كان ارتباط الإنسان بالشمس يأتي في أشكال عدة، الشمس ذلك النجم الهائل المشع والبعيد ملايين الكيلومترات. ارتباطهم في البداية مع ذلك النجم كان روحانيًّا، عبد الناس الأوائل الشمس وكانوا يصابون بالهلع عند حدوث كسوف لها، وفي اعتقاد القبائل الأميركية الأصلية فإن الشمس هي الواهبة للحياة.

في الأساطير الفرعونية كانت آلهة الشمس تدعى رع (Ra)، تقول الأسطورة: “عندما تختفي الشمس كل مساء يغير الإله رع طريقة انتقاله، ويركب مركبًا مقدّسًا يعبر به النيل تحت الأرض. يعبر رع خلال تلك الرحلة 12 بوابة تمثل 12 ساعة هي عدد ساعات الليل (من الخامسة مساءً وحتى الخامسة صباحًا) في العالم السّفليّ، ويسمى هذا العالم دوات، وهو يقاوم قوى الفوضى والأخطار التي تقابل مركبه الشمسي”.

انتقل البشر بعدها لعلاقة من نوع آخر فبدأوا بالاستفادة من الشمس، فمنذ زمن بعيد، تحديدًا عند القرن السابع قبل الميلاد، استطاع الإنسان تركيز أشعة الشمس على الخشب لصنع النار، واستغل العالم اليوناني أرخميدس خاصية الانعكاس للدّروع البرونزية لتركيز أشعة الشمس وتسليطها على السفن الخشبية للجيوش الرومانية القادمة لاحتلال اليونان ونجحت الفكرة بحرق السفن وبالتالي نجاة اليونان من الاحتلال، كان اليونانيون سباقين بالعلوم واستفادوا من أشعة الشمس كعلاج لبعض الأمراض، ويعرف حاليًا هذا العلاج بالاستشماس.

تطورت واختلفت الفائدة من الشمس مع تقدم الزمن

ففي عام 1839 تمكن العالم الفرنسي إدموند بيكيريل (Edmond Becquerel) من اكتشاف القدرة على إنتاج جهد كهربائي عبر التعرض للطاقة المشعة خاصةً الضوء وذلك بالصدفة.

بعدها بأربعين سنة تقريبًا تمكن المخترع الأميركي تشارلز فريتز (Charles Fritz) من صنع أول خلايا شمسية من السيلينيوم، وفي أوائل القرن العشرين نشر ألبرت إينشتاين ورقة بحث عن التأثير الكهروضوئي، وبعدها بخمسين سنة تم صنع تقنية إنتاج الجهد الكهربائي من خلال التعرض إلى الضوء في الولايات المتحدة.

في سبعينات القرن العشرين قام الدكتور إليوت بيرمان (Elliot Berman) وبمساعدة شركة إكسون (Exxon) بتصميم خلايا شمسية قليلة التكلفة فهبطت أسعارها من 100 دولار لكل واط إلى عشرين دولار، بدأت وسائل الإعلام تسلط الضوء أكثر على فوائد استهلاك الطاقة الشمسية، وفي العام 1996 حلقت طائرة (Eyecare) التي تعمل بالطاقة الشمسية فوق سماء ألمانيا كنوع من التوعية بفوائدها.

شاهد أيضًا: بالغلط 3: عندما انقلبت الكهرباء

لماذا تهمُّنا الطاقة الشمسية؟

تعتبر الطاقة الشمسية من أكثر الطاقات المتجددة وفرةً وبكميات كبيرة، آلية عمل الطاقة الشمسية تعتمد على تحويل أشعة وحرارة الشمس إلى شكل آخر من أشكال الطاقة المختلفة والقابلة للاستهلاك البشري.

حتى تتم هذه الآلية يجب استخدام إحدى طريقتين، أولها تقنية الألواح الضوئية (Solar Photovoltaics) والتي تعتمد على ألواح شمسية مكونة من أعداد كبيرة من الخلايا الشمسية، تقوم هذه الخلايا بتحويل أشعة الشمس مباشرة لطاقة كهربائية، ولأن الطاقة التي يكونها لوح واحد أقلُّ من أن تمُدَّ بيتًا أو منزلًا؛ فترتبط عدة ألواح ببعضها على هيئة صفوف من أجل توفير طاقة كهربائية كافية.

التقنية الأخرى تعرف بالطاقة الشمسية الحرارية (Solar Thermal). وتعمل على استخدام الطاقة الحرارية من الشمس مباشرة لتسخين ناقل أو حامل الحرارة والتي تكون في معظم الأحيان من المياه، الماء الساخن الناتج يمكن أن يستخدم للأغراض المنزلية والصناعية، ولا توجد انبعاثات تقريبًا للكربون؛ لأنه لا يتم حرق وقود لتسخين المياه، كما أن هناك أنظمة قادرة على حبس وتخزين طاقة الشمس لإنتاج بخار يستخدم لإدارة العنفات (turbine) لإنتاج الكهرباء.

لأنظمة السّخانات الشمسيّة نوعان: مسطّحات وأنابيب، وهي تعمل على تجميع الحرارة، لتركيز الطاقة الشمسية عن طريق مرايا التجميع، وأبراج الطاقة والأفران الشمسية.

البديل المحتمل

لماذا أصبح للطاقة الشمسية كل هذا الصخب في السنوات الأخيرة؟ لمميزاتٍ تتميز بها عن غيرها، كونها إحدى الطاقات المتجددة التي لا يسبب إنتاجها إطلاق أي من الغازات المضرة بالغلاف الجوي والتي تعرف بالغازات الدفيئة (Greenhouse Gas).

استمراريتها واستحالة نفاذها ميزة أخرى تتفوق بها على النفط إن اعتبرناها البديل المحتمل له، وعدم صدور ضوضاء من أجهزة الطّاقة الشمسية ميزة أخرى تضاف إلى تلك المزايا، وكذلك تتميّزُ بإمكانية وضعها في أي مكان وفي أحجام وأشكال مختلفة.

الأشياء الجميلة نادرًا ما تكتمل فكما للطاقة الشمسية مزايا لها عيوب كذلك وأحد أهم العيوب التي دائمًا ما تطرح عند محاولة إقناع الشركات الكبيرة بفعالية الطاقة الشمسية مقارنة بحرق الوقود هو اعتماد أشعة الشمس على الموقع وعلى الوقت من السنة في دورة الأرض حول الشمس وما ينتج عنه من فصول أربعة تختلف فيه قوة أشعة الشمس من فصل إلى آخر، وأيضًا الوقت من اليوم نفسه إن كان نهارًا أم ليلًا.

كما لا بد من التخزين للطاقة الشمسية وهو ما يكلف أموالًا باهظة، وسجلت بعض الألواح الشمسية وهي تنتج غازات ضارة تنتمي لعائلة الغازات الدفيئة مثل ثلاثي فلوريد النيتروجين و سداسي فلوريد الكبريت.

الفرصة متاحة للمملكة العربية السعودية

لا يخفى على الكثير بأنّ المملكة العربيّة السّعوديّة تعتبر من بلدان المنطقة المدارية الجافة والتي تتميز بحرارتها والكمية الهائلة لأشعة الشمس المسلطة عليها، لكن هل تم استغلال تلك الكميات الهائلة من أشعة الشمس؟ يعلق الكثير آمالهم على تلك الفرصة الحتمية، فبعد الهبوط الحاد لتكاليف الطاقة الشمسية عام 2008 نحو 80% من أسعارها والذي لم يكن متوقّعًا حتى من قِبل أكثر المتفائلين والمؤمنين بأهمية الطاقة الشمسية، مما جعل الرعب يدب في أولئك المعتمدين كليًا على الطرق القديمة لتصدير الطاقة بواسطة محطات توليد الكهرباء.

عام 2015، أصدر بنك أبوظبي الوطني تقريرًا يوضح فيه أن الغالبية العظمى من الاستثمار العالمي للطاقة سيكون في مصادر الطاقة المتجددة في السنوات المقبلة، مع اعتبار الطاقة الشمسية لاعبًا رئيسًا.

تقرير آخر، من دويتشه بانك (Deutsche Bank)، يقول إن تكاليف الطاقة الشمسية تقترب بسرعة من الكهرباء التي يتم توليدها بحرق الفحم وأن الأسعار قد تنخفض أكثر بنسبة 40% بحلول عام 2020.

الدكتور جيرمي ليجيت (Jeremy Leggett) صاحب كتاب “The Winning of The Carbon War” يذكر لنا عن أهمية استثمار هذه الطاقة في المملكة العربيّة السّعوديّة :

“الفرصة متاحة للمملكة العربية السعودية، بما لديها من موارد الوقود (الشمس) ورأسمالها من عائدات النفط، لتصبح لاعبًا رئيسيًا في صناعة الطاقة الشمسية العالمية الجديدة: حيث ستكون مركزًا في ما يحتمل أن يصبح أكبر صناعة في العالم، بعد عقود قليلة من الآن”

ستنخفض أسعار الطاقة الشمسية بحلول العام 2040 أكثر وأكثر وهذا يعتبر حافزًا قويًّا للدول للتحول للطاقة المتجددة والنظيفة والأرخص ثمنًا كذلك. في أستراليا تشير التوقعات إلى الاستفادة من الطاقة الشمسية في توليد الكهرباء بنسبة 25% وكذلك في البرازيل و15% في ألمانيا وسيساهم هذا التحول في انخفاض انبعاث الغازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري. إذن يجب أن يبدأ التغيير من الآن، لا مجال للمزيد من التّأخير.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.