في عام 1861، بدأت الولايات المتحدة تطبيق ضريبة الدخل على المواطنين خلال فترة الحرب الأهلية من قبل ابراهام لينكون لتمويل الحرب، ومن هناك أخذت ضرائب الدخل تشكيلاتها الجديدة المتعددة والمتنوعة لتكمل مسيرتها تطبّق على حياة الملايين اليوم.

لكن لم يكن عام 1861 أول مرة تشهد فيها الإنسانية نظام الضرائب، فمنذ بداية الحضارة الإنسانية، ظهرت توثيقات على مستوى جميع الشعوب بوجود ضرائب يتم دفعها للدولة إن كانت في صورة خيرات أو خدمات، ومنذئذٍ والإنسان في محاولات لإيجاد طرق للتملص من دفع الضرائب.فيحاولون البحث عن الثغرات كالتلاعب بتوثيقات المعاملات النقدية وغيرها من الطرق الأخرى  فمن السهل جدًا الهرب من الدفع المبلغ الفعلي المستحق منك من الضرائب وحتى انه من السهل الهرب من دفع الضرائب ككل فليس هناك من يراقب مدخلات الشعب فردًا فردًا.

إحدى رموز الرعب للشعب الفلبيني

وجدت عدة دول طرائق جديدة لجعل الشعب يدفع الضرائب من دون أي غش أو خداع، ومن هذه الدول، الفلبين التي عرفت بالفساد الإداري على عدة مستويات فكان حل الدولة هي جعل رئيسة الإيرادات الداخلية من المشاهير، فكيم هيناريس (Kim Henares) ليست مجرد محاسبة مجهولة الهوية، فهي من أكثر الوجوه المألوفة حول الفلبين بشعرها القصير وصورها المنتشرة عبر وسائل الإعلام وهي تحمل بنادق ثقيلة العيار فهي بعيدة كل البعد عن كونها مجهولة، فقد غدت لتكون إحدى رموز الرعب للشعب الفلبيني.

الهدف من هذه التغطية الإعلامية حول كيم هيناريس (Kim Henares) هي إخطار الشعب أن من تراقب دفع ضرائبهم هي حاملة البنادق. وكما نتابع في أفلام السجون دائمًا، إن أردت أن تكسب احترام السجناء عليك أن تقضي على أقواهم، وهذا ما فعلته كيم حيث استهدفت اقوى واغنى رجال الفلبين، الملاكم  ماني باكو (manny pakyaw) الذي نهض من قاع الفقر ليصبح من أغنى الرياضين في العالم وحتى إنه حصل على مقعد في الكونجرس الفلبيني.

قامت كيم بمراجعة ضرائب ماني باكو لتجد أنه دفع أقل مما دفع في العام السابق مع أنه قد ازداد شهرة وغنى وكانت ناتج تحقيق كيم انه يدين بمبلغ 50 مليون دولار من الديون غير المسددة.

قامت كيم بتجميد جميع حساباته وانفجر هذا الخبر عبر وسائل الإعلام . عرفت كيم انها لكي تعرف يجب عليها الإطاحة بالمشاهير وأنه إن عرف الشعب الشخص الذين يدفعون الضرائب له، فهناك احتمالية أكبر ليلتزموا بدفع ما عليهم. حتى أنها وصلت إلى مرحلة أن تطارد مشاهير الشبكات الاجتماعية في الفلبين، لتبحث ما إن كانوا يدفعون ضرائب كل ما يتباهون به على الانستاجرام، أما لا.

قامت كيم بالإطاحة بـ230 حالة من الأغنياء المتملصين من الضرائب وكان هذا الأمر كاف لإثارة الخوف حتى في قلوب العامّة. ففي عام 2012، قام قطاع كيم بتجميع أكبر دخل ضرائب قد جناه بمعدل 15%، أعلى مما جناه في العام الذي سبق، وأصبح من الصعب جدًا رشوة محصّلي الضرائب، وان استطعت ان تجد من يقبل رشواك، فستقوم بدفع نسبة 60% أكثر مما كانت عليه الرشوة في السابق.

مقارنة ما دُفع للضرائب

أما في إيطاليا، فلديهم نهج أكثر ودية لجعل الشعب يدفع الضرائب لأنهم سلكوا نهج التخويف و الإطاحة بكبار الشخصيات المتهربين من دفع الضرائب مسبقا ك دومينيك دولتشي و ستيفانو قابانا صاحبي شركة الأزياء دولتشي اند قابانا و جورجيو ارماني وحتى الوزير الإيطالي السابق سيلفيو برلسكوني. إلاّ أن هذه الطريقة احدثت تأثيرًا عكسيًا دافعةً العموم إلى استخدام منطق: “إن لم يدفعوا هم، فلماذا ادفع أنا؟” رئيسة الإيرادات الداخلية في إيطاليا هي كيارا بوزيول وتستخدم نظام ريدي توميترو، ما يعني مقياس الدخل، حيث تقوم الحكومة الإيطالية بمتابعة جميع مصروفات الإيطاليين التي تتجاوز 18753 ريال. بعدها يقومون بمقارنة ما دُفع للضرائب بمعدل الصرف، إن ظهر خلل في المعدلات يتم ارسال رسالة دعوة الى الشخص للمجيء إلى مكتب الضرائب والتحقيق في نسب صحة الضرائب. سبب هذا الأمر الخسارة بالنسبة لبائعي السلع الثمينة، فقد بدأ الكثيرون بالاستغناء عن شراء الأشياء الغالية، خيفة أن يتم كشف تلاعبهم بالضرائب. ومع ذلك قد تم إرسال معدل 20,000 دعوة تحقيق حتى الآن.

كيف تقوم بإقناع شخص بدفع ضرائبه من خلال رسالة؟

الفلبين المرهبة وإيطاليا المتجسسة هذه هي الطرائق التي استخدمتها الدولتين السابقتين. لكن في بريطانيا، الأمر مختلف. قامت الحكومة بتعيين فريق من الباحثين في المجال الاقتصادي السلوكي وعلم الاجتماع، لدفع المواطنين لسداد ضرائبهم. حصل الفريق على لائحة ب100,000 شخص لم يقوموا بسداد ضرائبهم. وكان هؤلاء الأشخاص هم عينة التجربة.

كيف تقوم بإقناع شخص بدفع ضرائبه من خلال رسالة؟ كان العثور على إجابةٍ لهذا السؤال هو الهدف. فعلى مدار عامين قام الفريق بإرسال رسائل بمحتويات مختلفة، بعض الرسائل تشرح الخدمات التي يتم تسخير الضرائب من أجلها، وبعض الرسائل كانت توضح أن جميع المواطنين يقومون بدفع ضرائبهم. إلا أن هذه الرسائل لم تحدث أي تغيير ملحوظ لدفع المواطنين لسداد ضرائبهم المتأخرة .

من أساسيات الاقتصاد السلوكي هي الأعراف الاجتماعية. نحن نقوم بالقيام بما يقوم به من حولنا، فإن شعرنا بأننا نسبح عكس الطوفان فهنالك احتمال كبير بأن نتبع ما يقوم به الجميع. فكانت الرسالة المثالية تحتوي على عبارة:

“أنت ضمن الأقلية الضئيلة التي لم تقم بدفع ضرائبها”

وبدأت الحكومة باستخدامها، وما زالت تستخدم هذه العبارة لدفع المواطنين لدفع ضرائبهم في بريطانيا اليوم.

عند اقناع الناس بدفع الضرائب، عليك اتخاذ طرائق ووسائل مختلفة، فلا تنطبق كل طريقة على الجميع، ولا يوجد شعب موفي دين الضرائب بالكامل مهما كانت الطريقة المستخدمة، فدومًا يبقى ذلك الشخص الذي لم يدفع ما عليه في هذا العام.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.