يقولون إنّ المدرسة تحد من الإبداع، وهي حقيقة. ققد صمّمت المدرسة والتعليم عمدًا للحد من الإبداع والفهم. هذا يعود للصناعة التي تحكمت في كلّ شيء، حتى أنّ الإجازة الصيفية لم تكن لأن الصيف أفضل موسم للسياحة، بل إنّ الصيف هو موعد الحصاد الزراعي.

صمّم فيدريك كيلي الاختبارات القياسية في وقتٍ كانت تجد الولايات المتحدة نفسها في ورطة. ففي عام 1890 ميلادية، كان عدد الطلبة قرابة 200 ألف طالب، وارتفع العدد في المدارس بشكل ملحوظ ليصل عددهم في بداية القرن العشرين إلى أكثر من 1,5 مليون طالب. وبدأت الحكومة في العمل على إيجاد حلول لهذه الأعداد الخمة من الطلبة في حين أن المعلمّين أقل بكثير من المطلوب.

إزداد الأمر سوءًا عندما بدأت الحرب العالمية الأولى، فكان على الرجال أن يشاركوا في الحرب، وأصبح الكثير منهم خارج البلاد، وأمّا النساء فكان عليهنّ العمل في المصانع، ما شكل حالة طوارئ للتعليم كاملاً.

في ذلك الحين، كانت أميركا قد شهدت ابتكار هنري فورد لمفهوم خطوط الإنتاج. فأتت فكرة تطبيق أي مفهوم جديدٍ من خلاله تستطيع الحكومة قياس أداء الطلبة واختبارهم بشكل سريع وتجهيزهم عمالاً في المصانع.

فإذا أردت موظفين ملتزمين في المصانع، خذهم وهم في عمر السادسة، ضعه في غرفة مغلقة ليكتبوا ما على السبورة لمدة 8 ساعات. استمر على ذلك لمدة اثنى عشر عامًا، وحينها ستجدهم يتّبعون الخطوات بحذافيرها.

لكن، اليوم، لا توجد حاجة لعمّال مصانع. بل هناك حاجة لمفكرين ومبدعين. ومفهوم القياس نباءً على الشخص المتوسط، كانت فكرة سيئة. أثبتت فشلها في ذات المكان الذي بدأت منه. فلم تعد وزارة الدفاع الأميركية تتبنّى هذا المبدأ كما كانت في بدايتها.

فالنظام هذا قد صنع لوجود حالة الطورائ في الولايات المتحدة في 1914. النظام الذي ابتكره فيدريرك كيلي قبل أكثر من 100 عام، لا يزال يعمل به في اختبارات القياس والمدارس في كثير من الدول. قد تتعجب من هذا الأمر. إلاّ أنك ستذهل عندما تعرف أنّ الرجل الذي ابتكره، انتقده لاحقًا، وطالب بإلغاءه. وعندما انتقده واجه موجة غضب أكاديميةٍ جامحة، أدت لإعفاءه من منصبه عندما كان مديرًا لجامعة آيدهو الأميركية. نعم، طرد من الجامعة لأنه تجرأ وقال إن نظام التعليم الذي ابتكره.. نظام غبي.

يقول سيث جودين، إن نظامًا يأتي المدرّس في مقدمة القاعة، وعلى البقية السمع والطاعة. ويجعل المدرسة، هي مكان للمحاضرات والحصص المكتضة خلف بعضها. لهو نظامٌ غبي. ويقترح سلمان خان، مؤسس خان أكاديمي، أن نحول نظام التعليم إلى أن يشاهد الطالب في المساء عبر الإنترنت أفضل شخص في العالم يشرح الفكرة من المحاضرة، وخلال اليوم، يقوم بحل الواجبات مع وجود من يشارك ويتفاعل معهم.

وبينما لا تزال أميركا سجينة فكرةٍ خرجت من رحم حالة طوارئ حتى اليوم، نجد فنلندا واحدة من أفضل دول العالم في التعليم، وتنسب نجاحاتها على كافة الأصعدة لتفوقها فيه. تؤمن فنلندا أن الهدف الرئيسي من التعليم في المدارس هو إعداد الأجيال الناشئة للحياة، ولذلك هي لا تسعى لضخ المعلومات فقط في رؤوسهم. تقول وزيرة التعليم الفنلندية السيدة كريستا كيورو:

“لا يقتصر التعليم على مقاعد الدراسة فقط، فمعرفة الإنسان تزداد يوميًا بالمواقف التي يمر بها في حياته، ونحن في هذه المراحل نركز على تعليم الأطفال كيف يتعلمون، لتصبح قدرتهم على التعلم من الحياة أكبر.”

فنجد التعليم لديهم يختلف كثيرًا عن الصورة التي اعتدنا عليها، فهو يبتعد كل البعد عن التلقين وحشو أدمغة الطلاب بأكبر قدر ممكن من المعلومات. وبدلاً من ذلك، يركز تعليمهم على المهارات أولاً، كالتفكير النقدي والإبداعي وحل المشكلات.

وبذلك يتعلم الطالب المعلومة بعد البحث وطرح التساؤلات والفرضيات. كما أن النظام التعليمي هناك لا يتضمن أي اختبارت مصيرية في التسع السنوات الأولى، ولا حتى واجبات منزلية إلا فيما ندر. بل، ولا يزيد مقدار الساعات الدراسية عن 20 ساعة أسبوعيًا.

الطالب في فنلندا هو المحور فهم يعلمون أن استثمارهم فيه سيعود دائمًا على بلادهم بأفضل النتائج. ولذلك يركز المعلمون على المهارات الفردية المميزة لكل طالب ويعتنون بها، ويربون فيه حب التفرد والتميز بالإضافة إلى تقدير اختلافات من حوله ليصبح فردًا مميزًا في المستقبل، لا مجرد نسخة مكررة.

ويهدف هذا التركيز على استقلالية الطفل لجعله قادرًا على اتخاذ القرارات الصحيحة في حياته عندما يكبر. وبذلك يكون مواطنًا صالحًا وفردًا فعالاً في المجتمع. وتتفق كثير من الشركات مع الرؤية الفنلندية في التعليم، فجوجل مثلاً أصبحت لا تهتم بالمؤهلات عند التوظيف لأنها تؤمن أن المنشآت التعليمية تدرب الفرد على الإجابات المحفوظة، وهي لا تحتاج ذلك. بل هي تهتم بجودة مهارات التفكير عند المتقدم للوظيفة، لأنها هي ما ستجعله فردًا فعالاً في الشركة لا شهاداته.

والحقيقة أنّي، شخصيًا، آمل أن نسابق العالم ونبدأ في تجهيز أجيال المستقبل لعصرٍ فيه الآلة تسيطر على كل الشيء.. فالإنسان يملك قوتين: القوة الجسمانية، وسيطرت الآلة في القرن الماضي على كل الوظائف التي كان يعمل بها الإنسان، لتفوّق الآلة جسمانيًا على الإنسان.

والقوة العقلية، والتي لم يكن هناك من ينافسها، إلا أنّ اليوم، أصبحت الآلة تنافس الإنسان في الذكاء والتفكير والإبداع.. وبدأت تأخذ الوظائف واحدةً تلو الأخرى. فبعد عشرين عامًا لن يكون هناك طبيب، ولا محامٍ، ولا محاسب، ولا سائق، ولا طيّار، ولا جنود ولا شرطة… فهل نحن اليوم، نصنع جيلاً يستطيع العمل في ذاك العصر؟!



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.