في تاريخنا البشري على هذا الكوكب، تميزت أمم وحضارات باختراعات وابداعات ساهمت بالوصول بنا لحياة أفضل على جميع الأصعدة. هذه الحضارات اختلفت أماكن تواجدها جغرافيًا وزمنيًا، لكنها مع بعضها البعض شكلت شبكة من الأفكار والابتكارات المميزة لغدٍ أفضل. على سبيل الذكر لا الحصر، حظيت الحضارة الرومانية بالكثير من تلك الاختراعات، لكن هل فعلًا كانت كلها من أفكار رومانيةٍ خالصة؟ أم كانت نتيجة اقتباس أفكار من حضاراتٍ أخرى تم الاندماج معها أما عن طريق الاحتلال أو بواسطة التجارة؟

الطرق

تعد الطرق الطويلة المرصوفة والمتميزة باستقامتها وتصريفها للمياه أحد أهم إنجازات الإمبراطورية الرومانية. والسؤال،هل كان الرومان بالفعل هم أول من ابتكرها؟ الحقيقة أن التاريخ يسجّل وجود طرق شبيهة إلى حد ما بتلك الموجودة لدى الرومان. ففي القرن الخامس قبل الميلاد، أمر الملك الفارسي داريوش الأول البناؤون ببناء طريق ملكي يبلغ طوله 2600 كيلو، لكن لم يكن مستقيمًا بالكامل ولا مرصوفًا حتى.

وجد الرومان الفرصة في اقتناص تلك الفكرة و تطويرها، وجعلها تتميز بالاستقامة مع ترصيفها بشكل كامل. في قمة وقوة الإمبراطورية الرومانية أُنشأ 29 طريق عسكري مختلف  تنطلق جميعها من العاصمة، تربط 113 منطقة بثلاثمئة واثنين وسبعين طريقًا أي مايعادل بالمجمل ربع مليون ميل جاعلًا منه أحد أعظم الطرق لزمن طويل وأحد أنجح الطرق لربط مناطق مختلفة ببعضها البعض.

زادت الطرق الطويلة المرصوفة من التواصل بين المناطق المختلفة وعززت التجارة فيما بينها بالإضافة لتسهيلها لحركة الجيوش، لكن يعيبها التكلفة الباهظة وبسبب ذلك تم رصف 20% من الطرق الرومانية بالحجارة مما يعني أن الثمانين بالمائة المتبقية لم يتم رصفها بل كانت مغطاةً بالتراب والحصى.

محاكاة الإغريق

الحضارة الرومانية لم تخطو خطواتها الكبيرة إلا في القرن الثالث قبل الميلاد، في ذلك العصر كانت الحضارة الإغريقية تصقل الثقافة الرومانية لقرون. في القرن الثاني قبل الميلاد كانت مقدونيا أهم قوة عسكرية في العالم الإغريقي لكن روما كانت جارة طماعة فخاضت أربع حروب ضدها حتى أتى العام 146 قبل الميلاد لتخضع مقدونيا والعالم الإغريقي بأكمله تحت سلطة الرومان.

و كدلائل على تلك المحاكاة، يعد البناء الروماني أحد أكبر الأدلة على التأثير الإغريقي في حضارتهم. أول بناء بني في روما كان دائريًا متأثرًا بالبناء الإغريقي لكن تغير شكله مع مرور الوقت. الأعمدة والأهرام الثلاثية والمتواجدة في اليونان لقرون بدأت تنشر في أرجاء الأمبراطورية الرومانية كبرهان واضح لذلك التأثير.

المعابد أو ما يعرف بمسمى “الپانتيون” والتي كانت مخصصة لعبادة الآلهة تم اقتباسها من الأساطير الإغريقية مع إعادة تسميتها فمثلاً الآلهة زيوس هي جوبتير والآلهة آريز هي مارس. أيضًا الكهنة والعرافون عرفوا من قبل لدى الإغريق قبل أن ينتقلوا للرومان.

الخرسانة

يعتبر الرومان نوعًا ما أول من ابتكر البناء بواسطة الخرسانة. لكن يوجد نوع من الخرسانة الموجودة في الطبيعة من دون تدخل الإنسان في صناعتها، وقد استعملها قبل 1200 عام شعب مدينة مسيني في العصر البرونزي لبناء مبانيهم. كذلك بدو شمال أفريقيا يذكر لهم استعمال تلك الخرسانة قبل عهد الرومان.

لكن الرومان هم من استعملوا الخرسانة بعمل خليط لها من الماء والجير والرمل والرماد البركاني وتمت هذه الطريقة في صنعها منذ عام 300 قبل الميلاد إلى سقوط روما في القرن الخامس الميلادي. استنتج الرومان أن بناء الأقواس والقباب باستعمال مادةٍ سائلة سريعة الجفاف كان أسهل بكثير من بنائها بالطوب أو بالحجارة، من دون أن ننسى بأن التكلفة كانت أقل والوقت كان أسرع لإتمام البناء. طور الرومان طريقة البناء بوضع الهيكل في البداية ثم تعبئتها بالحجارة. وكمثال على هذا النوع مبنى الكولوسيوم في روما فقد بني بتلك الطريقة.

لدى الإمبراطور أغسطس مقولةٌ شهيرة يقول فيها: “وجدتُ روما مدينة من الطوب وغادرتها وهي مدينة من الرخام.” هذه المقولة تعتبر ناقصة و مجحفة كون الإمبراطور قد نسي أهم مادة بناء لدى الرومان إلا وهي الخرسانة.

الكتاب

بعد كل هذه الأمثلة لتطوير الرومان لأفكار عظيمة بدلًا من ابتكار أخرى جديدة، يلزم علينا التطرق لفكرة يعود الفضل للرومان في ابتكارها، الكتاب.

تم التعرف على أول كتابة في التاريخ في الحضارة البابلية قبل 3500 عام قبل الميلاد، وكانت قد كُتبت على لوحٍ طيني، قام المصريون بعدها بقفزةً كبيرة باختراعهم ورق البردي وهو ورق رفيع صنع من لب نبات البردي. كانوا يقومون بلف الورق نفسه من أجل حفظ العلم  وحتى يتمكنوا من نقله لكنها تعتبر نوعًا ما طريقة غير عملية.

في نهاية القرن الأول الميلادي تم اختراع الورق في الصين، لكن لم يصل لأروبا إلا بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية، في نفس ذلك الوقت اخترع الرومان المجلدات. لأول مرة تم تجميع الأوراق التي لها نفس الحجم و ذات حافة واحدة مع بعضها البعض وحتى يتم حفظها بشكل أفضل تم وضعها بين غطائين قويين لحمايتها من التلف. وبذلك تمكنوا من جمع معلومات بكميات كبيرة في مجلدٍ متين يُسهل نقله. تلك الطريقة أصبحت المبدأ الأساسي لكتابة وحفظ المعلومات حتى ظهور الحقبة الرقمية بعدها بألفٍ وتسع مائة عام.

في الحياة اليومية هناك أفكار جديدة تنتج بشكل دائم ومستمر ولكن الكثير منها لا تبصر النور وتضل طريقها للوصول للناس حتى تنيرهم بمحتواها، قد يكون السبب الرئيسي لاختفائها هو عدم تطويرها بالشكل الكافي لتصبح قابلة للاستعمال ومفيدة في ذات الوقت. الوصول لفكرة سهل لكن تطويرها بشكل مقبول ودائم أصعب.

يتلخص كل الكلام في عدم النظر بسوء لاقتباس فكرة أخرى من شخص آخر إذا كان بالإمكان تطويرها بشكل مقبول، سر الحياة يكمن في التطوير لا في الاختراع نفسه.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.