هنا قصة. تبدأ من نهاية الاتحاد السوفيتي نهاية القرن الماضي. وتشرح خيارات المستقبل لأي دولة تود أن تحيا مع الموجة الثالثة لتطور الاقتصاد على هذه الأرض.

فلكي تكون ناجحًا يجب أن يكون المجتمع مفتوحًا للعالم، يتبادل الأفكار الجديدة، والأبحاث العلمية، ويسعى خلف المشاريع الإبداعية، وأنت تدعمه حتى لو فشلت تلك المشاريع. النجاح يتطلب هذا الانفتاح على العالم. لا تستطيع أن تتعامل مع العالم وأنت تعتبره عدوًا يتربّص بك. فقد فشل مشروع ديمتري ميدفيدف (Dmitry Medvedev) لإنشاء النسخة الروسية من سليكون فالي -والذي حصل على استثمارات قارب 10 مليار ريال من مايكروسوفت وسامسونج وIBM وغيرها. فكيف تنجح صناعة تقنية مع رئيسٍ يجد الإنترنت مشروعًا استخبارتيًا من الولايات المتحدة. يذكر إنّ بوتِن لم يرسل بريدًا إلكترونيًا قط!

لا يزال بوتن عالقًا في القرن الماضي. لا يفهم ما هو الاقتصاد والقوة في قرن الواحد والعشرين. فاقتصاد هذا القرن هو اقتصاد المعلومات والإنترنت، لا اقتصاد الزراعة والصناعة.

لكن لنغضّ البصر عن روسيا بوتِن، ونعود بالزمن حينما انهار الاتحاد السوفيتي، وتحرّرت دولٌ عدة. كان منهم جارتين ترسمان أفضل مثال بين دولة تعيش للمستقبل، ودولة ضاعت في غياهب الليول. أستونيا، وبلاروسيا.

جارتان متقاربتان جغرافيًا وثقافيًا وأنثروبولوجيًا

أستونيا وبلاروسيا، هما جارتان متقاربتان جغرافيًا وثقافيًا وأنثروبولوجيًا. اتخذت كلّ منهما طريق مختلف. أستونيا اختارت الانفتاح على العالم، والثانية اختارت الانعزال.

اليوم، نجد أستونيا واحدة من أبرز الدول ابتكارًا على مستوى العالم. لكن، كيف هي عندما تحرّرت؟ في عام 1992، كان اقتصادها في القاع، المواطنون يعانون، والعملة لا تسوى شيئًا، ورغيف الخبز أصبح نادرًا، والأسواق خالية على عروشها، لا حليب، ولا ماء، ولا دواء.

انهار الإنتاج الصناعي في أستونيا بما يزيد عن 30%. هذا أكثر مما حصل في الكساد الأعظم في أميركا. والتضخّم زاد عن 1000%، والوقود للسيارات ارتفع ارتفاعًا جنونيًا بنسبة 10,000%. ازدادت نسبة الجريمة، واختلّ الأمن، وحدود الدولة غير مستقرة، ما فتح بابًا للمجرمين من الخارج لتزيد الطين بلّة. هذا كلّه كان يحصل في وقت كانت سيلكون فالي على وشك الإنطلاق للعالم الجديد!

استلم رئاسة الحكومة في ذاك العام، السيد مارت لار (Mart Laar). قال في خطابٍ مع بداية رئاسته: “إمّا أن نبدأ العمل، أو نموت فورًا.” وقامت الحكومة بخفض الصرف الحكومي، وإيقاف الدعم، وعمل على أن يحوّلها من دولة تعيش الفقر والخوف، إلى دولة مستقرة.

في عام 1995، وصلت الحكومة للهدف. واستقرّ الاقتصاد، وهبط التضخم من 1000% إلى 29%. حينها، بدأت الحكومة في فتح أبوابها للعالم كلّه، ودعمت الإبداع والابتكار بشكلٍ لم يسبق له مثيل. وأزالت كلّ القيود التي وضعت على الاستيراد من أصقاع العالم. وأصدرت قانونًا يسمح للأجانب بشراء الأراضي والاستثمار.

وفي تلك الأثناء، بدأت تعمل على بناء بنيةٍ تحتيةٍ صلبة. كانت وجدت أن الهاتف لم يصل إلاّ لنصف الأستونيين، فقرّرت ألاّ تضيع وقتها في الهاتف، وتبدأ من حيث انتهى العالم. فصمّمت شبكة خاصة معتمدةً على الإنترنت.

في عام 1998، جميع مدارس وجامعات أستونيا كانت متصلة بالإنترنت! (4 سنوات فقط بعد إنطلاق الإنترنت تجاريًا للعالم). أصبحت ممحورًا للاستثمار العالمي. وحصلت على مجموع استثمار خارجي يزيد عن أي دولة في وسط أوربا آنذاك.

الدولة تبدع وتبتدع في كل جانب ممكن

في مايو 2004، انضمت أستونيا للاتحاد الأوربي. وتتابعت الحكومات على أستونيا في دعم فكرة الإبداع والابتكار. فيقول الرئيس توماس ألفيس (Toomas Ilves) إن الدولة تبدع وتبتدع في كل جانب ممكن. أصبحت واحدة من أفضل دول الاتحاد الأوربي اقتصادًا، وارتفع الناتج القومي 15 ضعفًا ما كانت عليه إبّان الاتحاد السوفيتي. وخرج من أستونيا واحدًا من أهم برامج الاتصال عبر الإنترنت، Skype.

ولأن الدولة تؤمن بالابتكار، كانت أول دولة في العالم تفعّل التصويت للرئاسة عبر الإنترنت، كان هذا في عام 2007. واليوم، في حين أنّ الأميركان يَكرهون ويُكرهون على تعبئة نموذج تحصيل الضرائب بشكل بدائي، نجد أستونيا تقدم تجربة مختلفةً، حيث أنّ 95% من الشعب يقومون بتعبئة في 5 دقائق فقط وعبر الإنترنت.

المشروع الذي اجتمعت ردود الفعل عليه في كلمة واحدة: واو

لربّما، تظنّ أن التصويت، وتحصيل الضرائب عبر الإنترنت، ليس بالابتكار الـ (واو). ماذا عن الإقامة الإلكترونية؟! هذا المشروع الذي اجتمعت ردود الفعل عليه في كلمة واحدة: واو. ففي نهاية 2014، أعلنت الحكومة عن نظام الإقامة الإلكترونية (E-residency)، ليكون متاحًا لأي شخص في العالم. التفديم والموافقة وكلّ شيء يتم عبر الإنترنت، وتحتاج اليوم لرحلة واحدة لأستونيا لتسجيل البصمات. وتعمل الحكومة إلغاء الزيارة، لتكون الزيارة لإحدى سفاراتها في العالم.

اقرأ هذا المثال المذكور في موقعها الرسمي:

“تمكن الإقامة الإلكترونية ريادي أعمال هندي الجنسية لإنشاء شركة أستونية يتم تشغيلها من سنغافوره ليخدم أشخاصًا في ألمانيا. كما أنّه يستطيع أن يستخدم التوقيع الإلكتروني لتوقيع العقود مع عملاءه في أي من دول الاتحاد الأوربي. هذا كلّه، يتم عبر الإنترنت.” أهناك أكثر من هذا الإبداع، إبداع؟!

ولأستونيا مع التعليم شكلٌ مختلفٌ. يقول ألفيس: “لتكون منافسًا في اقتصاد الغد، نحن نقوم بصناعة جيل قادر على الإبداع في زمن الروبوتات والذكاء الاصطناعي. وهذا واحد من الأسباب التي تجعلنا نعلّم أطفالنا من الصف الأول إبتدائي كيف يبرمج.” وكذلك يتم تعليم اللغات من الصف الأول.

كل الطلاب يتعلمون البرمجة من الصف الأول الإبتدائي

تدفع أستونيا على التعليم أكثر من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأي دولة أوربية (بالنسبة للناتج القومي). كل الطلاب يتعلمون البرمجة من الصف الأول الإبتدائي.

تطمح أستونيا لمنافسة الصين. وقد تتسائل كيف يعقل أن تنافس دولة صغيرة مواطنوها أكثر من مليون بقليل، مع دولة مواطنوها يزيدون عن المليار بقليل! لكن، عندما يتم صناعة روبوتات، فتصبح أستونيا قادرة على فعل ما يقوم به العمّال في الصين، إلا أنّ أستونيا ستقوم به من خلال الروبوتات. ويبقى للأستونيين مجال الإبداع والابتكار.

لحظة! ما هو حال جارتها بلاروسيا؟ فهي لا تملك أيًا من مظاهر الحياة التي تملكها أستونيا، فمنذ عام 1994 وحتى اليوم، لا يزال ألكسياندر شولولنكو، رئيسًا للحكومة (بالانتخاب). وتسيطر الحكومة على السياسة والاقتصاد، متقوقعة على نفسها، تخشى العالم كما لو أنّ العالم كلّه يتربّص بها. المظاهرات فيها، جزءٌ من الإرهاب، والآلة الكاتبة أعلى مراحل التطور لديهم. وفي حين أن الأستونيين يصنعون الآلات والروبوتات، لا يزال البلاروسيون عمالاً في الأماكن الأكثر خطرًا والتي الروبوتات في أستونيا تقوم بها.

يقول رئيس أستونيا، توماس ألفيس، عن التشابه بين الدولتين عندما تحرّرتا: “لا أعتقد أنه كان هناك فرق بين الدولتين عند التحرير 1991-92.” إلا أنّ الانفتاح على العالم، كان الفيصل بينهما.

ولنتوقف البحث عن وادٍ كسيلكون فالي. فقد نتوه بين أودية الحجاز بحثًا عن وادٍ ينقذنا. ولنبحث عن مملكةٍ  أستونية الروح.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.