الساعة اختراع عظيم، فجوهر حياتنا الحديثة هو إمكانية تنظيم أحداثها عند وقت محدد، معرفة الوقت بثباتٍ وبلا تغيّر هو أساس علم الساعات.

يُنظَّمُ إقلاع الطائرات ومواعيد وصولها من خلال الوقت، على الصعيد الشخصي موعد ذهابك للعمل والعودة منه ووقت الحصول على استراحة عند منتصفه، أساسه قائم على تلك الأداة الصغيرة المسماة بالساعة.

لماذا أصبحت الساعات اليدوية مشهورة؟

على مر الأيام اتخذت الساعة أشكالًا متعددة، ولكن بقيت ساعات الجيب الأداة الزمنية المحمولة لمدة طويلة. لماذا إذًا أصبحت الساعات اليدوية مشهورة في وقتنا الحاضر؟ هناك بعض الأخبار تؤكد وجود ساعات مبالغ في تزينها وضعت على أساور في أواخر القرن الثامن عشر، ولكن لنسأل أنفسنا من صنع أول ساعة يدوية؟ يخبرنا بروفيسور التاريخ أليكسس مكروسن Alexis McCrossen في جامعة ميثوديس الجنوبية وهو مؤلّف كتاب ( Marking Modern Times: A History of Clocks) عن تاريخ ظهور ساعات اليد، لكن بدلًا من ذكر بداية ظهورها، ينتقل إلى وقت أبكر بكثير عندما تمكن الناس من التنقل بساعات قابلة للحمل، أو بمعنى آخر ساعات جيب ضخمة.

بحسب الكتاب فقد بدأ الناس في القرن الثامن عشر بالبحث عن طريقة أخرى لمعرفة الوقت غير النظر في إلى الساعة الموجودة في ساحة البلدة الرئيسية. تطورت هذه الساعات مع الوقت لتصبح أصغر مع أدوات أخرى تساعد في حمايتها كالسلاسل والسيور المعدنية، وأصبحت مع مرور الوقت أداة ذات قيمة وجديرة بالاستثمار، وإذا راجعت أغلب رهون الولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر لوجدت أن أربعين بالمئة منها كانت ساعات.

مخصصة بالكامل للنساء الثريات

في كتاب جينيس للأرقام القياسية أول ساعة يدوية صنعت في العالم من قبل صانع الساعات السويسري بتيك فيلبي (Patek Philippe and CO) الذي صنعها خصيصًا للكونتيسة الهنغارية كوزفيتش (Koscowicz)، لكن الشركة لم تقر بصحة هذه المعلومة حتى الآن وقد يكون القصد بأنها أول ساعة يد سويسرية.

تدعي بعض الأقاويل الأخرى أن أول ساعة يدوية صنعت كانت للملكة إليزابيث الأولى من قِبل روبرت دودلي Robert Dudley، وقدمت لها كهدية، لكن الحقيقة المثبتة فعلًا كانت ساعة يد لشقيقة نابليون بونابرت كارولين مورات (Caroline Murat) في أوائل القرن التاسع عشر عام 1810 وصنعت من قِبل أبراهام-لوي بريجيه (Abraham-Louis Breguet).

استمرت صناعة الساعات الصغيرة في القرن التاسع عشر من قِبل روادها بتيك فيلبي وأبراهام-لوي بريجيه وكانت مخصصة بالكامل للنساء الثريات، ستلاحظ في القصص المسرودة عن أوائل الساعات اليدوية انها مجوهرات تتزين بها السيدات، بسبب اعتبارها موضة نسائية، لاعتقاد معظم الرجال بأن الساعات اليدوية أقل كفاءة من ساعات الجيب، مدعين أنها قابلة للتحطيم ومعرضة أكثر للصدأ، والميكانيكية الخاصة بها بالغةُ الصّغر وقد لا تكون دقيقة.

استمر الرجال في ذلك الوقت في وضع الساعات في جيوبهم ولم تخطر فكرة جعل تلك السّاعات اليدويّة موضةً رجاليّة على بال أحد، ولكن ما الذي حصل وجعل ارتداء الساعة اليدوية موضة رجالية إذًا؟ الإجابة كانت الحرب.

أصعب تحدٍّ قد تخوضه ساعة

مع اقتراب نهاية القرن التاسع عشر تطورت التكتيكات العسكرية وأصبحت أكثر دقة، الدقة المقصودة هنا هي التوقيت المناسب، وحتى توجد هذه الدقة يتطلب من الجندي النظر بلمحة خاطفة على الساعة لتحديد الوقت وذلك لا يتلاءم مع ساعة الجيب؛ لصعوبة إخراجها والنظر إليها في وقت قصير، بالإضافة لوجود خريطة محمولة وحصان ينشغل راكبه بقيادته.

كحلٍّ سريع بدأت أساور تنتشرُ بين الجنود توجد في وسطها حفرة شبيهة بقاع الفنجان مخصصة لوضع ساعة الجيب داخلها، ولا يمكن اعتبار هذا النوع من الساعات ساعة يدوية بل ساعة جيب يمكن وضعها على معصمك.فمازال الأعتقاد سائدًا بأنها مجواهرات خاصة بالنساء.

أمر القيصر الألماني ويليام الأول (Wilhelm I) بصناعة ما يقدر بألفي ساعة مثل هذه خصصها لضباط جيشه، شهدت هذه الساعة استعمالًا واسعًا في حرب بور الثانية (Boer War) والتي وقعت بين البريطانيين و المنحدرين من أصل هولندي في جنوب أفريقيا والمعروف عنهم  مسمى البورز، الميزة لهذه الجماعة في هذه الحرب أنها تقام على أرضهم فيمكنهم المراوغة والتملص من العدو البريطاني بسهولة. فكان على البريطانيين البحث عن خطط للحد من تقدم البورز، ووقع الأختيار على تكتيكات عسكرية تتطلب الدقة في التوقيت لخلق المفاجأة للبورز، لكن لنتذكر جيّدًا أنها ساعة جيبية توضع على المعصم، لأن الاعتقاد مازال مستمرًّا بأن الساعات اليدوية موضة خاصة بالسيدات، وعند عودة الجنود من الحرب قاموا بإعادة الساعات إلى جيوبهم وهو مكانها الصحيح آنذاك.

في دليل واضح لبدء انتشارها في تلك الحقبة إعلان وضع من قِبل بائع إنجليزيّ لساعة يد استعملت في تلك الفترة ولكن في حرب أخرى هي معركة أمّ درمان قائلًا:

“ساعة يد خاضت تجربة الصحراء، أصعب تحدٍّ قد تخوضه ساعة”.

كانت تلك الكلمات دليلًا واضحًا على أن الساعة لم تعد شيئًا جماليًّا يستحب اقتناؤه، بل أداة اعتمادية يوثق بها كثيرًا، زادت الحرب العالمية الأولى من انتشار الساعات اليدوية بين الرجال والتي جاءت مع تقنية الزجاج المقوى الجديدة  فتغيرت النظرة لتلك الساعات ولم يتم اعتبارها مجوهرات نسائية يتهم من يرتديها بعدم الرجولة بل أصبحت ذات دلالة على القوة، بعد استعمالها من قِبل الجنود اللذين خاضوا المعارك.

في أثناء تلك الحرب  كان الضباط البريطانيون في الخنادق يعطون أوامرهم من مسافات بعيدة عن الخط الأمامي للقتال، والتوقيت الصحيح كان أساسيًا لنجاح أي عملية، في أحد التكتيكات العسكرية كان على جنود المشاة التقدم لأبعد نقطة قد تصلها المدفعية، في هذه الحالة التوقيت المناسب يصبح مهمًا وبسببه ارتدى الجنود تلك الساعات، مع مرور الزمن بدأ يقل استعمال الساعات الجيبية تدريجيًا حتى اعتُبرت من الكلاسيكيات عند انتهاء الحرب العالمية الثانية.

ساعات ذكية على غرار الهواتف التي سبقتها

في وقتنا الحالي لم تصبح الساعات مسؤولة فقط عن اخبارك بالوقت، لقد تقدمت لتحديد موقعك، وموجز الطّقس المبسّط لهذا اليوم، وعدّ خطواتك، وحساب معدلات الركض اليومية لديك، وفرزها في شكل إحصائيات يومية وشهرية وسنوية (كما تفعل ساعة أبل).

بإمكاننا القول أنها أصبحت ساعات ذكية على غرار الهواتف التي سبقتها، صحيح أنها مازالت في بداية تاريخها لكن الزمن كفيل بجعلها حاجة أساسية مثل غيرها من الاختراعات، هذا تذكير لنا بأن التطور في تكنولوجيا الساعات ليس محصورًا في الوصول إلى أفضل طريقة لإخبارك بالوقت بل لجعل كل ماتريده قريبًا منك.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.