اُكتشف النفط لأول مرة بالجزيرة العربية في السعودية عام 1925، لكن لم تبدأ أي عملية تنقيب إلا بعدها بأعوام في 1934. عندما تعاقدت السعودية مع شركة كاسوك (California Arabian Standard Oil Co) التي سميت لاحقاً بشركة الزيت العربية السعودية، أرامكو.

وبعد 5 سنوات من المحاولات غير الموفقة، وحفر ستة آبار لم توصل لشيء، كان البئر “رقم 7” هو المكان الصحيح، وبعد العديد من الحوادث والتأخيرات وعمليات الحفر لمسافة أعمق، بدأ أخيرًا بإنتاج النفط عام 1938.

لحسن الحظ  لم تستمر العملية بهذه الصعوبة بعد ذلك، فكما ساعدت الطبيعة الصحراوية للمملكة في تكوّن النفط، سهلت أيضاً عمليات التنقيب بشكل كبير.

لكن الأمر لم يكن كذلك في كل دول العالم، فقد كانت شركات النفط تعاني عند استخراجه من المناطق الصخرية، ذلك أن النفط يتكوَن فيها على شكل تجمعات صغيرة في أماكن مختلفة وتمنعه الطبقات الصخرية من التجمع في مكان واحد.

وكانت أنجح طريقة توصلت إليها شركات النفط، باهضة التكلفة. فكانت الشركات تفضل صرف ميزانيتها لفتح فروع لها في أماكن بعيدة من العالم والبحث هناك، على أن تستخرج النفط من أملاكها الخاصة.

ومنها شركة ميتشل للطاقة، التي كانت ستستغني عن منطقة برنايت شايل Barnett Shale لنفس السبب.

إلا أن المهندس نك ستاينزبرجر -الذي كان قد أصبح للتو مسؤولاً عن هذه المنطقة- لم يسعده الخبر وأدرك أن وظيفته ستكون في خطر إذا انسحبت الشركة من هذه المنطقة.

المادة المكلفة

وربما غريزة البقاء كانت هي الدافع الذي جعله يفكر في إيجاد حل للمشكلة، فوجد أن جزءًا كبيرًا من التكلفة العالية هو سعر المادة التي تُستخدم في استخراج النفط، وهي عبارة عن مادة هلامية بيضاء تضخ بضغط عالٍ داخل الصخور التي يتجمع النفط تحتها لاستخراجه. فكر في خلط هذه المادة بالقليل من الماء، ليستخدموا كمية أقل منها، وبالتالي ستنخفض التكاليف.

وبالفعل بدأ بالمحاولة وفي أول مرة لم يكد يظهر أي اختلاف في كفاءة المادة، فاستمر بزيادة الماء لها وتجربتها وسط اعتراض جميع من يعمل معه ونعته بالمجنون، كان يقول إنه سيتوقف عندما تقل نسبة النفط المستخرجة عن المعتاد، لكن هذا لم يحدث فتابع. وعندما علمت الشركة التي تبيع الهلام، أصبحت تطالبه بدفع رسوم مختلفة تحت أي حجة لتعويض خسارتها، وهذا يعني أنه سيضطر لدفع ما وفره.

لم يكن نك يعلم ماذا يجب عليه أن يفعل، وكان فقدانه لوظيفته هو أسوأ ما يمكن أن يواجهه هو وأسرته وطفله المولود حديثاً، فاستمر بإضافة الماء للخليط، فقط لأنه كان يشعر أن عليه أن يفعل شيئاً حيال مشكلته. وفي آخر مرة كان قد تجاوز الحد، فبسبب كمية المياه المضافة لم تعد المادة الهلامية هلامية فعلاً، وهذا يعني أن المادة التي كانت تكلف الشركة مبالغ ضخمة قد تلفت. ووسط يأس الجميع قرر نك أن يضخ المادة غير الهلامية على أية حال، لم يكن يعتقد أنها فكرة جيدة لكن اليأس كان قد وصل به إلى هذه المرحلة.

أعطى الأوامر للعمال الذين اعترضوا وشرحوا له ما يمكن أن يفعله ضخ الماء لهذا العمق. فقد كانوا يتوقعون أن الصخور في الأسفل هشة واختلاطها بالماء سيكوّن طينًا، مما سيجعل استخراج النفط شبه مستحيل. لكن نك كان أكثر غضباً من أن يسمعهم أو يفكر في ما يقولون حتى، كل ما كان يريده هو ضخ المادة على أي حال.

بدأوا في عملية الضخ، ومر الوقت ثقيلاً على العمال الذين ينتظرون وقوع الكارثة المتوقعة، وأثقل على نك الغاضب القلق. لكن المفاجأة التي لم يتوقعها نك نفسه، أن العملية تمت بنجاح مثل كل مرة، بل أنهم اكتشفوا لاحقاً أن النفط المستخرج هذه المرة كان أكثر من المعتاد بنسبة ضئيلة.

وما أن علم نك بهذه المعلومة حتى خطرت له الفكرة التي غيرت كل شيء. قال: بما أن الماء لم يُحدث الضرر الذي كان الجميع متأكد من أنه سيحدث، لماذا لا نستغني عن المادة المُكلفة تماماً ونستخدم الماء؟ وفعلاً استغنت الشركة تماماً عن المادة الهلامية وارتفعت نسبة النفط المستخرجة عما كانت عليه.

كان نك يعتقد أنه نجح في خفض التكاليف على الشركة وبالتالي لن تنسحب من برنيت شايل ولن يفقد هو وظيفته.

التصديع الهيدروليكي

لكن الحقيقة هي أنه نجح في أكثر من هذا بكثير، فهذه الطريقة التي سميت فيما بعد بالتصديع الهيدروليكي أو Hydraulic fracturing جعلت شركات النفط الأميركية تركز على العمل داخل الولايات المتحدة بدلاً من الدول الأخرى. وهذا أدى إلى انتعاش الاقتصاد الأميركي وتوفير الكثير من الوظائف للمواطنين هناك، وساهم في مساعدة الدولة على الاكتفاء من النفط الداخلي، مما يكون قد أثر على سياساتها الخارجية.

كما أنه فتح بابَ الصراعات بين المنظمات البيئية وشركات النفط على مصراعيه، فانخفاض سعر النفط يؤدي بالطبع لزيادة استخدامه والتأثير سلباً على البيئة، بالإضافة إلى أن أبحاث هذه المنظمات تثبت أن التصديع الهيدروليكي يلوث المياه الجوفية ويضعف طبقات الأرض الداخلية مما قد يتسبب في حدوث زلازل مستقبلاً.

اليوم في وسط الأرباح الطائلة، والقضايا والصراعات التي تحدث في كل دولة تستخدم التصديع الهيدروليكي. لا يزال صديقنا نك مهندس يعمل بأجرٍ بسيط في إحدى شركات النفط ولا يكاد يعلم أحد أنه السبب في هذا كله،  ففيما كان سعيد بإنجازه وإبقائه على وظيفته، نسبت الشركة التي يعمل بها كل الفضل لنفسها، ولم يقاسمه أحد المال ولا حتى الثناء. ولكن بعد مرور كل هذه السنين لا زالت تعتريه نشوة كلما تذكر ماذا فعل لأجل عائلته.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.