يقول زيجمونت بومان في كتابه “الحداثة السائلة”: إن مرحلة الحداثة الصلبة خلال القرنين الماضيين، كان يتربع فوق عرش قيمها قيمة “الأمن” وهي القيمة التي تحافظ على ثبات النماذج السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في عالم متغير ومتحول. ولكن في العصر الحالي وهو عصر الحداثة السائلة -كما يسميه- فإن قيمة “الحرية” احتلت عرش القيم لهذا العصر.

هل العرب في ثورات الربيع العربي كانوا يبحثون عن الأمن أم الحرية؟

هل العرب في ثورات الربيع العربي كانوا يبحثون عن الأمن أم الحرية؟ أم كلاهما معًا. ولكن يبدو لي أنهم قدموا الحرية على الأمن بمظاهراتهم وهتافاتهم التي تعرض أمنهم للخطر. كانت الحرية هي الغاية الجديدة التي يريدونها بعد عهود من القمع وتكميم الأفواه. لازال الربيع العربي على -رغم الانتكاسات التي تبعته- ملهمًا لأحرار العالم للتحرر من ربقة الطغيان والظلم والاستبداد والفساد.

الحرية والاستقلال السياسي هي التي دفعت محمد صلى الله عليه وسلم ليخرج من مكة إلى أرض جديدة يجد فيها نفسه حرًا لقول الحقيقة ولبناء المجتمع المسلم الجديد. يقول عبد الكريم بكار وهو الباحث الإسلامي المعروف  إن الحرية مقدمة على تطبيق الشريعة لأنه لا يمكن أن يختار الشعب من يحكمه وهو لا يملك الحرية لذلك الاختيار.

وكذلك علي عزت بيغوفيتش في كتابه “الإسلام بين الشرق والغرب” يرى “إن قضية الخلق هي قضية الحرية الإنسانية” ولا يمكن تصور إنسان بلا حرية، لأننا بذلك ننفي وجود الإله. بمعنى؛ لا ألوهية بدون حرية الإنسان. فالعقاب والثواب لا يمكن تصورهما بلا إنسان فاعل ذو إرادة حرة. ويضيف بيغوفيتش: “فالله وحده هو القادر أن يخلق مخلوقًا حرًا، فالحرية لا يمكن أن توجد إلا بفعل الخلق.” فبيغوفيتش يرى أن الفرق الأساسي بين الإنسان والحيوان هي “الحرية”.

ولذلك نجد أن من أكبر القواعد التي يرسيها الإسلام في حياة الناس قاعدة “لا إكراه في الدين”، فلا يوجد متدينون حقيقيون تحت طائلة الإكراه، فالمتديّن المكره يسمى في النهاية “منافق”. والإسلام ليس بحاجة لأتباعٍ منافقين. ولذلك يقول الباحث الإسلامي د. جاسم سلطان إذا نزعنا من الإنسان حريته؛ فَقَدَ إنسانيته.

علينا أن نسأل هل الحرية نعمة أم نقمة؟

يورد بومان قصة خيالية عجيبة للألماني “ليون فويتشفاغنر” والتي تتحدث عن بحَّارة سحرتهم ساحرة تدعى “سيرسي” وحولتهم لخنازير. ثم حاول رجل يدعى “أوديسوس” إنقاذهم ولكنهم هربوا منه جميعًا. حتى أَلقى أوديسوس القبض على أحدهم -يدعى “إلبينورز”- ودهنه بالعشبة العجيبة فعاد إنسانًا حرًا. ولكن الطريف والعجيب ما قاله إلبينورز لمنقذه أوديسوس: “ها أنت عدت أيها الوغد، أيها الدّخال في شؤون الغير؟ عدت ثانية لتزعجنا وتنغص علينا، تريد مرة أخرى أن تعرِّض أجسادنا لأخطار وتضطرُّنا إلى اتخاذ قرارات جديدة دومًا؟ لقد كنتُ في غاية السعادة، كنتُ أتمرَّغ في الوحْل والتراب، كنتُ أتشمَّس في ضوء الشمس، كنتُ أعْلفُ الطعام عَلْفًا، وأعُبُّ الشرابَ عبًّا، كنتُ أقبعُ وأنخرُ، كنتُ مُتحررًا من التأمل والتردد: ‘ماذا أفعل: هذا أم ذاك’؟. لم أتيت؟! أجئت تعيدني مرة أخرى إلى هذه الحياة الكريهة المقيتة التي كنت أحياها من قبل؟”

هل يذكركم تذمر إلبينورز هذا بشيء؟ هل سبق وسمعتم من يحذر الناس من الحرية؟ يخوفهم منها؟ يعبر عن خوفه وقلقه منها؟ هناك قطاعات عريضة من الناس تخاف من الحرية، ترى أن تسلط الحكومات والمجتمعات يحميهم من فساد أنفسهم ومن شرور الآخرين. هل هم يكرهون الاختلاف؟ هل يظنون أن الحرية ستجعل غيرهم يختلف عنهم؟ ولا يسعهم الصبر لرؤية أولئك المختلفين يعيشون معهم ويأكلون الطعام أمامهم، ويمشون في أسواقهم، ويحملون نفس جوازات سفرهم؟

إنهم يرون أن الروتين الذي يفرضه المجتمع والدولة عليهم يعفيهم من عناء البحث عن الإبداع ومن تبعات الحرية التي تفتح لهم خيارات جديدة مرهقة. مَنْ أَلِفَ حياة العبودية فالحرية له تعتبر كابوس مخيف مزعج. يقول الكاتب هربرت سباستيان آغار في كتابه (آن أوان العظمة): ” الحقيقة التي تجعل الناس أحرارًا هي في الغالب الأعم؛ الحقيقة التي لا يفضل الناس أن يسمعوها”.

الفزع من الإنسان الطليق

وليس عامة الناس هم فقط من يخاف الحرية؛ فكذلك عدد من الفلاسفة يخافون الحرية. فقد أشار بومان لما يسمى “الفزع الهوبزي” من الحرية. في إشارة للفزع والخوف الذي أبداه الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز من “الإنسان الطليق”، فهو يرى أن المرء إذا تحرر من قيود المجتمع تحول إلى وحش من الوحوش وليس إلى فردٍ حرٍ. وكذلك الفيلسوف إميل دوركايم يرى أن تحرر الفرد يبدأ باستسلامه لمجتمعه وخضوعه لقيم ذلك المجتمع. ويرى أن مجرد التمرد على قيم ذلك المجتمع يؤدي بصاحبه إلى حرب مع ذلك المجتمع والتي لا يتحمل ذلك المتمرد نتائجها.

في المقابل هناك من يرى أن العصر الإسلامي هو من أكثر العصور حرية في تاريخ البشر. ففي عصر النبي صلى الله عليه وسلم -وما تبعه من عصور إسلامية- كان اليهود والنصارى أفراد للدولة المسلمة يلبسون ما يريدون ويأكلون ما يريدون ويتعبدون كيفما يريدون. كان الفضاء العام مفتوحًا لهم ولغيرهم، فتاريخ المسلمين كان عامرًا وحافلًا بالحرية لأتباع الأديان الأخرى في بلاد المسلمين، وفي عصرنا تجد من يضيق بحرية ولد جيرانه في لباس أو اختيار من اختياراته.

لا يمكن أن يكون هناك تعايش بلا حرية

ومع التحول الحالي لمفهوم الدولة، من الدولة الإمبراطورية إلى الدولة القُطرية الحديثة؛ فَهِمَ العالم أهمية التعايش بين أفراده بحرية، وفَهِمَ الناس أنه لا يمكن أن يكون هناك تعايش بلا حرية. ويبقى لهم وضع الحدود والأطر التي تنظم تعايشهم وحريتهم. الحداثة والحضارة الحالية تدفع نحو تحرر للأفراد من قيود الجماعة والمجتمع ولكن المجتمع الإسلامي يجب أن يصل لصيغة جديدة لضبط وتوجيه هذا التحرر وفق أصول الإسلام ومبادئه.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.