تبشر الكثير من أفلام الخيال بنهاية البشرية على يد الذكاء الاصطناعي الذي يزداد تطوره كل يوم، وقد كتبت وكتبت وكتبت وكتبت مرارًا على ثمانية عن هذا الشيء.

لا نستطيع أن نوقف التطور لأن هذا الشيء غير قابل للتطبيق عمليًا. لذلك، فإن المناداة بتحجيم تطوير الذكاء الاصطناعي أو وضع قيود عليه من أجل أن ننام مطمئنين في الليل هو أمر غير واقعي. لذا علينا أن نتقبل أن الذكاء الاصطناعي سيستمر في التطور وقد يصل بعد عشرات السنين إلى المرحلة التي يحاكي فيها ذكائنا “الحالي“.

سبب تركيزي على كلمة حالي هو أن مستويات الذكاء البشري قد تتغير في المستقبل، وذلك بسبب التطور في علوم الأحياء، التي غالبًا ما نغفل النظر إليها، لذلك علينا أن نكف عن القلق من خضوع البشر للآلات في المستقبل والتفكير فيما هو أبعد من ذلك.

كيف تخيلنا انسان المستقبل؟

وضعت العديد من الأفلام والألعاب الشهيرة بعض التصورات لمستقبل البشرية تتماشى مع فكرة التطور في علم الأحياء والتطور في الهندسة الوراثية وعلم الجينات.

أحد الأمثلة التي خطرت ببالي هو فيلم الحيوان (The Animal)، والذي تدور فكرته حول تعرض بطل الفيلم لحادث تسبب في إضرار لأعضائه الداخلية مما جعل أحد الأطباء يستخدم أعضاءً من بعض الحيوانات. هذا الشيء أكسب البطل صفات هذه الحيوانات مثل سرعة كبيرة في الجري والسباحة مثل الدلافين.

وخذ أيضًا لعبة مثل بايوشوك (Bioshock) التي يحصل بطلها على قدرات معينة عبر حقنات من Plasmids والتي تحتوي على مادة خيالية تقوم بتغيير التركيبة الجينية للشخص وتكسبه بعض القدرات الخارقة، مثل تحريك الأشياء عن بعد وإطلاق الكهرباء واشتعال النار من يده، وهي فكرة شبيهة بتقنية كريسبر من الناحية النظرية على الأقل.

لن نتوقف هنا، أفلام مثل الذبابة (The Fly) وبليد رانر (Blade Runner) مثلاً تصوّر اندماج الإنسان بالحشرات في الأول والثاني يتحدث عن تطور الآلات لتصبح شبيهة بالبشر. ولو عدت إلى عالم ألعاب الفيديو فبطل لعبة ديوس إكس (Deus Ex) هو خليط بشري مدعم بأطراف صناعية تعطيه قدرات خارقة بعض الشيء.

سردي لكل هذه الأمثلة هو مجرد توضيح لفكرة أن الكثير من الناس تخيلوا المستقبل عبر مسارين منفصلين، إما الآلة وإما التعديل الجيني أو الوراثي. لذلك، لنتحدث عن هذه الفكرتين قليلًا.

المسار الأول: الإنسان الآلة

على أرض الواقع يعتقد البعض من الناس بأن التطور في مجالات مختلفة مثل الذكاء الاصطناعي قد يساعد على جعل هذه التقنيات جزءًا من تكوين الإنسان.

سمع الكثير منا بتقنيات النانو، لذلك فإن الدمج بين هذه التقنية وبين الطب مثلًا قد يساعد على بناء أجهزة صغيرة، يمكن زراعتها في الجسم وجعلها جزءًا من الدماء التي تجري في عروقك، بحيث تعالج وتصلح أي مشاكل قد تواجهها، وليس ذلك فحسب فقد تصل إلى مرحلة تقوم فيها هذه الأجهزة بتحسين قدراتك الفكرية.

لم نصل إلى هذه المرحلة بعد، فكل الأمثلة الحالية والمتعلقة باندماج الإنسان بالآلة محدودة في مجالات طبية، فالكثير منّا شاهد مقاطع الفيديو الكثيرة التي تظهر العديد من الأشخاص الذين كانوا يعانون من إعاقات سمعية وهم يسمعون الأصوات لأول مرة عن طريق تركيب أجهزة معينة في رؤوسهم.

وهناك أيضًا الأشخاص الذين حصلوا على أطراف صناعية بسبب تعرضهم لحوادث تسببت في فقدان أيديهم، ومع أن استخدام الأطراف الصناعية مازال محصورًا على حالات طبية للأشخاص الذين تعرضوا لحوادث، إلا أن التطور في هذا المجال قد يفتح أفاقًا جديدة وقد نرى البشر في المستقبل يستبدلون أطرافهم الطبيعية بأطراف اصطناعية ذات قدرات أفضل.

المسار الثاني: الإنسان الشاورما

لا بد أن بعضكم سمع عن تقنية كريسبر والتي سبق لنا التحدث عنها، ومع أن المقالة كانت تركز على جانب معالجة العيوب الجينية في البشر ومعالجتها عن طريق تقنية كريسبر. إلا أن هذه التقنية قد تفتح أبوابًا أكبر تنقل البشر إلى مرحلة جديدة كليًا يصبح فيها البشر قابلين للتطور والتغير بسرعة كبيرة عبر التلاعب في جيناتهم.

قبل كريسبر قام العلماء بالعديد من تجارب التلاعب الجيني على الكثير من الحيوانات. خذ على سبيل المثال أسماك GloFish التي هي في الأصل أسماء من نوع الزرد (Zebrafish). قام العلماء بتعديل جيناتها لتصبح مضيئة عبر زرع جينات قناديل البحر المضيئة، وبإمكانك شرائها عن طريق موقعهم الرسمي.

وبعيدًا عن الجانب الترفيهي فإن هناك تجارب تمهد الطريق لأشياء أكبر. ففي 1999 تمكن العلماء من إنتاج سلالة من الفئران ذات معدلات ذكاء عالية عبر التعديل الجيني. والذكاء ليس كل شيء، فقد تمكن العلماء في تجارب سابقة من إنتاج فئران أقوى وأسرع بالإضافة إلى أن جيناتها تجعلها مقاومة للسمنة، لأن جسمها يحرق الدهون بمعدل عالي. بإمكانك تخيل تأثير مثل هذه التعديلات علينا الآن خصوصًا أننا نستهلك الكثير من الوجبات التي تحتوي على سعرات حرارية كبيرة.

الصخب الذي أحدثته تقنية كريسبر أثار جدلًا حول مستقبل الإنسان، وبدأنا نسمع مصطلح (Designer baby) والذي نستطيع ترجمته إلى (طفل مُصَمّم) وتعرفه موسوعة ويكيبيديا بأنه “جنين تم تعديله جينيًا بحسب قواعد وضعها والدا الطفل أو العالم من أجل الوصول إلى نتيجة معينة”.

مع أن كريسبر ما زالت في بدايتها، إلا أن الحديث عن “تصميم” البشر بدأ منذ الآن. حيث سيستطيع الآباء في المستقبل وضع مواصفات معينة لأطفالهم أثناء فترة الحمل المبكرة ولكن بمجرد أن تصبح هذه التغييرات جزءًا من جينات الطفل فسوف يقوم بتمريرها إلى أولاده دون أي تدخلات إضافية.

تصميم البشر قد يصبح أشبه بطلب شطيرة شاورما. ستذهب إلى الطبيب وتطلب منه أن يكون الطفل ذكيًا وقوي البنية وغيرها من الصفات التي سيكون من السهل تعديلها وبعد 9 أشهر من الحمل يخرج ابنك حسب المواصفات التي طلبتها وستطمئن على مستقبل أحفادك الذين سيحملون جينات أبيهم.

المسار الثالث

يتضح لنا من الكلام السابق أن لدى البشر مسارين للتطور. الأول، عبر الاندماج بالآلة والثاني عبر الهندسة الوراثية. لكن ماذا لو كان هناك مسار ثالث؟ والذي ندمج فيه أفضل مافي المسارين بحيث يخرج لنا جنس بشري مختلف كليًا عن أي شيء تخيلناه.

في المسار الثالث سوف نقوم بوضع مواصفات معينة للجنس البشري تضمن استمراره، حيث يكونون أقوياء وأذكياء. وليس ذلك فحسب فقد نستطيع أن نجعل استهلاكهم لموارد الكوكب أقل، فقط علينا أن نزيد من قدرتهم على تحمل الجوع والعطش بشكل كبير.

هذه التعديلات قد تسبب مشاكل أو أعراض صحية جانبية، وهنا يأتي دور الآلات التي ستكون جزءًا من تكوينك، وربما تزرع في الأجنة قبيل الولادة، بحيث تقوم هذه الآلات بتصحيح المشاكل ومعالجتها باستمرار لضمان حياتك وتحسينها باستمرار.

سيستمر العلم في التطور، وسيصبح لدينا معرفة في كيفية هندسة جينات البشر بشكل دقيق، وفي المسار الموازي ستكون الآلة حاضرة لمعالجة وتحسين أي شيء.

حين أتخيل هذا الشيء أحس ببعض الخوف والقلق من القدرات التي قد نصل إليها خلال العقود والقرون القادمة.

حين نصل إلى مرحلة يكون لنا قدرة كبيرة على التحكم في حياتنا؟ ماذا سيحصل؟ تنتهي الحروب؟ سلام عالمي؟ أو لعلنا سنتحول إلى الغزاة الذين كنا صورناهم في أفلامنا، ونصبح نحن الشر الذي حذرنا منه أنفسنا…الموضوع بحاجة إلى شاورما والكثير من التفكير.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.