هل سبق لك التفكير من قبل عن السبب في أن كل منافذ USB في جميع الأجهزة الإلكترونية تأتي بنفس العرض والطول؟ أو ربما عن السبب في أن الأقراص المدمجة (CDs) في السابق تتوافق مع كل الأجهزة؟ أو حتى عن سبب وجود شكل واحد، وبقطر محدّد، منفذًا لسماعات الأذن في جميع الهواتف الذكية والسيارات وأجهزة الحاسب المكتبي والمحمول؟

هذه الأمثلة تسمى بالمعيار التصنيعي، حيث منفذ سماعات الأذن وقطرها مثلًا هو معيار صناعي موجود منذ 65 سنة. لكن السؤال الأهم من كل ذلك هو، كيف تتفق كل هذه الشركات من كل دول العالم على التصنيع بنفس المعايير، ومن هو الذي يحدد هذا المعيار؟!

في القرن التاسع عشر، وبعدما قام توماس أديسون (Thomas Edison) باختراع المصباح الكهربائي، اكتشف أن الناس سيحتاجون للكهرباء لتشغيل تلك المصابيح. بدلًا من بيع المصابيح فقط، قرر أديسون بيع الكهرباء أيضًا. كان أديسون رائدًا في بناء أنظمة الطاقة، فقام بإنشاء شركة لإنتاج التيار الكهربائي في نيويورك. الطريقة التي استخدمها أديسون حتى ينقل التيار من المحطات الكهربائية إلى بيوت الناس كانت تُعرف بالتيار المستمر أو المباشر (Direct Current (DC وهو نظام لتوليد الطاقة الكهربائية وتوزيعها.

في ذلك الوقت وتحديدًا في عام 1882، واجه أديسون تحديًا كبيرًا وهو أن التيار المستمر لا يسمح له بنقل الكهرباء على مسافات بعيدة، حيث كان يتوجب عليه وضع مُولّد كهربائي في كل 1600 متر تقريبًا (ما يقارب ميلًا واحدًا) لتجنب انخفاض الضغط. لحل هذه المعضلة، قام أديسون بالاستعانة بنيكولا تيسلا (Nikola Tesla) لإيجاد طريقة أفضل من التيار المستمر، حيث قام تيسلا بدوره بابتكار التيار المتردد (Alternating Current (AC، وحيث يمتاز ذلك التيار بنقل الكهرباء على مسافات طويلة جدًا مثل ما نراه حاليًا مع خطوط الضغط العالي ونظام الشبكة بشكل عام. لم يقتنع أديسون بابتكار تيسلا وقرر أن يستمر باستخدام التيار المستمر. لكن، وفي الجانب الآخر، هناك من يُنشأ شركة كهرباء للتو لينافس بها شركة أديسون الكهربائية، إنه جورج ويستينجهاوس (George Westinghouse)!

قام ويستينجهاوس بالاشتراك مع تيسلا للعمل على شركة كهربائية تستهدف المناطق الريفية باستخدام التيار المتردد (Alternating Current (AC. كان التيار المستمر أو  المباشر DC والذي تنتجه شركة أديسون الأكثر جاذبية في المناطق الحضرية المكتظة بالسكان، في حين قدّم التيار المتردّد AC والذي تنتجه شركة ويستينجهاوس نجاحات في المدن الصغيرة والمناطق الريفية. في بداية الأمر، كانت شركة أديسون لا تواجه أية مشاكل حيث يعمل نظامها بشكل جيّد داخل كل مدينة. لكن، ومع الوقت، ظهر بأن التيار المتردّد AC أفضل بكثير من التيار المستمر DC.

حرب الدوائر الكهربائية!

حينها شعر توماس أديسون بالخوف أنّ ويستينجهاوس سوف تلتهم السوق، وأن النظام الكهربائي سيتحول بالكامل ليعمل على التيار المتردّد AC، وهو الشيء الذي حدث في النهاية. نشبت عدة معارك بين الشركتين في الفترة 1887-1892. الصراع الذي لم يقتصر على المنافسة في السوق فقط، بل امتد إلى قاعة المحكمة، وعلى الساحة السياسية، والعلاقات العامة، والأوساط الأكاديمية. لكن قبل ذلك، كان أديسون على استعداد لأن يعمل أي شيء بأي طريقة لتدارك الأمر والحفاظ على مكانة الشركة. وكعادة أي شركة تكتشف أن منتجها سيء ولا يتوافق مع السوق، تذهب وتصرف أموالًا طائلة في التسويق بدون دراسة حقيقية وإعادة نظر في المنتج نفسه! هذا هو تقريبًا الذي قام بفعله أديسون، لكن بطريقة سيئة أكثر وغير أخلاقية.

في وسط هذا التنافس بين الشركتين والذي يُعرف الآن بحرب الدوائر الكهربائية. في نوفمبر، عام 1887، وصلت رسالة لأديسون من طبيب في بوفالو، نيويورك، والذي كان يحاول إيجاد طريقة أكثر إنسانية من الإعدام شنقًا، بعد أن شاهد رجلًا في حالة سكر يقتل نفسه بالخطأ عن طريق لمس مولد كهربائي. أصبح الطبيب ألفريد بي ساوثويك مقتنع بأن الكهرباء يمكن أن توفر طريقة أسرع، وبديلًا أقل إيلامًا للمحكوم عليهم بالإعدام. رغم رفض أديسون عقوبة الإعدام وإلحاح الطبيب ساوثويك، أدرك أديسون الفرصة، فكتب للطبيب أنه سوف يدله على شركة تنتج الكهرباء بضغط عالي جدًا وبإمكانها أن تقتل الإنسان بثواني. لقد كان يقصد شركة ويستنجهاوس!

قام بجلب كلبًا وربطه بالكهرباء ثم جَعلهُ يموت أمام أعين الناس

الآن، وعند معرفة الناس بأن الكهرباء ذات الضغط العالي تُستخدم في الإعدام، لن يسمحوا لها بأن تدخل بيوتهم خوفًا منها. وحتى يقوم أديسون بإقناع الناس بتلك الفكرة، قام بجلب كلبًا في وسط إحدى الحدائق في نيويورك وقام بربطه بالكهرباء ثم جَعلهُ يموت أمام أعين الناس في ثواني معدودة. بالتأكيد أن النظام الكهربائي لدى شركة ويستنجهاوس انتصر في نهاية المعركة لأنه الإختراع الأفضل. كان إديسون مخترعًا عظيمًا، لكنّه مسوّقًا غبيًا جدًا!

نأتي للنقطة التي بدأنا بها المقالة، حرب الشركات على فرض معاييرها التصنيعية لأجل أن تمتلك السوق موجودة في كل صناعة، لكن أيضًا كان لها دور مهم في الحرب العالمية الثانية. خلال الحرب العالمية الأولى والثانية، كانت القطارات هي وسيلة النقل الأساسية للتموينات والجنود. عربة القطار كان يجب أن تكون متوافقة مع عرض سكة الحديد التي تسير عليها، لكن سكك الحديد لم تكن بنفس العرض في كل الدول في ذلك الوقت! بالإضافة للأسباب الأخرى، عندما حاول الألمان التقدم في الأراضي الروسية اكتشفوا أن قطاراتهم لا تستطيع أن تسير على سكك الحديد الروسية، فتأخروا وانهزموا. وفي أميركا، انتعشت بعض المدن بسبب أنه عندما تمر سكة الحديد في مدينتهم يتغير عرضها وبالتالي فإن المسافرين كانوا يضطرون للتوقف في المدينة والانتقال من قطار إلى آخر.

iPhone

عندما قررت شركة أبل التخلص من مدخل السماعة في iPhone، كانت تحاول فرض معيار تصنيعي على العالم، وبالإمكان أن تنجح كونها شركة لها ثقلها في السوق. مع أن هذا الأمر أتى ضد رغبة المستهلكين أنفسهم، لكن الشركات تنجح بالسيطرة على السوق من خلال بناء الشبكة الخاصة بها. تأثير الشبكة يحصل عندما تكون مسيطرًا على السوق لدرجة أن كل لاعب جديد يحاول الدخول للسوق، فهو يجب أن يلعب بالقوانين التي تصنعها أنت. في بدايتها، أبل فرضت على السوق نظام الواجهة الرسومية، وهي ما نراه اليوم بدلًا عن الشاشة السوداء التي تقوم بإدخال الأوامر فيها. عندما اكتشفت مايكروسوفت أن عليها التّحول لنظام الواجهة الرسومية، قاموا بالدفع لأبل حتى يتمكنوا من استخدام تلك الواجهة.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.