0.18% في مطلع التسعينات إلى أن وصلت 0.08 في الفترة مابين 2010-2015”.

في أواخر القرن العشرين ظن الكثيرون أن الوقود الحجري -النفط والغاز والفحم- مهدد بالنفاذ، كما حدث في زمن مضى تحديدًا عام 1865 حينما توقع الاقتصادي (William Stanley Jevons) بقرب زوال الفحم، والمعلوم في ذلك الوقت أن اعتماد بريطانيا على الفحم كان كبيرًا لأنه كان في أوج الثورة الصناعية، وقد زادت حدة القلق لدى الناس حين ذكر أنه: “يجب على الشعب البريطاني مغادرة البلاد بأعداد كبيرة فإن لم يفعلوا سيتحتم عليهم مواجهة ضغوطات أليمة وفقرٍ شديد”. أدى هذا التخويف لظهور حالةٍ من الهلع في العام 1866 عرفت فيما بعد بهلع الفحم. تلك التنبؤات لم تتحقق بل على العكس تمامًا اتخذت منحى آخر. ففي وقتنا الحالي أصبح إنتاج الفحم أكثر بكثير عما كان عليه الحال في ذلك الوقت والدلائل كلها تشير لإمكانية استمرار انتاج الفحم لألف سنة قادمة حيث يوجد أكثر من مليار طن مدفونة في البحر الشمالي فقط. ويعتقد الكثير بأننا سنستغني عن الفحم قبل نفاذه.

التخلي عن النفط: السعودي أفضل من يعيش الدهشة!

كان النفط من أكثر الموارد الطبيعية التي جرى نقاش وطرح احتمالية نضوبه على مر الوقت. ففي العام 1914 توقع المكتب الأميركي المسؤول عن المناجم عن احتمالية نضوب النفط الأميركي خلال عشر سنوات قادمة. وفي العام 1939 عادت تلك التنبؤات للظهور في أميركا لكن هذه المرة من قِبل وزارة الداخلية فقد أعطت احتمالية نفاذ المحصول النفطي في غضون 13 سنة. ذكر الرئيس الأميركي جيمي كارتر في السبعينات أنه بإمكاننا استعمال جميع المخزون النفطي في العالم واستهلاكه خلال عقد واحد، ومع ذلك ها نحن في العقد الثاني من الألفية الثانية ومازال النفط مستمرًا، ولعل ذلك بسبب ظهور طرق جديدة في الاستخراج مكنت العالم من الحصول عليه بكميات أكبر.  

أخر أنواع الوقود الحجري والذي نال نصيبه من التوقعات المتشائمة لنضوبه هو الغاز الطبيعي، ففي العام 1962 قام الخبير بالوقود الحجري (M King Hubbert) برسم خارطة للغاز الطبيعي فذكر أن إنتاجية الغاز ستصل ذروتها في الثمانينات، بعدها تتضاءل تدريجيًا حتى تصل لأخفض مستوى لها في العام 2020. في يومنا الحاضر إنتاج الغاز الطبيعي يصل لأعلى مراحله والفضل يعود لاكتشاف الغاز الصخري رغم صعوبة استخراجه إلا أن التقنيات تطورت كثيرًا منذ ذلك العصر.

كثرة البشر قد لا تكون بذلك السوء:

بالعودة إلى بداية المقال حينما اتهم البشر في التسبب بنضوب الموارد الطبيعية للأرض. لعل السبب الأكبر في زيادة تلك القدرة الاستهلاكية هو تضاعف أعداد البشر على الكوكب، لكن هل فكرة ازدياد أعداد البشر سيئة إلى هذه الدرجة؟



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.