لا تبهرك كوريا الجنوبية بقفزتها الحضارية لأنها سريعة وشاملة فقط، بل تبهرك لأنها قامت بمجهود حقيقي، مجهود بشري، ورغبة حقيقية لدى الشعب في الإصلاح، وعمل قومي لا يكل، متبني لمتطلبات العصر.

فاز الرئيس مون جاي إن بالإنتخابات مؤخرًا، بعد المظاهرات المدنية السلمية التي طالبت بعزل الرئيسة السابقة بارك شونج-هي ، وهو شخصية أثارت عدة توقعات عاصفة بسبب توجهاته ومبادئه التي عمل عليها طوال سيرته المهنية. إذ بدأ جاي إن عمله من مكتب المحاماة مع شريكه روه مو هيون، وانخرط الاثنان في دعاوى الحقوق المدنية وحقوق الإنسان، واتجهوا بعد ذلك للعمل السياسي من خلال المطالبة بتطبيق الديموقراطية التي أمنوا بها حتى أدت جهودهم لاحقًا إلى أول انتخابات حرة، وأصبح شريكه روه موهيون أول رئيس منتخب انتخابا ديمقراطيًا مباشرًا.

دولة وليدة خرجت من حربين

عاشت كوريا منذ 1948 فترة ديمقراطية صورية شبيهة لما يحصل في الوطن العربي حين يفقد الناس ثقتهم بالانتخابات، وفيما بعد الستينات انقلاب عسكري ما يفتأ أن يمهد لانقلاب آخر، ولم ينتهي هذا كله إلا عام 1988، حين قامت أول انتخابات ديمقراطية حرة، تصور حجم النضج السياسي كان خلال هذه المدة القصيرة، في دولة وليدة خرجت من حربين وتعيش مترقبة لعداء جارتها الشقيقة.

على الرغم من أن مظاهرات الستينات كانت دموية، ومظاهرات السبعينات وبداية الثمانينات كانت مليئة بالاعتقالات السياسية، إلا أن النضج السياسي أخذ محله العام الماضي حين جابت الشوارع مظاهرات، سلمية، لم تتدخل الأجهزة الضبطية فيها بالقمع ولا المنع، أدت في النهاية إلى عزل الرئيسة بعد عرضها أمام القضاء، ومحاكمتها بقوة الشعب.

إذا ما عدنا إلى كوريا ما بعد الحرب العالمية والاستقلال عن اليابان، تم انتخاب أول رئيس لكوريا الجنوبية عام 1948، ري، وعلق الشعب الكوري آماله عليه إلا أن ري سرعان ما سن قانون الأمن القومي، ومنع أي فرصة للتعبير بحجة الدولة الوليدة. اندلعت الحرب بين كوريا الشمالية والجنوبية مما أعطاه الفرصة لسن الأحكام العسكرية، عدل الدستور بحيث يمنح للرئيس فرصة الترشح لمرات غير محدودة، حتى فاز للمرة الرابعة على التوالي في الستينات الميلادية، مما خلق عصيان مدني واعتراضات تتهم الانتخابات بالصورية و تطالب باستقالته.

أعقب (ري) عدة رؤساء وإدارات لم تفلح في كبح سلطويتها، رغم ديمقراطيتها الصورية. قامت هذه الإدارات بمحاولة الحفاظ على السلطة في يد واحدة لأطول مدة ممكنة، مستغلة مبادئ الكونفوشسية التي يؤمن بها الشعب الكوري، والتي ترسخ مبدأ أن الرئيس هو الأب الشرعي، والشعب أبناء له، واستغل  الحكام هذا الشيء لتبرير ديكتاتوريتهم، وتم تعديل الدستور لتشريع ذلك عدة مرات مماخلق دستورا هشا لم تكن مبادئه ثابتة أبدًا.

في عام 1973، أعلنت الأحكام العسكرية مجددًا، تم إنهاء المجلس الكوري للإحياء القومي، وأوقفت كل الأحزاب السياسية، أغلقت الجامعات، تم إعلان حالة الطوارئ والعمل على تعديل الدستور لجعل الانتخابات مقتصرة على مجمع انتخابي، أي أن تم نزع السلطة المباشرة للشعب، بانتخابات غير مباشرة، هنا كانت لحظة مفصلية أخرى بدأها طلاب الجامعات، قادت إلى اعتقالات واسعة بين الطلاب وقادة تنظيماتهم -وكان من ضمن الطلاب المعتقلين مو جاي ان الرئيس الحالي الذي تخرج من كلية الحقوق داخل أروقة السجن السياسي.

عاشت البلاد في وضع مشوش وسط هذا الصراع. لم تستطع الانقلابات العسكرية والحكومات المؤقتة إنهاء التظاهرات الطلابية، والحركات الشعبية  التي لم تتوقف عن الدعوة للديمقراطية وكان أبرز رواد هذه الحركة الرئيس الحالي مون جاي ان، وصديقه روه مو هيون، أدت إلى أول انتخابات حرة ديموقراطية عام 1988، مشّكلةً انتصارًا للصالح العام والإرادة الشعبية.

التغيير ليس وهمًا ولا خيالاً

مجددًا في العام 2017، يثبت الشعب الكوري قدرته على قيادة المشهد السياسي، إلا أن هذه المرة كان المشهد جميلاً، سلميًا، استهدف العدالة والنزاهة لا شيء آخر.

إنّ قوة كوريا السياسية تنبع من قوتها الاجتماعية، لأن الثقافة السياسية في كوريا ترتبط بالأساس بالمجتمع دون الدولة وهو ما يعني أن السياسة ستكون مضطرة للجوء إلى المجتمع ذاته لحفز العمل والتغيير.

عاشت كوريا أوضاعًا متقلبة قد تكون تجربة تعلمنا كيف أن الرغبة الحقيقية تأخذ بيد الأمم، وقد تكون قصتها ملهمة لتجربتنا الخاصة. التغيير ليس وهمًا ولا خيالاً، بل يحتاج إلى بعض الوعي وبالإيمان بقوتنا كمجتمع قادر على النهوض وقادر على صنع مستقبله.

 



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.