يقول فرناندو بيسوا: “لا ينبغي أن يكون الإنسان قادرًا على رؤية وجهه، ما من شيء يفوق هذه الرؤية في خطورتها، لقد وهبته الطبيعة العجز عن رؤية وجهه، والعجز عن التحديق في عينيه هو، في مياه الأنهار والبحيرات فحسب كان بوسعه النظر إلى وجهه، والوضعية التي توجّب عليه اتخاذها آنذاك كانت رمزية: عليه أن يميل وينحني كي يقترف إثم أن يبصر نفسه، مخترع المرآة سمم قلب الانسان!”

المراقب للحالة الثقافية والفكرية لمجتمعنا السعودي يلحظ في الآونة الأخيرة العدد الكبير الذي ظهر ممن يصفون أنفسهم بالأدباء وكتاب الرأي، والانتشار الكبير والملاحظ لأطروحاتهم و أسمائهم، خاصة مع انتشار استعمال وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت منصة تسهل للجميع إيصال رسائلهم لأكبر عدد من الناس. ولقد أصبح العديد من هؤلاء -المثقفين الجدد- قدوةً للعديد من الشباب ممن يعتدون بآراء هؤلاء ويأخذون بأطروحاتهم.

لكن، هل الأطروحات التي يقدمها هؤلاء المثقفون الجدد أطروحات بنيت بعد بحث متواصل، واطلاع مطول، ونقد وتمحيص، ودراسة للمدارس المختلفة التي ناقشت أفكار هذه الأطروحة، ثم خرجت بنتائج تخص صاحب هذه الأطروحة وتكون ذات نتيجة إذا طبقت أو درست على مجتمعه؟ (خاصة في المسائل الفكرية والاجتماعية)، أم أن هذه الأطروحات هي مجرد نقل حرفي لمقالة أو كتاب وقع في يد هذا الشخص ذات أمسية، وقرأ منه فصلًا وتحدث في اليوم التالي لمتابعيه في وسائل التواصل الاجتماعي عما قرأ ليس بلسان الناقل بل بلسان المعلم والواعظ.

هنا ينشأ لدينا الفكر المرآتي

فكرٌ كالمرآة يعكس كل فكرة يقرأها أو يستمع إليها دون نقد أو تحليل للخروج بنتائجه الخاصة، يعاني مجتمعنا الثقافي منذ زمن ليس بقريب  من هذه الآفة الفكرية، وهذه الآفة لا تقتصر على طبقة فكرية واحدة بل على جميع أطياف الفكر و الثقافة السعودية، فعلى سبيل المثال نشهد ومن فترة ليست بالقصيرة الصراع الدائم بين التيار الذي يُدعى بالتّيار الليبرالي والآخر الذي يُدعى بالمحافظ، ونرى أن بعض الرموز الكبرى في كلا التيارين وهم يعدون “البعض المؤثر” ممن لهم  ظهور دائم في وسائل الإعلام سواء التقليدي أو الجديد – وهذا الأخير يعد رافدًا مؤثّرًا لإيصال المعلومة في عصرنا الحالي – يتخذ نماذج وأطروحاتٍ فكرية لمجتمعات تختلف عنا تمام الاختلاف في الهوية و الثقافة وسيلةً للرد على الادعاءات التي يدعيها خصومهم، والأدهى أنهم يعتدون بهذه النماذج كأمثلة يمكن تطبيقها على الحالة الفكرية والاجتماعية للمجتمع السعودي، ومن ثمّ يظن كل من جلب هذه القوالب الفكرية الجاهزة أنه وهب الخلاص للمجتمع، ولا يعلم أنه بهذا يسقط على المجتمع هوية مشوهة لا تمت له بصلة. إذا، لا عجب إذا كان هذا البعض المؤثر من  النخبة المثقفة من كلا التيارين ليسوا  إلا مرآة تعكس أفكار غيرها، وليس أولاء المثقفون الجدد إلا امتدادا لسلسة الصور في تلك المرآة.

إن الواجب هو أن ننشئ جيلًا يتدرب من نشأته الأولى على استخدام أدوات النقد والتحليل والمناقشة، وأن يكون منفتحًا على جميع الأفكار والآراء، وألا يأخذ بأي طرح فكري فقط لأن فلانًا من الناس هو من طرحه أو لما يحمله هذا الطرح من بريق لامع، أو أن يتأدلج فكريًّا فلا يستطيع النظر إلا في تلك المرآة، ولا يرى إلا صور فكره، ويبقى بعيدًا عن الحياد والموضوعية، مما يجعله ديكتاتورًا يريد فرض فكرته لا عرضها باعتبارها الخير التام والحق المطلق الذي لا يعارضه إلا معاند. 

إننا بهذا ننشئ جيلًا من المفكرين القادرين على تسخير  فكرهم وأقلامهم لمواجهة الصراعات الفكرية الكبرى بتقبّل للاختلاف واحتواء للتنوع، وليس لتبادل الشتائم بين بعضهم البعض على شاشات التلفزة تحت غطاء الحوار الفكري و تبادل الآراء أو للتباهي فوق منصات التوقيع في معارض الكتاب.

 



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.