في وقتنا الحالي ترتفع أصوات عديدة عن ظاهرة الاحتباس الحراري والأخطار المترتبة عليها. لماذا هذا الاهتمام بذلك الموضوع؟ وهل فعلًا الأرض معرضة للخطر؟

ظاهرة الاحتباس الحراري هي ارتفاع في درجة حرارة سطح الأرض، يرجح كثير من العلماء إلى أن هذا الارتفاع بسبب أفعال الإنسان، رغم وجود معلومات أخرى تؤكد بأن هذا وضع طبيعي تمر فيه كرتنا الأرضية في حياتها المعتادة منذ نشأتها.  

لكن لنعد قليلًا لتأثير الإنسان على الأرض، المصانع الموجودة بمختلف إنتاجاتها غالبًا ما تنتج غاز ثاني أكسيد الكربون أو غاز الميثان (تعرف بالغازات الدفينية)، هذان الغازان سُجِّلا كأحد أهم المؤثرات في ارتفاع درجة حرارة الأرض. إزالة أشجار الغابات للاستفادة منها في صناعات مختلفة تؤدي مباشرة لارتفاع منسوب غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو، فكما هو معروف يساهم الغطاء النباتي في امتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون وإطلاق غاز الأكسجين ضمن عملية “التركيب الضوئي” التي تبقيه على قيد الحياة.

قد يترتب على ارتفاع درجات الحرارة حدوث تطرف حاد في المناخ كالأعاصير وحالات الجفاف والفيضانات وارتفاع منسوب المياه نتيجة لذوبان الثلوج، مما يؤدي لسهولة انتشار الأمراض واختفاء المحاصيل الزراعية وتأثيرها على الثروة الحيوانية والإنسان نفسه، أمور مثل هذه تجعلك تدرك حجم المسؤولية الملقاة عليك، كون كل تلك التغيرات والأضرار التي تترتب عليها من صنعنا، لكن ماذا عن تلك التغيرات الطبيعية المؤثرة في المناخ من دون أن يكون للبشر أي يد فيها؟

المناخ المتطرف

يحدثنا التاريخ عن ظاهرة غريبة حدثت عام 1816 وسجلت وقائعها في غرب أوروبا والولايات المتحدة، مع اقتراب أشهر الصيف لاحظ الجميع بقاء درجات الحرارة منخفضة وأجواء شتوية متقلبة من أمطار غزيرة وضباب دائم.

“يهطل علينا المطر مرة أخرى، طقس سيء يصعب على الإنسان تحمّله”

كتبت الروائية المعروفة جين أوستن (Jane Austen) تشتكي من سوء الطقس في رسالة لها صيف عام 1816 “يهطل علينا المطر مرة أخرى، طقس سيء يصعب على الإنسان تحمّله”، على مستوى الشعوب، تأثر الكثير من سكان البلدان الغربية من سوء الأحوال الجوية.

عانت أيرلندا على سبيل المثال لمدة 8 أسابيع من هطول أمطار غزيرة أثرت على المحاصيل الزراعية، وشهدت سويسرا هي الأخرى تساقطًا متواصلًا للأمطار، حيث سجلت مئة وثلاثين يومًا ماطرًا من أصل مئة وخمسين في الفترة من أبريل إلى أغسطس.

لم تكن الأمطار الغزيرة الشاهد الوحيد على المناخ المتطرف في ذلك الوقت، فقد غُطّيت شوارع  مقاطعة ايزيكس التي تقع شمال شرق لندن بثلج وصلت كثافته إلى 4 إنشات في أواخر شهر أغسطس، في تلك الأيام لم يكد يخلو منزل من موقد نار مشتعل، كان  الناس يذهبون إلى أعمالهم بملابس شتوية ثقيلة.

في شهر يونيو شهدت ولاية فيرمونت تساقطًا للثلج وصل ارتفاعه إلى 18 إنشًا. كانت تغطي الثلوج معظم طرق المدينة، وكدليل قاطع على برودة الأجواء في تلك الأيام تحدّثت إحدى الجرائد عن خبر تجمد قدم رجل مسن، ممّا اضطرّ المسعفين إلى بتر أحد أصابعه، صحيفة ذا تايمز البريطانية عنونت في عددها الصادر في الخامس من سبتمبر:

“البلد في وضع كارثي، نفوق للأسماك في البرك، ووجود أعداد كبيرة من الطيور ميتة، وتلف كامل للمحاصيل الزراعية”.

لم يكن تأثير الموجة المناخية الباردة مقتصرًا على البلدان المعروفة بشتائها القارس، بل امتد هذا التأثير ليشمل البلدان ذات المناخ الدافئ كالبرتغال والتي تعاني هذه الأيام من حرائق الغابات نتيجة ارتفاع كبير في درجات الحرارة، أدى هذا التغير لتأثر المحاصيل الزراعية في البرتغال، على سبيل المثال لوحظ تغير طعم الفواكه وأصبحت غير مستساغة مما أدى لإتلافها، و في سويسرا، أتلفت محاصيل العنب والحبوب بالكامل، ولم يتمكن مزارعو نيوهامبشير من حصاد الذرة.

مثل هذه الأحداث لها تبعات اقتصادية، فقد سجلت أسعار الخبز ارتفاعًا ملحوظًا بمقدار ثلاثة أضعاف في باريس وسويسرا مما أدى لحدوث حالات شغب عدة وردد المتظاهرون عبارات “الخبز أو الدم” “Bread or Blood”.

التفسير الأقل إقناعًا

اتخذ الكثيرون الهجرة كحل للأزمة الحاصلة للتأقلم مع هذه الصعوبات، سجلت ألمانيا هجرة أربعين عائلة بروتستانتية للأراضي المقدسة، وتقدم سبعمائة رجل وامرأة خلال أسبوع واحد فقط بطلب للهجرة من أيرلندا بعد خفوق لمحصول البطاطس، وعدم التمكن من حصد القمح، وتلف الشوفان بالمطر، مما أدى لحدوث مجاعة ألقت بظلالها على البلاد.

هجرة أخرى اتخذت طريقها من شرق الولايات المتحدة الى غربها كانت غالبيتها من المزارعين، ولتقديم تفسير مقنع لتلك الظواهر الغريبة؛ ذكر فلكي في ذلك الوقت وجود بقع غريبة على سطح الشمس من المحتمل أن تكون قد منعت وصول الحرارة، وأكد فلكي من بولونيا هذا الكلام بل وأضاف عليه أن الشمس تبدو بحالة غير طبيعيّة قد تُدخل الأرض في ظلام دامس.

الفلكي الأشهر في ذلك الوقت ويليام هيرشل (William Herschel) عارض هذا الكلام بشدة قائلًا بأن تلك البقع أصغر من أن تسبب تغيّرًا حادًّا في الطقس، وربط كاتب ألماني انتهاء حرب نابليون في العام الماضي (1815) واختفاء البارود من الجو تاركًا الهواء البارد ينساب في كل مكان بانخفاض درجة الحرارة! ولعله كان التفسير الأقل إقناعًا بينهم.

لم يسلم الرئيس الأمريكي فرانكلين من توجيه أصابع الاتهام له، وبسبب قراره لتأسيس مانعات للصواعق توضع في أعلى المباني حتى يتم من خلالها امتصاص الكهرباء العالية قبل ارتطامها بالأرض لتمنع حدوث حرائق؛ ادّعى بعض الأشخاص أن تلك الموانع حرمت سطح الأرض من الحرارة اللازمة لتدفئتها فازدادت برودةً مع الوقت.

الشتاء البركاني

لكن لو ذهبنا للتفسير الصحيح لحالة الطقس المضطربة لوجدنا أنها بعيدة كل البعد عن تلك الأخبار، ولم يتمّ التوصّل إليها إلا في النصف الثاني من القرن العشرين، قبل غروب شمس الخامس من أبريل عام 1815 في جزيرة سمباوا الأندونيسية وقعت عدة انفجارات، اعتقد ضابط بريطاني كان على بعد 800 ميل من الانفجار أن الصوت كان لمدافع قراصنة.

هدأت تلك الانفجارات في الأيام القليلة التالية وفي مساء العاشر من أبريل انفجر بركان تامبورا وانطلقت فيه الحمم لتصل للمحيط مكونةً موجات تسونامي بارتفاع 15 قدمًا، اقتلعت الأشجار والمنازل، وقتلت الإنسان والحيوان، واختفت قرية تامبورا من الوجود، كما غرقت الجزيرة في أمطار من الرماد البركاني هطلت عليها  وأصبح كل شيء غارقًا في الظلام، يقول شاهد، وهو قائد سفينة، بأنه لم يستطع رؤية يده حتى بعد أن وضعها أمام عينيه بشكل مباشر.

عند ثوران أي بركان تحدث ظاهرة تسمى بالشتاء البركاني وهو مصطلح يُشيرُ إلى انخفاضٍ كبير في درجات الحرارة بسبب انتشار الرماد البركاني وحمض الكبريتيد في طبقة الجو العليا مسببةً حجب أشعّة الشمس، فكان العام التالي باردًا مثلجًا في كل دول العالم، تراكمت فيها الثلوج في أشهر يونيو حتى أغسطس، مسببةً ظاهرة غريبة أثارت اهتمام الناس وشغلت تفكيرهم لعقود.

في أيامنا الحالية يمر كوكبنا بطقس متطرف لم يُشهد له مثيل، فيضانات تدمّر مدنًا، وحرائق للغابات بسبب ارتفاع في درجات الحرارة، وموجات تسونامي مدمرة، الفرق بين هذه الأحداث وحدث عام 1816 أن المسبب الوحيد لها هو الإنسان وهو الوحيد القادر على حلها، تكاتف الجميع في الحد من التغيرات التي تحصل في البيئة بشكل يومي، عبر الابتعاد عن اقتلاع الغطاء النباتي ورمي النفايات الكيميائية وإطلاق غازات ضارة في الغلاف الجوي، وإن لم نتدارك هذا الأمور فقد نشهد في القريب العاجل عامًا بلا صيف أو عامًا بلا شتاء.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.