في عام 2011، واجه الرئيس حسني مبارك آخر أيامه رئيسًا لمصر. بعد ثلاثين عامًا من الرئاسة، بدأت أيام النهاية. أستطيع أن أرسم صورة المتظاهرين في شوارع مصر، كصورة مطابقة لسقوط الشيوعية في رومانيا قبل أكثر من 20 عامًا. الصور والفيديوهات التي ظهرت من كاميرا الجوالات على يوتيوب وفيسبوك وتويتر. هي ذات الصور والفيديوهات التي ظهرت من بوخارست، العاصة الرومانية، في 1989.

الناس كانت تبحث عن التغير، التغيير السريع، تبحث عن أي شيء دون معرفة حقيقية لما سيحصل عندما ينتصورا. لكل أولاءك، كان إسقاط الرؤساء المستبدّين بالنسبة لهم، هو النصر الأبدي.

في رومانيا، كان الرئيس نوكلاي تشاوتشيسكو قد صمّم برنامجًا لزيادة عدد الشعب الروماني آملاً في زيادة عدد العمال في المصانع وصناعة ما أسماه: “ديكري 770.” منع كلّ طرق الإجهاض، وسوّق للزواج في كلّ مكان، هادفًا لزيادة الإنجاب. كانت المستشفيات ملآ بالشرطة ورجال المباحث، لكي يضمنوا ألاّ تتم عملية إجهاض لأي إمرأة. فقد يقتل الدكتور الذي يباشر بعملية كهذه!

وصل عدد السكّان أكثر من عشرين مليون نسمة، واحتفلت رومانيا بالطفل ذاك، على دماء آلاف من الأمهات اللاتي لقين حتفهن في محاولاتٍ للاجهاض خارج المستشفيات. ومع ازدياد التشديد على القانون 770، زادت الأوضاع سوءًا، حتى أنّ العائلات لا تملك المال لتربية أطفالهم، فأنشأت الحكومة مبانٍ لرعابة وتربية الأطفال.

لكن البرنامج لم يكن مصممًا لقبول الأطفال المعاقين أو من لا ينطبق عليهم الشروط التي تراها الحكومة. فكان يتم فرزهم كما يتم فرز الحيوانات. فيؤخذ الأطفال البيض المعافين، ويرمى البقية في أماكن لم تكتشف بعضها إلا بعد سقوط النظام.

في بوخاريست 1989، وبعد قرابة عشرون عامًا من بداية قانون 770، أصبحت أولاءك الأطفال، شبابًا، هؤلاء الشباب، ومن في جيلهم، قادوا الثورة على النظام. استولى شباب رومانيا على التلفاز بحثًا عن لحظة تشرق فيها الشمس على رومانيا. تظهر فيها الحرية، وينقشع الظلام الذي حاك على سماءها عقودًا من الزمن. انتصر الشباب، وعُزل الرئيس المستبد، وحوكم (مباشرة) ليصدر في حقه وزجته حكمًا بالإعدام. وعمّت البهجة شوارع رومانيا، النصر، والحريّة، ونهاية الشيوعيّة. لكن، ما أن لبثوا حتى ظهر الرجال الحقيقيون، الجيش وزعماء الحزب الشيوعي كانوا يعدّون العدّة لاستعادة القوّة.

في حين كان الأمل أن تبدأ رومانيا عصرًا ديموقراطيًا حرًا، إلا وعادت سلطة الجيش والقوة لرأس الهرم. تمامًا، كالمتظاهرين في مصر واليمن وسوريا وأينما وجدوا، كانوا ثملين بالحرية، ومستعدين للموت من أجلها، ولكنها حرية “أن نكون مع بعضنا البعض في كتلة مستعرة، وحشود تعيش الجنون” كما وصفها تشارلز ماكاي في عام 1841. ماذا يحدث عندما تنجح، أو وإذا لم تنجح! فلن تبدو كأي شيء مثلما نراه على الشابكة أو على شاشة التلفاز.

في العالم المتماثل، العالم عام 1989، بثت وسائل الإعلام صورًا حقيقية للنضال والمقاومة، ولكنّ تلك الصور لم تضف ما يصل إلى قصة أنيقة تحكي الزوال الشيوعي والانتصار الرأسمالي. إن المشاهد التي رأيناها في سوريا واليمن ومصر، وروح الشباب التي أطاحت بتلك الحكومات، لم تستطع أن ترسم قصةً لانتصار الديمقراطية حتى مع وجود شبكات التواصل الاجتماعي التي بثت الصورة دون سيطرة تلك الحكومات.

في رومانيا قبل عام 1989، كانوا يقولون أنها بلد مباركة بكل شيء: النفط والذهب والتربة الجيدة والمناخ البديع، كانوا يقولون أنّ رومانيا هي تمامًا مثل سويسرا. إلاّ أنّ المشكلة الوحيدة، أنّ الرومانيين ليسوا سويسريون.

في القاهرة في عام 2011، هو الحال في بوخارست في عام 1989. استغرق الأمر الشجاعة لتصور عالم مختلف. في رومانيا، هذا العالم في نهاية المطاف لم يأت، وكان (ولا يزال) أسوأ بكثير ممّا قبل.

الشيء نفسه يحدث الآن مع الدول العربية. حينما كان الأمل العظيم للشعب، هو أبسط الحقوق؛ الحرية. تحولت تلك الدول إلى ثورة مدنية دموية جاعلةً إياها بلدانًا غير مستقرة، أو في أيدٍ مستبدةٍ تكمل مسيرة مستبدة.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.