في 12 سبتمبر 1957، في استوديو في نيويورك، دعا جيمس فيكاري (James Vicary)، وهو باحث تسويقي، الصحافيين إلى مؤتمر صحفي. ادعى فيكاري قيامه بتجربة استخدام نوع من الإعلانات تجعل الناس تستهلك الفشار ومشروب كوكاكولا أثناء مشاهدتهم الأفلام في السينما. كان فيكاري يشرح تجربته للصحفيين عن طريق بث عبارات سريعة متكرّرة بجزء صغير من أجزاء الثانية مثل “اشرب كوكا كولا Drink Coca-Cola” و”كُل الفشار Eat popcorn” أثناء عرض أحد الأفلام في أحد دور السينما، ونتيجة لذلك، ارتفعت مبيعات الفشار كما ادعى فيكاري بنسبة 18.1% ومبيعات الكولا بنسبة 57.7%، كانت تلك الطريقة هي ما يسمى بـ”الإعلان اللاواعي Subliminal Advertising”.

يعتمد الإعلان الخفي أو اللاواعي على فكرة أن المعلن يمكنه مخاطبة العقل الباطن (اللاواعي) لدى المستهلك بطريقة لا يدرك فيها المستهلك قراءته أو مشاهدته لتلك الرسائل، لكنه سيظل متأثرًا بها على كل حال.

الرسائل المموهة أو اللاواعية هي شكل من أشكال الإعلانات التي تُدرجُ فيها رسالة خفيّة لمنتج أو علامة تجارية أثناء برنامج عادي يُعرض في التلفاز أو فلمٍ يُعرضُ في السينما أو صورة وعبارة تنشر في الشبكات الاجتماعية أو عبر الإعلام المطبوع. هذه الرسالة الخفية تؤثر على سلوك المستهلك وتتحكم برغباته تحكّمًا كبيرًا من دون إدراكه بتلك الرسالة.

وميض يحمل شعار العلامة التجارية

أحد أشهر الأمثلة لما يُعرف بالرسائل اللاوعية في العصر الحديث هو شعار ماكدونالدز الذي ظهر أثناء عرض أحد برامج الأكل وأطباق الطعام في أحد القنوات التلفزية الأميركية، وميض يحمل شعار العلامة التجارية الشهيرة يظهر بجزء بالغ الصّغر من أجزاء الثانية في ثنايا البرنامج، هذه الرسالة بهذه الطريقة يمكنها التأثير على العقل اللاواعي لدى المشاهد، بحيث أنه وعند الشعور بالجوع بعد مشاهدة البرنامج المختص بالأكل وأطباق الطعام في التلفاز فإن أول خيار سيفكر به المشاهد للحصول على وجبة غذائية هو ما قد استقبله عقله اللاواعي قبل قليل.

الإعلانات اللاواعية التي يُعتقد عادةً بوجودها تُدرجُ رسائل “مخفية” في الأفلام والبرامج التّلفزيّة، مفهوم “الصور المتحركة” الذي يعتمد على استمرار الرؤية لخلق وهم الحركة في سلسلة من الصور المدرجة في 23 إلى 30 إطارًا في الثانية الواحدة، النظرية الشائعة للرسائل المموّهة تشير عادة إلى أنه يمكن إدراج الأوامر اللاواعية في هذا التسلسل بمعدل إطار واحد في 25 (أو إطارًا واحدًا تقريبًا في الثانية). الأمر الخفي أو اللاواعي في الإطار الواحد يظهر وميضًا عبر الشاشة بسرعة شديدة بحيث لا يلاحظها المشاهد ولا يدركها بوعيه الكامل، حيث أن هذا الأمر صُنع كنداء إلى العقل الباطن لدى المشاهد.

هل الإعلانات اللاواعية موجودة فعلًا؟

ذُكِرَ مصطلح “الرسالة اللاواعية أو المُموّهة Subliminal Message” لأول مرة في عام 1957 عبر كتاب بعنوان “المُقنعون المُتخفون The Hidden Persuaders” بواسطة فانس باكارد (Vance Packard)، الكتاب الذي يكشف عن كيفية استخدام المعلنين للأساليب النفسية للاستفادة من رغبات الناس اللاواعية من أجل إقناعهم بشراء المنتجات التي يبيعونها.

يفحص باكارد إمكانية التلاعب بأفكار الناس ومشاعرهم من قبل رجال الأعمال والإعلام والسياسيين، وكان “الُمقنعون الُمتخفون” الكتاب الأول لكشف العالم الخفي وراء الإعلانات التجارية، والتقنية النفسية التي يستخدمها المعلنون للسيطرة على العقول والتحكم بسلوك الناس كمستهلكين، من خلال تحليل المنتجات والحملات السياسية والبرامج التّلفزيّة في الخمسينات من القرن الماضي. ويبين باكارد كيف بدأت ممارسات التلاعب للسيطرة على العالم من خلال أساليب التسويق وأدواته والتي تحركها وتتحكم بها الشركات اليوم، ومنذ ذلك الوقت، احتلت الإعلانات اللاواعية دورًا مثيرًا للجدل في المشهد الإعلاني.

في عام 1973، ادعى كتاب آخر بعنوان “الإغواء اللاواعي Subliminal Seduction” أن تقنيات التسويق الخفي أو اللاواعي كانت تستخدم على نطاق واسع في صناعة الإعلانات، ساهم الكتاب في خلق مناخ عام من الخوف أو فيما يعرف بعد ذلك بالأخطار الأورويلية (Orwellian) المصطلح الذي ظهر في كتاب “1984” وهو صفة للوضع أو الفكرة أو الحالة الاجتماعية التي حددها جورج أورويل (George Orwell) في كتابه على أنها مدمرة لرفاهية العيش في مجتمع حر ومفتوح. كان القلق العام تجاه الإعلانات اللاواعية كافيًا لقيادة هيئة الاتصالات الاتحادية لعقد جلسات استماع للتصريح حول “الإعلان اللاواعي أو الخفي” بأنه يتناقض مع المصلحة العامة حيث أنه ينطوي على “خداع متعمد” للجمهور.

باركود

عندما حظر الاتحاد الأوروبي إعلانات التبغ في يوليو 2005، كانت شركة التبغ الشهيرة “مارلبورو Marlboro” راعيًا رسميًا منذ عقود لفريق سيارات فيراري واحد من أنجح فرق سباق السيارات Formula One على الإطلاق، وحرصًا على عدم فقدان هذه الشراكة المربحة، قررت العلامة التجارية للسجائر “مارلبورو” تحقيق أقصى استفادة من خلال أحد الثغرات القانونية. بدلًا من وضع شعار “مارلبورو” الأحمر والأسود بجانب شعار فيراري كما هو معتاد، قامت الشركة بوضع ختم الشفرة العمودية “باركود Barcode” يحمل نفس ألوان الشعار الأصلي.

للوهلة الأولى، قد يبدو هذا قرارًا غريبًا، ولكن الباركود سوف يحمل تشابه كبير لشعار “مارلبورو” عند النظر إليه مطبوعًا على سيارة السباق فيراري وهي تسير بسرعة جنونية، و بإمضاء خاطف أمام المشاهدين في السباق، وعندها سوف يكمل العقل اللاواعي لدى مشاهد الباركود مهمة الربط بينه وبين الشعار الأصلي، حينها سوف يتحقق الهدف.

بعد فترة ليست بالقصيرة، اُكتشفت الخدعة من قبل الجهات الرقابية، ووافقت شركة فيراري على إزالة الباركود المثير للجدل بعد مناوشات طويلة الأمد كونه يحمل إعلانًا خفيًا “لا واعيًا Subliminal Advertising”.

هل يمكن أن تُستخدم الإعلانات أو الرسائل اللاواعية لتحويل أنظار الناس حول قضية معينة والتحكم بآرائهم وتوجهاتهم الفكرية؟

فى 13 سبتمبر من عام 2000، طلب عضوان من مجلس الشيوخ الأميريكي رون وايدن (Ron Wyden) – ولاية أوريغون و جون بريوكس (John Breaux) – ولاية لويزيانا، من هيئة الاتصالات الفيدرالية تقديم مراجعة فوريّة ونزيهة حول الإعلان الغامض التي قامت به اللجنة الوطنية الجمهورية وظهرت خلاله كلمة مخفيّة مسيئة للحزب الآخر. وقال أعضاء المجلس لـ ويليام كينارد (William Kennard) رئيس هيئة الاتصالات الفيدرالية أن إعادة النظر في الإعلان المثير للجدل ستكون فى “المصالح العليا لكل من الأحزاب السياسية وكافة الأميريكيين”.

كان الإعلان متعلقًا بالحملة الانتخابية للمرشح الجمهوري جورج دبليو بوش وقد تلقى انتقادات واسعة بحجة ظهور كلمة “RATS-الخونة” في ثلاثين جزءًا من الثانية في نفس الوقت الذي كان التعليق الصوتي المصاحب للإعلان ينتقد مقترحات الرعاية الصحية الديمقراطية التي كان ينادي بها نائب الرئيس آل غور (Al Gore) آنذاك. وقال المرشح الجمهوري للرئاسة جورج دبليو بوش للصحفيين بأنه يعتقد أن ظهور الكلمة المسيئة في الإعلان كان عرضيًا، لكن الإعلان تم إيقافه بعد انتقادات شديدة في الصحافة.

قانونية الإعلان اللاواعي

احتل الإعلان اللاواعي، تاريخيًا، منطقة رمادية قانونية، لأنه ليس من الواضح عندما تكون الرسائل المخفية مصادفة أو ببساطة تأتي تحت ما يسمى بـ “الباريدوليا” وهي ظاهرة نفسية تتضمن الاعتقاد بأن أي مؤثر عشوائي مُبهم قد يكون مهمًا. مثل تخيّل صور للحيوانات في السحاب، أو رؤية وجه رجل في سطح القمر، أو سماع أصوات خفية في التسجيلات عند تشغيلها بطريقة عكسية؛ الظاهرة النفسية التي يرى فيها عقل الإنسان نمطًا مألوفًا بينما هو في الواقع غير موجود.

لا تزال قانونية الإعلان اللاواعي وفعاليته محل جدل قائم، حيث أنه ملعب واسع ويأتي بعدة صور وأشكال مختلفة. لا يوجد قانون اتحادي فعلي في الولايات المتحدة ضد استخدام الرسائل اللاواعية في الإعلانات، بيد أن هناك بعض السياسات التنظيمية التي تمنع استخدام بعض التجاوزات غير الأخلاقية أو التي تندرج تحت خداع المتلقي عبر التّلفاز، والإذاعة، وفي المسارح، والقنوات الإعلامية عمومًا.

أُدخِلت العديد من القوانين المقترحة التي تحظر الإعلانات اللاواعية فى الكونغرس الأميريكي، لكن جميعها لقت مصرعها في اللجنة، حيث لم تصل تلك المقترحات أبدًا إلى مجلس النواب أو مجلس الشيوخ للتصويت، وقد نظرت ولاية كاليفورنيا وغيرها من الولايات في بعض القوانين ضد الإعلانات اللاوعية، ولكن لم يصوّت أحد لسنّ تلك القوانين، وبما أن بعض البحوث قد فشلت في إثبات أن الإعلان اللاواعي فعّال، لم يكن هناك ضغط يذكر على أي شيء أكثر من التنظيم والقواعد المنظمة ذاتيًا للممارسة المهنية، على النقيض من ذلك، توجد لدى بلدان أخرى قوانين محددة تتعلق بالتسويق اللاواعي، بريطانيا وأستراليا، على سبيل المثال، تحظر الإعلان الخفي أو اللاواعي فيهما لأي سبب من الأسباب.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.