تخلق الآلة المستقبلية معضلة قانونية حتمية، شخصيتها القانونية، مسؤوليتها الجنائية، العقوبات، الضرائب، الحقوق والالتزامات، والأخلاقيات قبل ذلك كله.

في علم القانون، تختلف الحقوق والواجبات بحسب الشخص القائم بها. فالحقوق الثابتة للشخص الطبيعي، مثل الترشح والتصويت وشغل الوظائف العامة، لا تكون للشخص المعنوي -الشخص المعنوي هو كيان مثل الشركات والهيئات. وللشخص المعنوي حقوقه وعليه واجباته، وتقع عليه عقوبات بالحجز والتنفيذ وغيرها، وهي مستقلة عن شخصية صانع هذا الكيان.

غير أن الآلات ستحل في المستقبل مكان البشر، فقد تشغل الوظائف العامة، وتقوم بعملها دون الخضوع لإشراف، وتتخذ قراراتها دون الرجوع لإنسان، وفي هذه الحالة فإن شخصية قانونية جديدة يجب أن تولد لتعويض هذا النقص بدلاً من النظرية التقليدية التي تأخذ بالشخص الطبيعي والشخص المعنوي فقط.

هل هم أشخاص يخضعون لحكم البشر؟ فيكون لهم حقوق وعليهم التزامات. أم أنهم تابعين ومنسجمين في شخصية البشري القانونية ويكون هو مسؤول عن أفعالها حتى لو نتجت هذه الأفعال عن غير قصد منه، كأن تقوم الآلة الذكية باتخاذ قرار عقلاني ولكنه يشكل جريمة في واحدة من المعضلات التي قد تواجهها.

الآلة واعية بنفسها، مدركة، لديها عواطف وانفعالات وتتخذ القرارات

أم أننا بحاجة لابتكار شخصية جديدة لها طبيعة خاصة. تبدأ من الإنسان إذ أنه هو الذي يطورها، وتنفصل عنه وتتخذ قراراتها بناءً على المعطيات التي برمجها عليها هذا الإنسان، أو حتى في الحالات التي يصل الذكاء الاصطناعي إلى أقصى حالاته بأن تكون الآلة واعية بنفسها، مدركة، لديها عواطف وانفعالات وتتخذ القرارات على هذا الأساس.

طوال هذا العقد، كانت تحكم الآلات قوانين أدبية ابتدعها كاتب الخيال العلمي، اسحاق أسيموف في إحدى رواياته، ولم يعلم أنها ستكون منهجًا فكريًا تؤثر فعليًا في صناعات الروبوتات (مع أن الروبوت في رواية أسيموف يتمرد في نهاية المطاف) وتنص قوانين أسيموف على:

  • لا يجوز لآلي إيذاء بشريّ أو السكوت عما قد يسبب أذًى له.
  • يجب على الآلي إطاعة أوامر البشر إلا إن تعارضت مع القانون الأول.
  • يجب على الآلي المحافظة على بقائه طالما لا يتعارض ذلك مع القانونين الأول والثاني.

وأضاف عليها لاحقًا قانونًا سمي بقانون الصفر: “لا يجوز للروبوت أن يضر بالإنسانية، أو أن يترك الإنسانية تتضرر.”

وتحاول جوجل مؤخرًا أن تخلق قوانينًا جديدة لتضمن أن صناعة الآلة وتطوير الذكاء الصناعي لن يأخذ منحنى يضر بالبشر، فأوجدت هذه القوانين:

  1. لا ينبغي للروبوتات أن تجعل الأمور أسوأ.
  2. لا ينبغي للروبوتات أن تغش.
  3. ينبغي للروبوتات أن تنظر للبشر باعتبارهم مرشدين.
  4. ينبغي للروبوتات أن تبقى في بر الأمان، أو بعبارة أخرى تستخدم الطرق المضمونة.
  5. ينبغي للروبوتات أن تعلم أنها غبية!

هل نرى في المستقبل الروبوتات تتحلى بذمة مالية، ولها حسابات بنكية، وتقدم الضرائب كما اقترح بيل جيتس، وتدفع التعويضات، وتتحمل مسؤولية قراراتها؟

كل هذا لا زال رهن الفرضية والاعتقاد، إلا أن الأكيد أن الآلآت خلال تطويرها تخلق نوعًا من الأزمات الأخلاقية، والخلافات الفكرية، وهو ذات الشيء الذي قد يعوق من انتشار السيارة ذاتية القيادة، لأن خلافًا فكريًا وأخلاقيًا يدور حول قراراتها في حالات الخطر والاصطدام. والسيارات الذاتية القيادة مثلاً قد تدخل منطقتنا بقوة، بحكم القيود المجتمعية على قيادة السيارة وبحكم توجه الإمارات القوي نحو تشغيل السيارات ذاتية القيادة.

سيخلق علاقات دولية ينتج عنها أيضًا نزاعات دولية

وبسبب كل ذلك فإن أهمية التساؤل، والبحث، تكمن في أن تجدد التقنية المتسارع سيجبر المشرعين على مواكبة ذلك بتحديث تشريعاتهم، لمَ تخلقه من مسائل أخلاقية وقانونية جديدة تنتج نزاعات لم تمر على القضاء سابقًا. يتطلب حلها ابتداء فهمٍ عميقٍ لماهية الآلة، وقدراتها، وحدودها، وإلى أي حد يمكن تنظيم العلاقات بينها وبين البشر خصوصًا وأن الآلات عالمية بلغتها وستتخطى الحدود بشكل لم يفعله البشر، مما سيخلق علاقات دولية ينتج عنها أيضًا نزاعات دولية ستكون هي الأخرى بحاجة إلى تنظيم.

و بما أن منطقتنا لا يوجد لديها مثل هذا التوجه لإحداث هذا النوع من القوانين، فإن أمام الباحثين فرصة لمحاولة الإجابة على هذه الافتراضات وتوسيع الرؤية المستقبلية، ومحاولة تعميق فهمهم لها، لأنه إذا لم يوجد لدى الباحثين اهتمام كافٍ، سيأتي يوم ما، ونضطر إلى نسخ هذه القوانين من دول أخرى سبقتنا في التساؤل والبحث، ونفوت على أنفسنا الفرصة بأن نبدع ونستعمل معرفتنا في خلق بناءنا الخاص لمنظومتنا القانونية والاجتماعية.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.