الهند، ثاني أكبر كثافة سكانية في العالم، والأولى من حيث الاختلاف وتنوع اللغات والأعراق والأديان، ويعد اقتصادها سادس أكبر اقتصاد في العالم من حيث الناتج المحلي، وفي 2014 صُنف بالاقتصاد الأسرع نمواً في العالم.

ولكنه بالرغم من ذلك يعاني من مشاكل ضخمة، أكبرها الفقر حيث يعيش 42% من الهنديين تحت خط الفقر، وكذلك الفساد الذي يستشري في جميع قطاعات الدولة والذي تسبب للشعب بفقدان الثقة في حكومته فلم يعد أحد يدفع الضرائب، ما ساهم في تفاقم الطبقية؛ فبدون الضرائب لم تستطع الدولة القيام بمهامها من إنشاء المستشفيات، والمدارس، والمرافق العامة للناس، وبالتالي ازدادت معاناة الفقراء.

ومع فشل كل محاولات الإصلاح السابقة وتضخم كل هذه المشاكل مع الزمن، لم تكن تظهر أي بوادر للتغيير أو لإمكانية وجود حلول فعالة، إلى أن صعق السيد ناريندرا مودي العالم بالقرار الذي يدعي أنه يستطيع تغيير دولة بحجم الهند.

القرار الأكثر جنونًا

في الثامن من نوفمبر 2016م خرج رئيس وزراء الهند السيد مودي في خطاب على الهواء يخبر الناس فيه أن النقود التي في أيديهم الآن من فئتي 500 و1000 قد فقدت قيمتها، وعلى جميع من في الهند أن يذهبوا للبنوك ليبدلوها بالأوراق النقدية الجديدة.

وما جعل القرار أكثر جنوناً مما يبدو عليه، أن النظام الاقتصادي الهندي لم يكن يعيش معنا في القرن الـ 21، فقد كان يعتمد بشكل أساسي على المعاملات النقدية، أي أن تستلم نقودك وتسلمها يدوياً لتشتري أي منتج أو تحظى بأي خدمة. وكانت البنوك بالنسبة لغالبية من يتعامل معها المكان الذي يدخرون فيه المال الفائض فقط، أما الأقل حظاً فهم غالباً لا يؤمنون بها، وحتى إن قاموا بإدخار مبالغ كبيرة نسبياً، فإنهم يحتفظون بها في منازلهم.

تكمن المشكلة في التعاملات النقدية أنها لا تخضع لمراقبة أي نظام، فلا أحد يعلم من أين أتت هذه النقود أو أين ذهبت إلا صاحبها. بتعبير أوضح لم تكن الحكومة الهندية قادرة على معرفة كل تحركات المال الموجود في اقتصادها، مما تسبب في نشوء اقتصاد كامل بعيد عن أنظار الجميع.

وهذا ما أكده السيد مودي في خطابه عندما تحدث عن أزمة الفساد التي تعيشها الدولة، وعزمه على محاربتها بالقضاء على الأموال السوداء أولاً. والأموال السوداء هي الأموال التي لا تعلم الحكومة إن كانت من قادمة مصادر مشروعة أم مشبوهة، أو إن كان يُدفع عنها الضرائب لأنها مجدداً تصرف وتدفع نقداً، بعيداً عن مراقبة أي نظام.

ثم تحدث عن خطوات الخطة التي ستغير الهند تماماً على حد زعمه، وأعلن أن المهلة المتاحة لإيداع الأوراق المالية الحالية تمتد ل8 أسابيع فقط، بعدها سيفقد من لم يبدلها قيمتها ولن تكون هناك استثناءات.

لا يوجد حد أعلى لكمية النقود المودعة، إلا أن كل من سيودع أكثر من 250000 روبية أي قرابة (15000 ريال) سيسأل عن مصدر هذه النقود، وإذا كان قد دفع الضرائب منها أم لا، وإذا اتضح أنه لم يفعل ستخصم منها الضريبة. وسيتم مؤقتاً تحديد حد يومي أقصى للنقد الذي يمكن للفرد سحبه من حسابه الخاص؛ لكي لا تمر الدولة بأزمة سيولة.

عدم وجود أي استثناءات

وفي اليوم التالي من صدور القرار أتى الجميع بنقوده للبنوك، وامتلأت الهند بطوابير لا تنتهي، يضيع يوم الشخص بأكمله واقفاً فيها ودوره لم يأت حتى، مما زاد من حجم المعاناة على البسطاء الذين لا تتحمل حالتهم المادية تضيع يوم كامل بلا عمل. وقد حدثت كوارث كثيرة بسبب تحديد كمية المال المسموح صرفها خلال فترة تبديل النقود، فهناك من عانى أمراضًا خطيرة ولم تستقبله المستشفيات؛ لأنه لا يستطيع الوصول لنقوده الموجودة في البنك، وفسدت محاصيل المزارعين قبل أن يشتريها أحد فتضور الناس جوعاً، وافلست الكثير من الشركات حول الهند، أما قطاع العقار فتوقف تماماً لبضعة أشهر. كانت الدولة في حالة شلل.

وقد كان مودي جاداً بعدم وجود أي استثناءات، فعندما انقضت فترة تبديل النقود امتلأت الصحف بقصص مؤلمة عمّن فقدوا أموالهم بسبب عدم مراعاة الحكومة لظروفهم. كغورديب ساجو الذي أفاقت أمه للتو من غيبوبة لتجد كل ما تملك من مال لم يعد له قيمة لأنها لم تقوم بتبديله حين كانت في غيبوبة!

ورغم معاناة المواطنين وسخطهم في الأسابيع الأولى إلا أن شعبية مودي ازدادت بشكل مذهل فيما بعد، والغريب أن ذلك حدث في أوساط المزارعين والعمال البسطاء بشكل أكبر، وهم أكثر من عانى من هذه القرارات.

إلا أنهم اعتادوا المعاناة طوال حياتهم، ولن يمانعوا تحمل بضع أسابيع صعبة في سبيل القضاء على الفساد والسعي لمستقبل أفضل لعائلاتهم. ومع أن القرار لم يمض عليه حتى عام واحد بعد، إلا أن طريقة عمله بدأت تتضح للجميع.

فالأوراق النقدية من فئة 500 و من فئة 1000 كانت تشكل 85% من إجمالي النقد المُستخدم، وبتنفيذ هذا القرار أصبحت 85% من النقود المُستخدمة تحت مراقبة الدولة، أما الباقي فهو عبارة عن فئات صغيرة لا يمكن لأحد أن يجمع مبالغ كبيرة منها.

بعيداً عن تعقيدات العمليات البنكية

كما أنه ربط الناس بالبنوك وأصبحت الدولة مطلعة على الأموال ومصادرها وأين تصرف، مما نظم عملية دفع الضرائب بشكل كبير. وكما اقتنع العديد بالتحويلات البنكية، انتقل بعضهم مباشرة للإعتماد على الدفع عبر الانترنت، فالآن تستطيع أن تدفع قيمة مشترياتك في بقالة في نيودلهي عن طريق هاتفك، الأمر الذي لم يحدث بعد في كثير من الدول التي تعد نفسها أكثر تطوراً من الهند. بأنظمة “سداد” عظيمة.

اقرأ أيضًا: فخ “سداد” للتجارة الإلكترونية

وذلك لأن شركة paytm استغلت الأزمة بإنتاج إعلانات تبين مدى سهولة الدفع عبر الهاتف بعيداً عن تعقيدات العمليات البنكية، وساعدت الناس في فهم آلية عمله. فانتقل إليها (بالإضافة إلى فئة الشباب) كثير ممن اعتاد استخدام النقد وصعب عليه تقبل البطاقات الائتمانية والحوالات البنكية.

لايزال الطريق طويلاً أمام الهند، فحتى بعد كل هذا عاد البعض لممارسة ما اعتاد عليه من الاعتماد على الأوراق النقدية أو ادخارها في بيته.  ولاشك أن العدد الكبير من الفاسدين سيجد طرقاً للعودة لممارسة نشاطه، لكنها الآن تملك هدفاً واضحاً وهي أكثر استعداداً للتعامل مع العقبات التي تؤخرها عنه.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.