كان العالم في فجر القرن العشرين، يعيش فترة مخاض صعبة تطلبت الكثير من التضحيات والعمل الجاد، في ظل صعوبة تبادل المعلومات والأفكار. ولتعلم مدى صعوبة حياة الباحثين في تلك الفترة، تخيل أن عليك البحث في أي مجال علمي دون الاعتماد على حاسوبك الشخصي، ودون الارتباط بالشبكة. وما زاد من صعوبة تلك الفترة، اندلاع الحرب العالمية الثانية، حيث أراد الفوهرر الألماني أن يبسط نفوذه على العالم. لكن شاءت الظروف أن يولد عبقري شاب استطاع أن يغير وجه العالم دون أن ينال ما يستحق.

مهمةٌ مستحيلة

كانت تقنية الاتصالات الحربية في تلك الحقبة بدائيةً جدًا، حيث كان يستطيع المقاتلون استقبال موجات الراديو التي يرسلها العدو. لذلك كانت تقنيات التشفير أساسية لوضع هالة من الغموض على محتويات الرسائل التي يتم تبادلها بين الوحداتٍ العسكرية. وكانت فرق الاستخبارات توظف فرقًا مختصة بالمئات وحتى الآلاف على مُختلف الجبهات، لمحاولة الظفر بمعلومةٍ استراتيجية تكشف مكان الغواصات أو موقع الضربة الجوية القادمة.

و في تلك الفترة كان التفوق الألماني جليًا، حيث قام المهندسون الألمان بتطوير آلةٍ جهنميةٍ قادرة على تخطي كل ما عرفته الإنسانية عن التشفير حتى تلك الفترة. كانت الآلة قادرة على بناء جدارٍ متين من الحماية حول محتويات الرسائل التي تقوم بتشفيرها لتبلغ أكثر من 158 مليار احتمال، أو تحديدًا هذا العدد الخيالي:

158,962,555,217,826,360,000

وحتى نستطيع تخيل هذا الرقم الكبير، يمكننا أن نضرب مثاًلا يفسره: لنعتبر أن القوات الملكية البريطانية توظف 100 خبير تشفير قادرين على فك شفرة احتمال واحد في الدقيقة، وهم يعملون 8 ساعات يوميًا، و7 أيام في الأسبوع، وعلى مدار السنة. سيحتاج هذا الفريق لـ 90 مليار قرن للوصول إلى كل الاحتمالات الممكنة لرسالةٍ واحدة. هذه الأرقام المرعبة جعلت الجيش النازي في ثقةً تامة أن لا بشري يستطيع اختراق نظام تشفيرهم القوي، وكانوا محقين إلى حدٍ ما.

فكرة خارج الصندوق

كانت “إنجما” أهم معضلة رياضية عرفها العالم في ألفيته الثانية، وقد تمكنت من بث الرعب في صفوف الكثيرين، لكنها جعلت العباقرة والموهوبين يطمحون لمواجهتها والتغلب على نظام تشفيرها المُعقد. ولأن المؤسسات العسكرية كانت ولا تزال، تهتم بتطبيق القوانين والاجتهاد في التنفيذ حتى استنفاذ الجهد، فقد كان الطريق إلى التغلب على التشفير الألماني مسدودًا فعليًا. ورغم معرفة القوات المسلحة البريطانية أن هناك بضع المليارات -حسب حساباتهم التقليدية في ذلك الوقت- من الاحتمالات، فإنهم كانوا يأملون في أن يسعفهم الحظ وينجحوا في فك تشفير بعض الرسائل الهامة.

ولحسن حظ البشرية، عرف الرياضي والمهوَّس بالتشفير آلان تورنج طريقة إلى صُلب وحدات التشفير التابعة لمركز فك الشفرة البريطاني، حيث تم استدعاءه للمشاركة في العمل الروتيني الذي لا ينتهي لمحاولة فك تشفير بعض الرسائل. لكن هذا العبقري رفض تلك الطريقة الساذجة، وطرح فكرة غريبة جعلت الكثيرين يظنون بِه الظنون. فقد أراد الباحث أن يجعل آلة تواجه الآلة الألمانية وتحاول فك تشفير الرسائل.

كان ذلك العصر عصر ميلادٍ للعلوم المهتمة بالإلكترونيات، لكن أفكارًا مرتبطةً بالذكاء الاصطناعي ومكننة الخوارزميات كانت فكرةً سابقةً لعصرها بعقود طويلة. وحتى نتخيل بُعد نظر الرجل، يجب أن نعلم أنه كان قد كتب ورقاتٍ علمية حول الذكاء الاصطناعي في المستقبل. لذلك قوبلت فكرة تورنج بالكثير من التهكم والاستغراب، لكنه نجح في الحصول على الدعم الكافي لبناء آلته التي ستواجه المكنة الألمانية.

نجاح ولكن…

تمكن المفكر والباحث آلان تورنج من بناء آلته التي نجحت في فك شفرات الآلة الألمانية “إنجما” في وقتٍ قياسي، لتصبح تحركات الوحدات العسكرية والغواصات والطائرات وحتى طرق الدعم اللوجيستي مكشوفةً أمام المخابرات الملكية البريطانية. ويؤكد الكثيرون أن آلة تورنج كانت من أهم أسباب تسريع نهاية الحرب العالمية الثانية واندحار الألمان. لكن هذه الآلة طرحت معضلةً فلسفيةً وأخلاقية عميقة، تتمثل في طرق التعامل مع المعلومات المتوفرة.

هل يجب رد كل الهجمات الألمانية وإنقاذ المدنيين والعسكريين؟ أم يجب التكتم على المعلومات الاستخباراتية وإنقاذ المناطق الأكثر أهمية فقط حتى لا يعلم الألمان أن إنجما قد تم اختراقها؟

طبعًا المنطق يفرض أن يتم اتباع الاختيار الثاني، حتى لا تخسر بريطانيا كل الأموال والوقت والجهد الذي تم بذله لتصميم آلة تورنج، لكن هذا يعني أن استخبارات التاج الملكي كانت تعلم يوميًا حدوث عملياتٍ تستهدف جنودًا ومدنيين، لكنها كانت تغضُ الطرف عنهم، حتى لا يعلم الألمان أنهم تمكنوا من الوصول إلى رسائلهم الأكثر سرية.

في هذه الفترة عرفت بريطانيا كمًا هائلًا من الإشاعات، ومنها ما بقي إلى اليوم، لتبرير تواجد القوات البريطانية تمامًا في المكان المناسب لاستقبال الطائرات أو الغواصات أو القوات الألمانية، ومنها ما بقي إلى اليوم على غرار مقولة “الجزر يقوي النظر” والتي انطلت على المدنيين والعسكريين في معسكريّ الحلفاء والمحور.

نهاية درامية واعتراف متأخر

رغم كل الجهود التي قام بها تورنج في صلب المخابرات البريطانية، ودوره الفعال في مقاومة المد النازي في أوروبا والعالم، ورغم كونه الأب الروحي لفكرة الحواسيب والذكاء الاصطناعي دون منازع، إلا أنه عانى بعد الحرب كما لم يعاني أحد. حيث لم يتم الاعتراف بجهودهِ البحثية أو تكريمه على أعماله البطولية، ومن المؤسف أيضًا أنه تم اكتشاف مثليته الجنسية ليعاني الأمرين من بروباغندا إعلامية تناولت شخصه على أعمدة الصحف، وليُجبر على حقن مواد تغير تركيبته الهرمونية لتكون الضربة الموجعة التي أدت بهِ إلى الانتحار.

انتشرت الكثير من الإشاعات مؤخرًا عن ارتباط تصميم تفاحة أبل المقضومة بعملية انتحار العبقري تورنج، باعتباره قد تناول السم في تفاحة، لكن الشركة ومصمم الشعار أكدا أنها مجرد إشاعة، لكن للإشاعةٍ في بعض الأحيان سحر يتفوق على صلابة الواقع.

عام 2013 قامت سمو الملكة إليزابيث بالاعتذار رسميًا للمفكر والعبقري آلان تورنج كما تم إسقاط التهم التي تمس شخصه، والاعتراف بجهوده الجبارة في خدمة الإنسانية إبان الحرب ووضع أسس جهاز الكمبيوتر الحديث، ليعرف العالم ثورة تقنية وتكنولوجية جديدة مبنية على الشبكات والحواسيب والخوادم الجبارة، وحتى يقول عبقري اليوم في الفيزياء النظرية ستيفن هوكينج ما لمح له تورنج مُنذ عقود، أنه قلق من تطور الذكاء الاصطناعي.

يمكن أن نستلهم الكثير من العبر من قصة هذا الرجل الذي لم يعش أكثر من 42 عامًا، لكن علينا قبل البحث عن تلك العبر، أن نحاول النظر من خلال عينيه ونطرح الأسئلة حول ماهية المستحيل، ومعاني الغريب والمختلف لنكون أكثر قدرة على افتكاك مكان في مستقبل لن يكون للضعفاء.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.