كثيرًا ما تساءلت عن الغموض الذي يحيط بكوريا الشمالية، ولماذا توجد كوريتين في الأساس؟ وما قصة هذا الاختلاف الشاسع في النظام السياسي والإقتصادي بين الجارتين؟

لكن تساؤلاتي لم يثمر عنها شيئًا يذكر، وتعليقاتكم في اليوتيوب هي ما دفعتنا للبحث عن أصل القصة.

بدأت القصة مع استسلام اليابان لقوى التحالف في الحرب العالمية الثانية، بعد مأساة مدينتي هيروشيما وناغازاكي الشهيرة. ما دخل اليابان؟ حسنًا ربما علينا العودة للخلف أكثر.

استسلام اليابان

طمحت اليابان لاتساع رقعتها واستخلاف نموذج الإستعمار الغربي في الشرق الأقصى قبل الحرب العالمية الأولى، وهو السبب الذي جعل اليابان تشارك في تلك الحرب. وقبل دخولها في الحرب العالمية الثانية، كانت الإمبراطورية اليابانية قد سيطرت على أجزاء كثيرة من المناطق المجاورة لها كمنشوريا وتايوان وبالطبع كوريا. واستمرت بالتوسع إلى أن غزت الصين وسيطرت على الساحل الشرقي الصيني، وهذا ما لم تقبله الولايات المتحدة وحلفائها فقرروا وضع حد لتمدد اليابان، بمقاطعتها اقتصادياً وإيقاف إمدادها بالنفط إلى أن تتراجع عن الأراضي الصينية.

الأمر الذي أغضب الإمبراطورية اليابانية، فلم تتردد في ضرب إحدى قواعد البحرية الأمريكية بدون إعلان الحرب حتى. ثم غزت دول جنوب آسيا للسيطرة على النفط الإندونيسي، ومن هنا بدأ صراعها مع الولايات المتحدة والتي انضم إلى صفها قوى كبرى كالإتحاد السوفيتي والمملكة المتحدة وما تبقى من الصين. واستمر هذا الصراع لأربعة أعوام إلى أن انتهى حين توقفنا سابقاً… باستسلام اليابان.

دولتين متعارضتي الأيديولوجيات

قامت الدول الكبرى بتقسيم الأراضي التي استولت عليها اليابان فيما بينها، فاستعادت الصين أراضيها، واحتلت فرنسا ما كان يسمى بالهند الصينية، وكانت اندونيسيا من نصيب هولندا. أما كوريا فقُسمت بين كل من الولايات المتحدة في الجزء الجنوبي والاتحاد السوفيتي في الجزء الشمالي.

كان من المفترض أن يكون هذا التقسيم كنوع من الوصاية المؤقتة إلى أن يتم تشكيل حكومة كورية واحدة. لكن طبيعة العلاقة الأمريكية السوفيتية كانت قد بدأت بأخذ منحنى جديد، بسبب اختلاف رؤيتهما لإعادة بناء العالم بعد الدمار الذي أحدثته الحرب العالمية الثانية. وبدلاً من أن تقوم بينهما حرب مباشرة لا يستطيع الطرفان تحمل تبعاتها، ظهر ما يعرف بالحرب الباردة والتي تمثلت في التمدد الشيوعي حول العالم والمحاولات الأمريكية لمحاصرته والتصدي له.

ولذلك قام كل طرف بدعم حكومة موالية لتوجهه السياسي، ففي الشمال، دعم الاتحاد السوفيتي الشيوعية، وفي الجنوب دعمت أميركا المعاديين للشيوعية والمنتمين للمعسكر الغربي. ما جعل تشكيل حكومة واحدة أمرًا مستحيلاً، فرفعت أميركا الشأن للأمم المتحدة والتي بدورها أقامت انتخابات عامة في الجنوب عام 1948 ولكن الجزء الشمالي امتنع عن المشاركة فيها، وبذلك أقيمت دولتين متعارضتي الأيديولوجيات وخرجت القوات المحتلة الأمريكية والتابعة للإتحاد السوفيتي منهما.

حالة حرب غير رسمية

ولكن كل الحكومتين كانت ترى نفسها الأجدر بحكم كوريا وهذا التقسيم مؤقت ولابد من أن تتحد البلاد تحت حكمها قريباً، فتنافستا على توحيد كوريا عن طريق الهجمات والضربات العسكرية على الحدود. لكن كوريا الشمالية رفعت من مستوى التنافس عندما قامت بغزو كوريا الجنوبية بعد حصولها على الدعم من الاتحاد السوفيتي تحت قيادة ستالين، الذي لم يكن يتوقع أن أمريكا تهتم للشأن الكوري الجنوبي للدرجة التي ستجعلها تشارك في الحرب.

وفعلاً لم تكن أميركا كذلك إلا أنها تدخلت عندما أوشكت كوريا الجنوبية على السقوط، ليس حباً لها وإنما خوفاً من التمدد الشيوعي. ضربت القوات الأميركية بيونغيانغ وأحالتها رماداً فأرسل تسي ماو زعيم الصين الشيوعي مليون جندي صيني إلى كوريا الشمالية وأمدهم ستالين بطائرات من السلاح الجوي الروسي.

وهكذا، استمرت هذه الحرب الشعواء لثلاث سنين حتى أنتهت بعد اتفاقية وقف إطلاق النار، وتحديد منطقة أمنية منزوعة السلاح بين الدولتين عام 1953. ولا يزال هذا الوضع قائماً حتى اليوم فتعد الكوريتين في حالة حرب غير رسمية نظرًا لعدم توقيع معاهدة سلام بينهما.

مات في الحرب الكورية ما يقارب الأربعة ملايين شخص ودمرت الكوريتين تماماً، ولم يتم تحميل مسؤولية حدوثها لأي طرف؟ بل ولم يعد أحد يذكرها، حتى أنها تسمى بالحرب المنسية ولا شك أن من عانى منها لن ينساها. أما عن القوتين اللتان تسببتا في كل هذا الدمار، فلم تحتاج لأكثر من عامين لتجدا مسرحاً آخرً ودماء جديدة تتصارع بها للعشرين عام القادمة وكانت الضحية، فيتنام.

الجهة المقابلة

ظلت الكوريتان تحلمان بإعادة توحيد البلاد لفترة طويلة، وقامت كوريا الشمالية بعدة محاولات بعد انتهاء الحرب لتحقيق هذا الحلم، فحاولت اغتيال الرئيس الكوري الجنوبي مرات عدة ولم تنجح، وفي عام 2009 أعلنت عن بدئها برنامج تخصيب اليورانيوم، ومنذ ذلك الحين وهي تهدد به عدوها الأول أميركا.

وفي الجهة المقابلة دونالد ترامب ليس أول رئيس أمريكي يفكر في ضرب كوريا الشمالية، لأنها تشكل خطر حقيقي على أمريكا، فهي لاتزال ترى أنها في حالة حرب، ومنذ وقف إطلاق النار وهي تعد جيشها لاستكمالها. ولكن ما يجعل كل رئيس أمريكي يتراجع عن هذه الفكرة هو عدم معرفتهم الدقيقة بإمكانياتها الحربية، وتيقنهم من دعم حليفها الصيني لها.

وفي تلك الأثناء زهدت جارتها الجنوبية في هذا الحلم عندما انشغلت بالإصلاحات الداخلية والتطور الاقتصادي، واليوم يعد اقتصاد كوريا الجنوبية من أقوى عشرين اقتصاد حول العالم، وهذا بسبب سياساتها الاقتصادية كالانفتاح على العالم وتطوير الصناعة. كما أنها تقف في مصاف الدول المتقدمة في كثير من المجالات كالتعليم والتقنية والطاقة.

اقرأ: إذا الشعب يومًا أراد الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر

أما عن الحياة داخل كوريا الشمالية فأفضل من قد يخبركم عنها هو إبراهيم سرحان الذي زارها بنفسه، وبإمكانكم بعد مشاهدة تجربته، الاستماع للمقابلة التي أجريتها معه في بودكاست فنجان.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.