الأصالة في اللغة تأتي عادة بمعنى ثابت، راسخ، ذو جذور، وذا جودة.. ويبدو أن الأصالة هي ما يفتقر إليه العالم اليوم، أو في طريقه لخسارتها.

وبدءًا من الأصالة الثقافية، حتى الأصالة الفردية. العصر التي باتت فيه الثقافة كونية صار من الصعب مواكبتها دون التعرض إلى صدام ينشغل به المجتمع طويلًا. جدال بين الحديث والأصيل، مثل ما ساد في المجتمع العربي قبل الألفية وبعدها، دون أن يصل ذلك الجدال إلى نتيجة حتى الآن.

لماذا يجب أن أكون أصيلًا؟

حين تسأل لماذا يجب أن أكون أصيلًا؟ سيكون كأنك تسأل هل يجب أن أكون مختلفًا، أو أكون مختلفًا ومتفردًا عن أي شخص آخر مثل بصمتك التي لا يملكها أحد غيرك، أنت مختلف. لذا لديك الحق في أن تكون أصيلًا. الأصالة تحتم الاختلاف، الاختلاف يحتم التفكير، التفكير يحتم الاختلاف. ويبدو الأمر كدائرة لا تنفك، ولكن الواقع يقول إن الاختلاف الذي يُسمح به للفرد عالميًا، لا يزال محدودًا، والتعبير عنه أكثر محدودية.

ووسط حدود الاختلاف التي تتمثل في زي وطريقة أكل وأفكار لا تذهب بعيدًا عن الحدود المقررة سلفًا بوعي أو بدون وعي. تظل مساحة الاختلاف في الأفكار خاضعة لقوالب، وخنادق، وانتماء ومسمى وهوية.

وحين تكون عناويننا وهويتنا مرتبطة بمعسكر أو خندق يضطرنا إلى تقليل اختياراتنا نتيجة لطبيعة العيش مع الجماعة بطبيعة الحال. ماذا لو كانت هذه الجماعة ليست في حيك أو منطقتك أو حتى دولتك. هذه الجماعة صارت العالم كله، في زمن التواصل والذي يصفه ميلان كونديرا بقوله:

“كل واحد يحيط نفسه بكلماته الخاصة كما لو كان يحتمي بجدار من المرايا لا ينفذ منه أي صوت من الخارج.”

والذي يحصل هو أن كل جماعة تضم نفسها تحت مسمى أو تصنيف تحتم على الفرد مزيدًا من القيود والخيارات وتجده محاصرًا بين ما يجب فعله حتى يشارك بفاعلية في هذا المجتمع، كفرد ممثل لهذه الجماعة، وبين ماهو صحيح وخاطئ.

ثم تأتينا أصالة الفرد التي يقوم بصياغة هويتها بجذور راسخة ولكن بأفكار خاصة، دون أن يشعر بوجوده في زاوية ضيقة من المسميات والتفكير. وكلما زاد المجتمع في أصالته كلما كانت أرضيته صلبة وجاء جديدًا في عالم من المتشابهين وكان أفراده كذلك. لكن ما حصل هو أن هذه الأصالة فرغت في طقوس وعادات، ومحيت كمرجعية.

عبدالوهاب المسيري في تجربته بالعودة إلى الأصول لبناء معرفي سليم.

التفوق سرّه الأصالة، لأن الأصالة تعطي مستوى من الجودة وتجعل أطوار نمو المجتمع الإنساني مستقرة وطبيعية. الاستغناء عن الأصالة الخاصة والظهور بلباس لا يناسب قياسك، سيكون مخزيًا وبلاستيكيًا.. تقريبًا شيء يشبه القرن الواحد والعشرين.

يقول د.فرحان سليم في ورقته (الثقافة العربية بين الأصالة والمعاصرة):

“العودة إلى الأصالة منهجًا وقيمًا ومصدرًا في تنمية ثقافة المجتمع أيا كان اتجاهها أدبًا أو فكرًا أو فنًا. وكل تنمية للثقافة لا تنطلق من قيم المجتمع الذي تطرح فيه هي عقيمة، ومن ثم فإن الشعب العربي لا يمكن أن يتفاعل مع ثقافات تتنافى مع قيمه وإن سميت ثقافة عربية “



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.