تتوالد الأسئلة في ذهن الإنسان حينما يجد في عالمه مفارقات أو تناقضات غير واضحة، ليبدأ بالبحث والتجربة حتى يصل إلى حلول تشفي ولعهُ وتطور وعيه وأدواته في البحث، ومن هناك انطلقت كثير من أسئلة البشر، ولكن هل تكون الأسئلة مفردة، مترامية، وكل سؤال في فُلك يسبح؟

لنبدأ ببعض الحقائق:

  1. أقل درجة حرارة هي 273 درجة تحت الصفر، ولا حد لأعلى درجة حرارة.
  2. أقل كمية من الطاقة هي ثابت بلانك (Planck constant)، ولا سقف لأعلى كمية من الطاقة.
  3. أقل كمية من المولات الذرية هي عدد أفوجادرو (Avogadro constant)، لكن أقصى عدد للمولات هو اللانهاية.
  4. أقل كتلة في الكون هي الإلكترون، ولا يبدو أن لأوزان الكتل حدًّا أقصى.

لماذا هناك دائمًا حدود دُنيا للكميات الفيزيائية، ولا توجد حدود قصوى؟ فعند النظر إلى الواقع من هذا المنظور، يخيل للرائي كما لو أن عالمنا مغلق من الأسفل، ومثقوب من الأعلى.

تكمن معضلة العلم الكبرى في أننا نعيش في كون واحد، لكن تحت قانونيين متناقضين تمامًا، فبالرغم من كل التقدم التكنولوجي الذي وصلنا إليه الآن، يقف موروثنا العلمي على نظريتين علميتين تناقض كل منهما الآخرى.

فالقوانين التي تحكم عالم الأجسام الذرية، مختلفةُ تمامًا عن القوانين التي تحكم الأجرام الكبيرة، ومفهوم الأجرام الكبيرة يشمل البشر والشجر والكواكب والنجوم وكل ما كان حجمه أكبر من حجم الذرة.  

“لابد من وجود قانون واحد للكون، فالرب لا يلعب بالنرد” آينشتاين

منذ بزوغ فجر البشرية، شعر الإنسان بفطرته السليمة بوجود إله واحد، ذو قدرةٍ خارقةٍ لا تحكمها القوانين التي تنطبق على عالمنا، وأيقن بأنه لا بد من وجود تفسير واحد لكل الظواهر التي تحدث في الكون، فظهر مفهوم الين واليانغ، ويتلخص محتواه في وجود قوة للشر وقوة للخير.

قوة الخير تتمثل في الرب المسؤول عن كل ما هو في صالح الإنسان، وقوة الشر التي تتمثل في الشيطان المسؤول عن الخراب والدمار.

أما الإغريق، فقد آمنوا بوجود أربعة عناصر أساسية، يمكن من خلال دراستها فهم كل شيء، وقد اتفق معهم في هذا المفهوم فلاسفة الصين، في حين أصر الهنود على فكرة الين واليانغ.

في بداية القرن العشرين بدأ العلماء مسيرة طريق طويل لإيجاد نظرية “كل شيء” بمنهج علمي خالص، وفي خضمّ السعي الحثيث، خرجت للعالم نظريتان، هما النظرية النسبية لأينشتاين ونظرية ميكانيكا الكم لماكس بلانك.

استطاعت النسبية تفسير الظواهر التي تحدث للأجرام الكبيرة تفسيرًا دقيقًا، وأعطت الباحثين القدرة على التنبؤ بنتائج الأحداث الكونية، لكنها لم تستطع التعامل مع الأجسام الذرية.

في المقابل استطاع بلانك بنظريته المعروفة باسم ميكانيكا الكم،  إيجاد أرضية صلبة تمكن الباحثين من التنبؤ بسلوك الأجسام الذرية، ولكنها لم تكن قادرة على تفسير أو تنبؤ الأحداث الفلكية.

لم يدرك آينشتاين وبلانك أنهما خلال بحثهما لإيجاد نظريةٍ تشمل كل شيء، أنهما يسيران في طريقين متوازيين و بتناقضٍ تام، في نفس الوقت لم يستطع أحد من العلماء اللاحقين أن يتمكن من إيجاد حلقة وصل بينهما، بالرغم من مرور عقودٍ على خروج تلك النظريات للعلن.

كون واحد، عالمان مختلفان

يعد علم الذرة من أبطأ العلوم تطورًا، فبالرغم من الإمكانيات المادية الكبيرة التي سُخرت له، إلا أنه يتقدم بسرعة  سلحفاة، وبالمقارنة مع علم الحاسوب أو الميكانيكا أو الكهرباء، يعد علم الذرة علمًا في مرحلة الرضاعة.

حين نتأمل في القدرات الحاسوبية قبل عشر سنوات فقط، سنلاحظ فرقًا كبيرًا، في حين لا يزال علم الذرة  جامدًا على ما قد اكتشف في زمن الحرب العالمية الثانية! ويرجع السبب الرئيسي في ذلك إلى كونه عالمًا يختلف تمامًا عن الواقع الذي نعيشه، بالإضافة لكونه علمًا مقيّدًا بالنظم السياسية، فعندما تكتشف وكالة أو جهة علمية معلومة جديدة في عالم الذرة غالبًا ما تكتمه سرًا لكي تضمن تفوقها التكنولوجي العسكري، فدائمًا ما تكون كلمة “أسرار” مرتبطة بعلم الذرة، و لا ترتبط إلا نادرًا مع بقية العلوم، مما أدى إلى ضعف النشر والتبادل العلمي الذي هو الأساس في تطور كل فروع العلوم.

في المرحلة المتوسطة يتعلم الطلاب أن للإلكترون القدرة على الانتقال من مدار إلى آخر عند اكتسابه الطاقة، ستظن أن الإلكترون ينتقل من مدار إلى آخر كما ينتقل البشر من مكان إلى آخر، أي بالمرور بالحيز الذي بينهما.

لكن الإلكترون ينتقل انتقالًا لحظيًا، أي أنه يختفي من مكانه ويظهر في مكانٍ أخر دون الحاجة للحركة، أو المرور بالفراغ بين المكانين.

ودائمًا ما كانت هذه الظاهرة تقضُّ مضاجع العلماء، فقد كان الانتقال اللحظي أمرًا من نسج خيال مخرجي أفلام هوليوود، وكان من المستحيل أن يصدقها أي مجتمعٍ علمي.

الانتقال اللحظي للذرات هو واحد من مئات الظواهر الغريبة عن واقعنا، والتي تحدث بالفعل على الدّوام في المستوى الذري.

وعندما كان مهندسو الذرة بشرًا مثلنا، تشربوا كثيرًا من واقع البحث، استعصى عليهم كثيرًا فهم الظواهر الذرية وتفسيرها.

في واقع الحال لم تكن البشرية بحاجة إلى علماء، بل كانت بحاجة لرجال ذوو خيال واسع، قادرين على تقبل الحقائق دون خوف.

الصفر والمالانهاية، قصة العدم والوجود

في أواخر القرن الماضي، بزغ ضوء نجم جديد في عالم الفيزياء، تميز هذا العالِم بقدرته الشديدة على التخيل، وتمكنه القوي من العلوم الرياضية، التي كانت وما زالت الانعكاس المرئي للفيزياء.

بدأ الأميركي براين جرين (Brian Greene)، وهو عالم فيزياء نظرية، في دراسة كلا النظريتين من ناحية رياضية، وتمكن من إيجاد مكان الخلل فيهما.

فالأجسام الذرية، صغيرةٌ إلى درجة تقارب الصفر، والأجرام السماوية كبيرة إلى درجة تقارب اللانهاية، وقد تمكن من إيجاد تلك العلاقة من علم النهايات الرياضي (limn→∞ (1+1n)n ).

واكتشف أن عدم وجود تعريف ملموس ومنطقي للصفر واللا نهاية هو السبب الأساسي في تناقض النظريتين.

بالرغم من أهمية اكتشافه في معرفة مكان القصور، إلا أنه لم يتمكن من حل المعضلة، غير أن معرفة موطن الخلل يمثل مفتاحًا للحل.

عندها قرر براين إيجاد نموذج للكون بدون صفر وما لا نهاية، كونٌ لا وجود فيه للعدم، ولا وجود فيه للوجود!

وتمكن بالفعل من إيجاد نموذج خلاق، قادر على إيجاد وفاق بين المستويين الذري والأعلى من الذري.

تكمن فكرته في تبسيط كل الذرات والأجرام إلى أوتارٍ دقيقة متناهية الصغر تتراقص دون توقف، تعيش في أحد عشر بعدً. واستنادًا إلى نظريته، فالكون ليس وحيدًا، وإنما هنالك العديد من الأكوان المتصلة ببعضها البعض، ويرى العلماء أن هذه الأكوان متشابكة ومعقدة الترابط، ولكل كون قوانينه الخاصة به، أي أن الحيز الواحد في العالم قد يكون مشغولاً بأكثر من جسم، ولكن من عوالم مختلفة.

وبالرغم من تمكن براين من فك شفرة أصعب الألغاز التي مرت على البشرية؛ فقد عانى كثيرًا من صعوبة شرح الفكرة للمجتمع العلمي، إذ كانت الفكرة في غاية الإبهام، وتفتقر للتجارب العلمية، حيث لم يستطع المجتمع العلمي فهم النظرية بشكلها الكامل، فلم يقبلوا مثلًا فكرة عدم دخول الصفر واللانهاية في صلب النظرية، فلابد من التطرق لهما بطريقةٍ أو بأخرى، لأنهما جزءٌ يكاد لا يتجزأ من الرياضيات.

لا يعني ذلك عدم جدوى نظرية براين جرين، بل على العكس، زاد من أهميتها وغموضها. حيث عجزت النظرية النسبية ونظرية الكم عن تفسير العديد من الظواهر الكونية، بسبب ارتباط جميع الظواهر الكونية بالصفر والمالانهاية. وذلك جعل العلماء يشعرون بالارتياح تجاه نظريته، فهي لا تخالف قواعد المنطق، ولديها القدرة على إيجاد قواسم مشتركة بين الذرة والأجرام الكبيرة.

أسئلة التناقضات، والمزيد من الأسئلة

في النهاية، يقودنا ذلك للإدراك بأن كشف التناقضات قد لايكون بالضرورة بدمجها أو محوها، وإنما في القدرة على تفكيكها وطرح الأسئلة الجديدة، واستخدام الأدوات البحثية غير المألوفة من أجل الوصول إلى الحل. وأن إيجاد الحل لسؤالٍ ما، قد لا يكون بالضرورة بالوصول إلى نتيجة محتّمة بعمل فردي منفصل، وإنما بجهد بحثي تراكمي، يفتح بوابة  تفضي إلى بوابات أخرى توسع للعلم آفاقه وتفتحها، ومع أننا مازلنا نجهل الكثير؛ إلا أن الفضول والتساؤل هو ما يقودنا دائمًا للعثور على الإجابات، وقد تبدو نظرية براين غير مكتملة، ولكن قد يأتي ذلك الشخص الذي أصابه الفضول ليكمل الحلقة المفقودة، أو يزيد من التساؤلات.. من يدري؟



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.