لا زالت أورسولا الشخصية الأكثر مركزية في رواية مئة عام من العزلة، باستثنائية شخصيتها المنطوية على الكثير وعلى اللاشيء. قامت أورسولا بعزل نفسها وأفكارها عن المحيط الخارجي، وفي محاولاتها للتغلب على ضعف بصرها والعمى الذي أخذ من عينيها مأخذه راحت تقاوم العمى وجعلته سرها الأثير، انتهت الرواية بسنواتها الطويلة ولم يكتشف أحد ما العمى الذي أصابها. قامت أورسولا بمراقبة المحيط الخارجي، الأشخاص الذين يعيشون في المنزل، عادتهم الروتينية التي لا ينتبهون لها, يصف غابرييل ماركيز ماتفعله أورسولا بقوله:

“والأمر ببساطة، أن الاخرين يمضون دون انتباه في كل الاتجاهات، بينما هي ترصدهم بحواسها الأربع، كيلا يفاجؤها بشيء، وبمرور بعض الوقت، اكتشفت أن كل فرد في العائلة يكرر كل يوم، دون وعي منه، التنقلات نفسها، والتصرفات نفسها، بل ويكررون تقريبًا الكلمات نفسها، في الموعد نفسه. وعندما يخرجون عن هذا الروتين الدقيق فقط، يتعرضون للمجازفة بفقدان شيء ما، مثل خاتم أو محفظة لا يعلمون أين وضعوها”.

هذه الملاحظة عالية الدقة والصحيحة إلى حدٍ كبير تدهشك بمدى ما تأخذ العادة من حيزٍ في يومياتنا، وبشكل متجذر لدرجة أننا لا نلاحظه, في الانتباه إلى هذه التفاصيل الصغيرة، وعي يساعدك على تقييم حياتك، عاداتك، روتينك الصباحي، وعادات نومك

يخلق لنا الروتين أفعالًا لا واعية، ستشعر بأن هناك خطأ ما إذا لم تنظف أسنانك في الموعد المحدد، أو ستتجه إلى أداء فعلٍ ما بتلقائيةٍ بحتة حتى قد يمر بخاطرك تساؤل عن جدوى ما تفعله؟

تبدو فكرة الروتين كئيبةً قليلًا ولكن بمنظور عملي هي فكرةٌ ثوريةٌ في حياة الفرد، ستحاول تلقائيًا تصحيح روتينك اليومي وتختصر تلك المسافة القابعة بين فعلك وبين ترددك في الإقدام عليه.

كونك مدفوع لعمل الشيء ذاته مرارًا وتكرارًا، فما الذي يحويه يومك من عادات؟ الكثير من الناس يصنعون عاداتهم على حاجاتهم الفسيولوجية فقط كالنوم و الأكل و الاستحمام، أما باقي الأنشطة التي تستحق أن تكون عادةً كالقراءة والرياضة والعمل، تكون عادةً هامشية يخضع تنفيذها إلى الحاجة ودخول معترك أكون أو لا أكون مرة كل فترة.

اتبع الكاتب الأميركي راي برادبري تقاليد الزن ليصل بذلك إلى ذروة الكتابة أيّ إلى مرحلة عدم التفكير، وتكلم عن هذه التجربة في كتابه “الزن في فن الكتابة”.

ومرحلة اللاتفكير أيّ مرحلة الإبداع، والوصول إلى هذه المرحلة عادةً ما يكون محفوفًا بالعمل غير المنقطع والروتيني, والعادات التي تُبنى يومًا بعد يوم بصبرٍ شديدٍ، وذروة العمل أن يكون جزءًا من ذاتك، أي أنه لابد أن يكون أولًا جزءًا من عادتك اليومية، اعتمادًا على المبدأ التراكمي “الكم بوابة الكيف”.

إذا سألت أي أحد تولى تدريب أنجح الرياضيين على مستوى العالم، ما الذي يجمع هؤلاء الناجحين وماهو سرهم، سيجيبك غالبًا بأن هؤلاء الناجحين من وجهة نظره هم الذين احتملوا العمل الروتيني يومًا بعد يوم، سنةً بعد سنة، يستسلم أكثر الناس قدرةً على النجاح إذا ما فقدوا صبرهم أمام آلة النحت اليومية التي تقوم بصقلهم ببطءٍ شديد، وقرروا التخلي عن ذلك على الرغم من ذكائهم وموهبتهم.

العمل الجاد ليس سرًا، العادات الصحية والعادات الجيدة، وجعل الممارسة جزءًا من يومك ليس سرًا أيضًا. ما لا سيخبرك به الجميع هو كيف تغلبوا على أنفسهم حين أرادوا تطويعها في عملية التركيز والصبر لتطبيع هذه العملية حتى تتحول إلى جزء من ذاتك.

التطويع والتطبيع والعادة:

  • أولًا: تطويع نفسك للقيام بمهمتك

الانضباط الذاتي، ترويض النفس، والتربية الذاتية، كلها مفاهيم تحاول حل سر النفس العظيم، طموحها وجموحها كانت ولا زالت الشغل الشاغل للعالمين والعابدين والعاملين لأنها عظمت أو صغرت هذه النفس فإن ترويضها ومساءلتها المهمة الأولى التي يجب إنجازها قبل أي مهمة عظيمة.

يقول  مصطفى محمود “يجب أن ينتصر كل منا في حربه مع نفسه أولاً ومن يخسر حربه مع نفسه يخسر في كل الميادين ولن ينجيه قانونٌ أو نظامٌ أو عصبة أمم فهو قد خَذل جميع القوانين حينما وضع سلاحه و استسلم للهوى من أول معركة فمن هناك لينصر الذي لم ينصر نفسه ؟”

  • ثانيًا: تطبيع المهمة في يومك

يقتضي التطبيع أن لا يكون الشيء وقتيًا، أن تكون منضبطًا على عادة ما لعدة أيام في الأسبوع فإنها لا تدخل حيز ذاتك أو أن تكون جزءًا أكيدًا من المستقبل.

للوصول إلى مرحلة تجلي العادة كجزء من ذاتك أنت بحاجة إلى تطبيع هذه العادة-مثل كتابة رواية رائعة- في كل يوم تستيقظ فيه، جزءًا من يومك الطبيعي. جنبًا إلى جنب تنظيف أسنانك وتناول وجبة الطعام، وكما هي فلسفة الزن الشرقية تصر على عملية التركيز والصبر التي تترك أثرها بعد مدة باندماجها في الذات.

  • ثالثًا: إندماج العادة في الذات

أخيرًا تستطيع أن تعرف أنك وصلت إلى مرحلة إندماج العادة في الذات، وصيرورتها إلى جزءٍ لا يتجزأ منك حين يتم التعريف بك بناءً على هذه العادة (القارئ، الكاتب، الريادي، اللاعب).

وصف هذه اللحظة، أي لحظة إندماج العادة في الذات. راي برادبيري في كتابه الزن في فن الكتابة:

“كتبت ألف كلمة في اليوم، لعشر سنوات كتبتُ قصة قصيرة كل أسبوع على الأقل، لقد خمنت وقتها أن يومًا ما سيأتي ويحدث كل شيء تلقائيًا دون جهد مني. وجاء ذلك اليوم في 1942 عندما كتبت (البحيرة) بعد عشر سنوات من فعل الأشياء بصورة خاطئة، وصلتُ فجأةً لفكرةٍ صحيحة، للمشهد الصحيح، للشخصية الصحيحة، في اليوم والوقت الإبداعي الصحيح. كتبتُ القصة في الخارج على آلتي الكاتبة على المرج أمام المنزل. انتهيت من كتابتها بعد ساعة، واقشعر بدني، وانهمرت دموعي. عرفت حينها بأنني كتبت أول قصة جيدة جدًا في حياتي”.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.