إذا ذهبت إلى متحف عالم كوكاكولا في أتلانتا، الولايات المتحدة، فسيخبرك دليل المتحف أن سعر زجاجة كوكاكولا استمر بـ 5 سنتات لـ 70 عام، ومن المرجح أنك كأغلب زائري المتحف ستستغرب الأمر للحظات ثم سينصرف ذهنك لباقي أقسام المتحف. إلا أنه في أحد الأيام زار المتحف خبير اقتصادي يدعى دانيال ليڤي، وعندما سمع المعلومة ذهل لأن هذا الأمر شبه مستحيل اقتصادياً؛ فالأسعار ترتفع وتنخفض حسب العوامل المؤثرة في السلعة.

وما جعل الأمر يبدو أكثر غرابةً هي الأحداث التي مرت بها الولايات المتحدة، ففي الفترة من 1880- 1950 اندلعت الحرب الأمريكية الإسبانية، وبعدها قامت الحرب العالمية الأولى ثم الثانية. ناهيك عن انهيار بورصة وول ستريت الذي كان أحد الأسباب الرئيسية لأزمة الكساد الكبير. وبعدها بعدة أعوام ظهر قانون منع الكحوليات الذي أوجد فترة ذهبية لسوق بيع المشروبات غير الكحولية. ولا ننسى بالطبع وجود المنافسين وازدياد أعدادهم مع الزمن.

حاول دانيال البحث عن تفسير مقنع لهذه المعلومة داخل المتحف ولم يجد من يعرف السبب ولكن الموظفين نصحوه بالبحث في أرشيف سجلات كوكاكولا الذي تحتفظ فيه الشركة بكل شيء عقود، خطط، حملات إعلانية..إلخ. فاستعان بزميله في العمل اندرو يونغ، وبعد بحث دؤوب جمعوا كل ما يرتبط بالموضوع ليشكلوا سيناريو يشرح ما حدث:

العقد الذي لم يلق له كاندلر بالاً

كان سوق المشروبات يقتصر على آلات التعبئة إلى عام 1899، حين كان سعر الكأس من كوكاكولا 5 سنتات. وفي يوم دخل إلى مكتب السيد كاندلر -رئيس شركة كوكاكولا حينها- محاميان يريدان شراء حقوق تعبئة كوكاكولا في زجاجات ليبيعانها بهذا الشكل الجديد. ووجد كاندلر أن الفكرة سخيفة جداً ومن المستحيل أن تنجح، ولكن مع إصرار المحاميان وعدم قبولهما للرفض وقع العقد سريعاً ليتخلص منهما.

وهنا حدث مالم يكن يتوقعه نجحت الفكرة وازداد إقبال الناس على الزجاجات، ووجدت كوكاكولا نفسها فجأةً في مأزق، فقد اتضح أن العقد الذي لم يلق له كاندلر بالاً ليس له مدة محددة أو تاريخ انتهاء. ولم تستطع الشركة فسخه أو حتى رفع السعر الموجود في الاتفاق وهو 90 سنتاً للجالون.

ومع الأيام خشيت كوكاكولا من أن يرفع المحاميين سعر بيع الزجاجات، فلو فعلوا ذلك ستذهب زيادة الأرباح لهم وحدهم، وستستلم كوكاكولا منهم نفس المبلغ المذكور في العقد، بالإضافة إلى احتمالية انخفاض كمية العصير المباع، إذا قل الطلب بسبب تغير السعر.

اشرب كوكاكولا بـ5 سنتات فقط

حاولت تطبيق استراتيجية تجعل لها اليد العليا في هذه الشراكة المفروضة عليها، فربما لن تستطيع فرض سعر منتجها على نقاط البيع، ولكنها تستطيع أن تطلي جانب البناية المقابلة لها بإعلان يقول اشرب كوكاكولا بـ5 سنتات فقط. وهنا لن يستطيع أحد أن يغير هذا السعر وبالفعل انطلقت هذه الحملة الإعلانية في الشوارع على اللوحات، والمباني، وفي كل مكان.

في هذه المرحلة أصبح هدف كوكاكولا هو بيع أكبر كم ممكن من العصير. ففكرت ماذا عن آلات التعبئة في المطاعم والحانات، ربما لن يستطيع البائعون رفع ثمن الكأس عن 5 سنتات ولكن بإمكانهم تقليص حجمها وهذا سيضر الشركة. لذلك بدأت تزود من يبيع أصحاب آلات التعبئة بكؤوس رسم عليها علامة تبين الكمية المفترض تعبئتها

وبعدها بسنوات في 1921 تحديداً حدث ارتفاع هائل لسعر السكر وبدأت الشركة تخسر فبذلت قصار جهدها للتخلص من العقد الذي علقت معه منذ زمن وأخيراً نجحت، ولكن مع ذلك استمر سعر زجاجة الكوكاكولا 5 سنتات فقط. وكان لهذا الأمر سببان:

الأول أن الحملة الإعلانية كانت جدا قوية وكان من الصعب إزالة كل الإعلانات التي تتضمن السعر كما أن إزالتها من أذهان الناس سيكون أصعب .

ولكن السبب الأهم هو أن آلات بيع الزجاجات والتي كانت تشغل حصة كبيرة من السوق لم تمتلك وقتها تقنية إرجاع الباقي فكان على المستهلك أن يدفع عملة واحدة، والعملة التي كانت تلي ال5 سنتات هي 10 سنتات وبالطبع لن تستطيع كوكاكولا أن تضاعف السعر مرة واحدة.

ماذا ستفعل كوكاكولا هنا؟

ستجرب الحل الأكثر جنوناً. قالت نحن نحتاج عمله بين 5 و 10 سنتات إذن لماذا لا نطلب ذلك من الدولة وبالفعل طالبوا الرئيس الأمريكي ايزنهاور بوضع عملة قيمتها 7 سنتات ونصف ولاقت هذه الفكرة الدعم من كل الشركات التي تستخدم آلات البيع. ولكن أيزنهاور لم يكترث لهم، فاستمروا بالبحث عن أفكار أخرى.

وهنا أوجدوا خطة العملة الواحدة وهي ببساطة أنه في كل 9 زجاجات داخل آلة البيع نضع واحدة فارغة بمعنى أنه سيأتي ثمانية عملاء ويأخذوا زجاجة كوكاكولا ب5 سنتات ولكن التاسع سيء الحظ ستظهر له زجاجة فارغة وعندها سيضطر لدفع 5 سنتات اخرى وهكذا يكون معدل الربح ازداد. ولكن هذه الفكرة لم ترى النور إذ توقعت الشركة ردود فعل غاضبة من العملاء.

بحلول عام 1946 زودت آلات البيع ب تقنية إرجاع الباقي. لكن ما دفع كوكاكولا لشطب عبارة 5 سنتات من قاموسها نهائياً، هو نفاذ مخزون الذهب لدى الولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ومعاناة الدولة من التضخم الاقتصادي. كان السبيل الوحيد أمام كوكاكولا للنجاة هو رفع ثمن منتجاتها، شأنها شأن جميع الشركات.

اليوم كوكاكولا تصنف كالمشروب رقم 1 عالمياً، ويذكر في موقع الشركة الرسمي أنها تبيع مايقارب 2 مليار عبوة يومياً. وحتى في الدول التي تسيطر فيها بيبسي على السوق لا تزال أصداء حملاتها الإعلانية تصلنا، وقد يكون السبب الرئيسي لهذا الأمر هو أنها علقت لوقت طويل مع سعر محدد ولذلك بذلت كل جهد ممكن لبيع المزيد بتركيز اهتمامها على التسويق. وربما لو لم يوقع كاندلر على عقد بيع حقوق التعبئة لما كانت كوكاكولا اليوم كوكاكولا.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.