ذاع صيت أغنية (Shape of you)  للمغني الإنجليزي إد شيران (Ed Sheeran) التي يتغنى فيها بشكل حبيبته المتناسق على حد رأيه، ومن اسم الأغنية تعرف بأنه مغرم بقوام عشيقته الذي يدّعي أنه يسرق الألباب.

أتحدث هنا عن شكل الكون. وإن تساءلت عن علاقة ما سبق بشكل الكون، فلا داعي لتساؤلك، فليس هناك علاقة. كل ما في الأمر أنه عند البحث في موضوع شكل الكون وأبعاده، دائمًا ما كانت تظهر هذه النتيجة أولاً، محركة بذلك أطراف اللسان دندنةً بلحنها وكلماتها.

إن الكون، وحدوده، وماهيته، من أهم المباحث التي شغلت الرياضيين والفيزيائيين على حدٍ سواء؛ لأن الفيزياء والرياضيات مرتبطتان ببعضهما ارتباطًا وثيقًا. فلطالما فكر العلماء والباحثون والفلاسفة في فكرة حدود الكون.

“هل الكون جسم منتهي؟ أم أنه كيان واسع بلا بدايةً أو نهاية؟”

وكالعادة في معاهد ومراكز أبحاثنا العربية، اختلط العلم بالدين، فذاك يقيس الكون بآية قرآنية، والآخر يثبت نظريته بحديث شريف، مما أدى إلى فشل العلماء العرب في العصر الحديث فشلاً ذريعًا في علم الفلك والهندسة الكونية بالرغم من الإمكانيات المتوافرة، وذلك لأنهم يفسرون الأحاديث والنصوص القرآنية لكي تتسق مع ما توصلوا إليه من نتائج، و يتخذوه حجةً ضد من لم يتفق معهم.

لكن عند النظر إلى كوننا من ناحية علمية بحتة، سيكون علم الرياضيات هو أفضل أداة لمعرفة خصائص الكون وأبعاده، فدائمًا ما كانت الرياضيات هي أفضل وسيلة لمحاكاة أي ظاهرة فيزيائية على مر العصور.

فعندما يثبت علماء الرياضيات أن الأعداد لا حصر لها، ويضعون رمزًا للمالانهاية (∞)، فهم بذلك يدعون بأن الكون لا حدود له، لأن المستوى الإحداثي تم تصميمه بالأساس ليحاكي الفضاء الذي نعيش فيه.

ولكن عندما نظر الفيزيائيون إلى الكون أيقنوا أنهم إذا ما أرادوا معرفة حدود الكون فلابد من معرفة شكله أولاً، هل هو مربع، مستطيل أم دائري أم منحي؟

في خضم الجدل والنقاش والتساؤلات التي لم تكن تختلف عن الكون في عدم نهايتها، خرج للعلن عالمٌ رأى الكون بمنظور جديد، استطاع به أن يسطر نفسه في كتب التاريخ، كأكثر البشر عبقرية، إنه ألبرت أينشتاين بنظريته المثيرة المسماة بالنظرية النسبية.

فقد أثبت أينشتاين في نظريته بأن الكون هو نسيج مترابط بين المكان والزمان، كما قطعة القماش. وهذا النسيج قادر على الانحناء، و التمدد والتمزق وقد أسماه أينشتاين بالزمكان.واستطاع عبر هذه الفكرة بناء أول  نموذجٍ مقبولٍ علميًا للكون. ومما ساعد في انتشار هذا النموذج هو قدرته على تفسير العديد من الظواهر الكونية التي لم يكن لها تفسير علمي مسبقًا.

فمنذ أن اكتشف نيوتن الجاذبية، لم يستطع أي عالم نفي وجودها، ولكن في المقابل لم يستطع أي عالم تفسير حدوثها. فكيف للأرض أن تجذب القمر وهي تبعد عنه 384,400 كيلومترًا؟، فلا يوجد سبب مقبول يفسر كيفية حدوث أي تفاعل بينهما يؤدي إلى تجاذبهما من على بعد كل هذه المسافة، وقس على ذلك قدرة الشمس على جذب كل كواكب المجموعة الشمسية بالرغم من البعد الشاسع.

وقد ساهم نموذج أينشتاين الكوني في تسهيل فهم تلك الظاهرة، وذلك بأن كل جسم في الكون يؤدي إلى وجود انبعاج أو انحناء في ثناياه، مما يؤدي إلى عدم قدرة أي جسم موجود في مجال الانحناء عن الخروج عن مداره.

استطاع أيضاً تفسير ظاهرة الثقوب الكونية بأنواعها، السوداء منها والدودية. فبدلاً من التفسيرات الرياضية المعقدة المليئة برموز التفاضل والتكامل واللوغاريتمات، جسدت نظريته نموذجًا بسيطًا يستطيع طالب في العاشرة من العمر فهمه ببساطة.

لكن بالرغم من مساهمة أينشتاين الكبيرة في معرفة ألغاز الكون، إلا أنه لم يستطع أن يجزم بوجود شكل محدد للكون بناءً على نموذج علمي صلب يستطيع به مقارعة المشككين من العلماء.

يرجع السبب في عدم استطاعته معرفة شكل الكون، إلى عدم وجود أجهزة وتقنيات تساعد على إيجاد معطيات جديدة لتكون أساسًا لفرضية جديدة. فدائمًا ما يكون هناك حدٌ لما يمكن إثباته بالبراهين النظرية، وعندها تأتي أهمية المنهج التجريبي في الإثبات.

فكان لابد من تصميم تجربة قادرة على معرفة شكل الكون، وتولت وكالة ناسا للفضاء تلك المهمة، فقد كانت فكرة معرفة شكل الكون عبئاً ثقيلاً ينوء بحملها عالمٌ منفرد، فقد كانت في حاجة إلى اهتمام منظمة ذات قدرات مادية وتكنولوجية تسمح لها بسبر غورٍ بذلك الحجم.

على كوكب الأرض ما هو أحق بالبحث والبذل

وبالفعل بدأت ناسا بتصميم تجربة تقوم أساسًا على فكرة الجيروسكوب (Gyroscopes) لمعرفة كمية المادة المظلمة والطاقة المظلمة الموجودة في الكون لمعرفة إن كان هناك انحناء في الكون. والجيروسكوب أو المدوار هو جهاز بسيط قادر على الحفاظ على اتزانه عن طريق دورانه حول نفسه، حيث يقاوم أي تأثير للجاذبية الأرضية للتغير محور دورانه،  ويستخدم كثيرًا في الملاحة الجوية من أجل المحافظة على اتزان الطائرات.

لكن تجربة بهذه الضخامة كانت أيضًا ثقيلةً على وكالة ناسا لتنفذها وحيدةً. واستمرت تطلب الدعم لثمانية أعوام دون جدوى. وبدأ اليأس يدب في فريق العمل بصفة خاصة وكامل الوكالة بصفة عامة. إلى أن شاءت الأقدار، بوجود فرد من فريق ناسا كان زميل دراسة للأمير تركي بن سعود بن محمد آل سعود، وقد درس الأمير تركي  في جامعة ستانفورد في تخصص الملاحة الجوية وقد أصبح مؤخرًا رئيسًا لمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية. الذي قام بالتبرع والتكفل بجزءٍ كبير من التمويل اللازم لدعم تلك التجربة وبناء النموذج الصناعي.. وعندما اكتمل العمل على النموذج تم إرساله إلى محطة الفضاء الدولية، واستمرت التجربة لاثني عشر عامًا حتى أن ظهرت النتائج أخيرًا في عام 1999. فقد وجدوا بأن الكون مسطح ولكنه منحني بدرجة بسيطة جدًا لا تتجاوز 0.004%، وفي عام 2004 تم نشر نتائج الأبحاث بشكل رسمي بعد خمس سنوات من التأكد من خطوات التجربة، و موافقتها للنظريات السابقة كالنظرية النسبية لأينشتاين.

وبالرغم من الإنجاز العلمي الكبير الذي قد تم، إلا أن العديد من مراكز الأبحاث في أوربا وآسيا تشكك في منهجية التجربة وفي مصداقية نتائجها، لأن القيام بتجربة جيروسكوب في الفضاء للقيام بقياس الانبعاج في الزمكان، يشبه إدعاء قدرة الإنسان على معرفة مقاس عملة معدنية على بعد 120 كيلومتر. مما أدى إلى عدم قبولها في المجتمع العلمي، بالرغم من التكاليف المهولة التي تكبدتها ناسا في سبيل الوصول لتلك النتائج والتي تناهز 750 مليون دولار. ناهيك عن الوقت التي استهلكته تجربة بهذا الحجم والتي تعد من أطول التجارب العلمية على مر التاريخ البشري.

وما زلنا إلى يومنا هذا في حيرة من أمر كوننا. وسنستمر، ما دامت هناك أفواه تنادي بالتركيز في أمر البشر وعدم صرف الأموال في أبحاث الفلك التي يرون أنها لا تفيد البشرية في شيء، زاعمين بأن على كوكب الأرض ما هو أحق بالبحث والبذل.

ناسين أو متناسين أن العديد من الوسائل التي سهلت نمط حياتنا اليوم كانت نتيجة استكشافات الفضاء بالأساس، فنُظم الملاحة، ونظم التوقيت العالمي، ونظم الطاقة النووية، وأسرار الذرة ونظرية الجاذبية، تم اكتشافها أساسًا من علم الفلك وملاحظة حركة الكواكب.

 



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.