تخيل ما يلي، تصلنا فجأةً رسالةٌ فضائية، تتكوّن من جملةٍ بسيطةٍ هي “مرحبًا أيها البشر، سنصل إليكم خلال خمسين سنةً لنسيطر على كوكب الأرض، مع التحية”، تخيل لو أتتنا هذه الرسالة اليوم، وبدأ العدّ التنازلي لإفلات الأرض من سيطرتنا، كيف سنتصرف؟ و متى سنبدأ؟

قدوم الفضائيين إلى كوكب الأرض خلال خمسين سنةً لا يوجد عليه مؤشّرٌ حاليًّا، لكنّنا نعرف سلالةً أخرى ستسيطر على الأرض خلال خمسين سنة، وهي الآلات، فخلال حوالي نصف القرن إلى القرن سنتمكّن على الأغلب من بناء ذكاءٍ اصطناعيٍّ يتفوّق علينا في الذّكاء تفوّقًا عظيمًا، ولك أن تتخيل ما قد نصير إليه إن افترقت أهدافنا وأهداف الآلات عند أبسط معضلة.

لكي تتخيل هذا، لا بدّ من أن تدرك أنّ خيالاتك حول الذّكاء الاصطناعي الفائق ملوّثٌ بمشاهد هوليوود، ليس الأمر أنّ الآلات بعد تطوير ذكائها ستقرر كرهنا فجأةً ونعيش في عصرٍ تبحث به الآلات العملاقة عن أي بشريٍّ للقضاء عليه، بل لك أن تعتبر علاقتنا بالذّكاء الاصطناعي الفائق كعلاقتنا مع النّمل، نحن لا نكره النّمل، نحاول ألّا نقتله، ولكنّنا في أي موقفٍ نشعر بشعورٍ مجردٍ حول أنّ النّمل سيقض مضاجعنا، لا نتهاون عن إنهاء حياته وتدمير مستعمرته، مع أنّها أرضه هو ونحن من اجتحناها.

لقد وصلنا إلى حالة إدمانٍ لتطوير الآلات ولن نتمكّن من إيقاف تطويرها اليوم

خمسون سنةً ليست ببعيدةٍ مطلقًا، وحتّى لو أجّلناها بطريقةٍ ما، إنّ أي معدّلٍ لتطوير الآلات والذّكاء الاصطناعي يمكنه أن يتسبب بتدميرنا مهما كان بطيئًا، ونحن لا نستطيع إبطاءه ولا إيقافه اليوم، تخيل أن نمتلك علاجًا للسرطان ولا ننفّذه بسبب خوفنا من الذّكاء الاصطناعي؟ لقد وصلنا إلى حالة إدمانٍ لتطوير الآلات ولن نتمكّن من إيقاف تطويرها اليوم.

سام هاريس Sam Harris هو عالمُ أعصابٍ وفيلسوف، طرح هذه المشاكل حول الذّكاء الاصطناعيّ في حديثٍ له على منصّة TED، يعرض هاريس نموذجًا آخر مفترضًا للذّكاء الاصطناعي، فلو افترضنا أنّنا وصلنا إلى تصميمٍ مذهلٍ للّذكاء الاصطناعي، بحيث لا يتعارض مع سلامتنا أي تعارض، ما الذي سيسببه هذا التطوّر التكنولوجي لنا كبشر؟ بدايةً، قبل البدء في تنفيذه، مجرد سماع الإشاعات عن وجود هكذا تصميم سيسبب الحروب والنّزاعات والانقسامات بيننا كبشر، أما إن طبق هذا التّصميم فعليًّا، فسيخلق لنا عالمًا من عوالم الديستوبيا أين ينقسم البشر إلى مجتمعٍ متمكّنٍ من الآلات الذكية وآخر لا يملك إلى الجوع والفقر.

حتّى لو تخيّلنا أنّ إيلون ماسك Elon Musk وشركة Neuralink نجحا في زرع الذّكاء الاصطناعي في البشر، ما الذي سيغيره هذا؟ لدينا حلٌّ لمشكلة التنقّل وهو السيارات، لكن هل يمتلك كلّ البشر السيارات؟ وهل سيزرع ماسك في كلّ بشريٍّ ذكاءه الاصطناعي؟ نفس نموذج العالم الديستوبي سيطبق بوجود بشرٍ من أشباه الآلات وآخرين من البشر العاديين، لقد استعبد بعضنا الآخر لأنّنا اختلفنا في لون البشرة، أتأكّدنا من أنّنا لن نقيم كلّ حربٍ ومشكلةٍ بسبب الاختلاف في درجة الذّكاء؟

الواقع أن لا حلّ أمامنا اليوم، الخيارات أمامنا أربعة: نتوقّف عن تطوير الآلات فنتضطر لترك ما عهدناه من عصر التكنولوجيا ولا نجد حلولًا للأمراض، أو نتابع في تحسين الآلات إلى مستوًى لا يتفوّق علينا، علمًا بأنّ الآلات سواءً شئنا أم أبينا تنتج في أسبوعٍ ما يعادل عشرين ألف سنةٍ من الذّكاء البشري، أو نزرعها في عقولنا ونقيم الحروب والمجاعات، أو ننتظر غزو الآلات الذي لا مفر منه.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.