تعتبر الفلسفة من أعمق العلوم، وتسمى بأمها، كونها علم يبحث في الجذر والأصل، وما خلف الشيء، والفلسفة تقربنا لفهم عالمنا وفهم ذاواتنا والوعي بها أولاً. وتظهر الفلسفة أو الفكر في نماذج مختلفة نلاحظها إذا ما مرّنا عقولنا على ذلك، فمن أبسط الآثار الفلسفية على الحياة اليومية هو الطعام، طريقة تقديمه وطريقة أكله يعكس الفلسفة السائدة أو الفلسفة التي تحكم الفضاء العام.

شطائر البرجر التي كانت منتجًا يمثل الفلسفة الغربية، ويعكس تطور الفكر الغربي إذ أنها وجبة فردية، سريعة التحضير، لا تختلف إحداها عن الأخرى. ويقابلها مثلا السوشي، الذي انتشر مزامنة مع انتعاش الفلسفات الشرقية واتجاه الكثيرين لها كفلسفات روحية مثل فلسفة الزن واليوقا والكارما.

كلها منتوجات شرقية روج لها تجاريا مثلها مثل السوشي وشطائر البرجر مزامنة مع الاتجاهات الفكرية الرائجة، وهذه الرموز الثقافية لها دورها في التغيير الثقافي والمجتمعي، وهذا صورة ظاهرة لعولمة الحداثة التي تخلق نمذجتها الخاصة، ويتفرع منها نماذج مختلفة في أنحاء الحياة.

Macdonadization

نموذج ماكدونالدز والذي يمثل ظاهرة الأكل كرمز ثقافي أو مايسمى الماكدونالدية والذي كتب عنه عالم الاجتماع جورج ريتز في كتابه The McDonaldization of Society أو «ماكدونالدية المجتمع».

هذا النموذج الذي طرحه ريترز وناقشه ونقد قيمه ووصفه “أن يكون للثقافة صفات تشبه المطاعم السريعة”.

ونستطيع استشفاف هذا النموذج مشهد من فيلم المؤسس “The Founder” حين بُهر راي كروك  بالسرعة التي وجد فيها كيس الطعام بيده، وهي إحدى قيم هذه العلامة، إذ همها أن تنقلك بأسرع وقت وبكفاءة عالية، ولا تعطيك مجالاً للتوقع؛ لأن ملايين الزبائن يتوقعون الخدمة نفسها وأخيرًا توحيد الزي ونظام الخدمة والتي مثل قيمة قابلية السيطرة، والذي يقلل من التواصل مع الموظف بأكثر من وجه، ويصبغ النموذج بآلية ومادية بحتة.

وكثير من القيم أضافها راي كروك لاحقًا إذ أن مشاهد الفيلم سيرى أنا الأخوين رفضوا التوسع وحاولوا التركيز على جودة منتجهم، على عكس راي كروك الذي أسقط قيمة الجودة وصنع نموذج ماكدونالدز العابر للقارات كما هو موجود في عالمنا اليوم.

هذا النموذج تتم محاربته من الشعوب والحكومات والشركات، فمثلاً لا زال بعض الفرنسيين يستهجنون وجود فرع لماكدونالدز في حيهم السكني، بوليفيا كثفت جهودها السياسية لإغلاق جميع فروع ماكدونالدز انتصارًا لصحة شعوب الجنوب ونجد الشركات التي هي على نقيض النموذج الماكدونالدي من حيث اهتمامها بالجودة بدلاً من الكمية، وبعدم سيطرتها على عمالها وجعل الخدمة غير قابلة للقياس والتوقع، أي إنسانية أكثر، وعقلانية أيضًا.

كل شيء قابل لتطبيق نموذج ماكدونالدز

إلا أن هذه المبادئ طالت قطاعات واسعة من المجتمع ولا تجد هذه الآليات، الكفاءة والمحاسبية والقدرة على التوقع والقياس والسيطرة التامة في مطاعم ماكدونالدز فقط أو في مطاعم الوجبات السريعة فهو يمتد للسياحة والتسوق وحتى التعليم.. أي أن كل شيء قابل لتطبيق نموذج ماكدونالدز للحصول على ذات النتيجة وتكرارها بلا عقلانية.

ففي نطاق الشركات مثلاً يتوقع من العامل بشكل متكرر أن يقوم بمهام محددة في وقت محدد بكفاءة عالية تحت رقابة تستخدم التقنية وتعتمد على النماذج وتستبعد كل اعتبارات إنسانية، أو شخصية لإتمام العمل في أسرع وقت، ويتم التخلص من العلاقات بزيادة الإجراءات التي يقوم بها العميل بنفسه، مثل تعبئة النماذج الجاهزة، والتخلص من بقايا الطعام بنفسه، وكل أشكال الخدمة الذاتية.

تأثير الماكدونالدية

ويصف أحمد زيد في كتابه عولمة الحداثة وتفكيك الثقافات الوطنية يشرح تأثير الماكدونالدية على التعليم”إن الأساتذة نفسهم يشبهون عمال مطاعم ماك حيث يؤدون أعمالهم من أجل إعادة إنتاج المعرفة لا خلقها، وحتى الباحثون عن المعرفة يعملون على طريقة ماك في الحصول على المعرفة السريعة، وفي تنظيم البحوث بطريقة نمطية على المنوال نفسه الذي ينظم به عمال ماك شطائرهم”. كون النظام التعليمي خاصة التعليم العالي يخضع لمتطلبات التنبؤ والكفاءة والمحاسبية والضبط.

مشكلة هذا النموذج أنه لا عقلاني ويحاول تجريد العلاقات الإنسانية، وقدراتها على التوقع، وتحجيم الاتصال، وينصب على جلب المكاسب لا على تكوين حياة لها أهداف واحدة.

يسميها رترز (طرائق الاستهلاك الجديدة) وهي الأشياء التي يمتلكها الرأسماليون ويريدون منك أن تمتلكها، من ذلك المطاعم الرخيصة، وبطاقات الائتمان، والمحلات التجارية، ومواقع التسوق الإلكترونية. انتشارها لا يعني انتشار لأساليب تجارية أو أساليب استهلاكية جديدة فحسب، ولكنه يشير إلى انتشار أساليب ثقافية ورمزية، ويغير من أساليب الناس في الحياة والعمل وعلاقتهم ببعضهم البعض، ويفرض أعباء استهلاكية، حيث يدفع الناس إلى شراء ما يفوق على حاجتهم  من المحلات التجارية، وصرف نقود لا يملكونها من بطاقاتهم الائتمانية، وتناول أطعمة تحت ضغط الدعاية والإعلان، وتتبدل الحياة ويدخل الناس في عالم جديد هو عالم ماكدونالدز. من كتاب: عولمة الحداثة وتفكيك الثقافات الوطنية، أحمد زيد.

هل أعيش في عالم ماكدونالدز؟

وعالم ماكدونالدز لا يكون بالضرورة مكانا يعج بشطائر البرجر، ولا أي مكان يتسم بالسرعة، والمسافة الكبيرة بين العميل والعامل. إنها فكرة النموذج، فكرة الثقافة الاستهلاكية، والرموز التي يمثلها هذا النموذج للفكر الغربي والفكر الرأسمالي. العالم الذي يخضع لعدة قيم هي قيم ماكدونالدز قد يكون مكانك الذي تتعلم فيه، أو مجال مهنتك أو هوايتك، حتى أسلوب حياتك اليومية قد يكون ماكدونالديًا يرى نموذجًا واحدًا للنجاح، وكل مايخالف هذا النموذج فشل بالضرورة، اسأل نفسك مجددًا، ترى هل أعيش في عالم ماكدونالدز؟

 



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.