في جامعة إنديانا Indiana University درس الطّلاب مادّةً بعنوان “مبادئ العلاقات العامة”، وفي أوّل يومٍ دراسي عرض الأستاذ لانير هولت Lanier Holt نتائج بحثه عن أسماء طلّابه على Google، مظهرًا لهم كمية النتائج غير اللائقة بهم التي يمكن الحصول عليها بالبحث عن أسمائهم فحسب، وشارحًا لهم أنّ مسؤولي التوظيف في الشّركات التي سيتقدّمون على وظائفها سيفعلون لهم نفس ما فعل.

الأمرُ لا يتوقّف عند طلّاب جامعة إنديانا، نشر مركز البحث Pew Research Center إحصاءاتٍ تخصُّ تعامل المراهقين مع الشبكات الاجتماعية ونشرهم للمعلومات الشخصيّة عليه، بادئًا المقال بالإشارة إلى أنّ الشّبكات الاجتماعيّة تشجّع المستخدمين على نشر أدقّ المعلومات الشخصيّة عنهم وتوسيع شبكات علاقاتهم.

تغريدةٌ عنصرية نشرتها على تويتر إلى طردها من عملها وتدمير حياتها

حسب الإحصاء، صار المراهقون ينشرون المزيد من المعلومات عن أنفسهم أكثر مما مضى، 91% منهم نشر صورةً شخصيةً له، و71% نشروا عنوان إقامتهم، و53% نشروا معرف بريدهم الإلكتروني، و20% نشروا رقم هاتفهم. أكثر من نصف المراهقين ينشرون أسماءهم الحقيقية، واهتماماتهم الشخصية، وتاريخ ميلادهم، ومع كلّ هذا، لا يأخذ إلّا  9% من المراهقين خصوصيتهم على محمل الجدّية.

لماذا على الشّباب أن يعتبروا خصوصيتهم أهم ما يقلق عليه عند التّعامل مع شبكات التّواصل الاجتماعية؟ لأنّ اكتشاف أي محتوًى مخالفٍ أو غير قانونيٍّ أو ما شابه ذلك سيكون تهديدًا مباشرًا لحياتهم العملية الحالية والمستقبلية، أحد أشهر الأمثلة على هذا غربيًّا هو جستين ساكو Justine Sacco، عاملةٌ في مجال العلاقات العامة أدّت تغريدةٌ عنصرية نشرتها على تويتر إلى طردها من عملها وتدمير حياتها، رغم أنّها لم تمتلك سوى 170 متابعًا.

في أي عصرٍ كان ضغط زرٍّ كفيلًا بتدمير حياتك؟

ففي عام 2013، سافرت ساكو إلى جنوب أفريقيا لقضاء إجازتها مع العائلة، وأثناء انتظارها قبل دقائقٍ من سفرها أرسلت تغريدةً تقول “ذاهبةٌ إلى أفريقيا، أرجو أن لا أصاب بالإيدز، أنا أمزح، فأنا بيضاء!”، في أي عصرٍ كان ضغط زرٍّ كفيلًا بتدمير حياتك؟ في هذا العصر، ضغطت ساكو زر إرسال التّغريدة لتنزل من الطّائرة واسمها في الوسم الأعلى تداولًا عالميًّا على تويتر.

ثقافة الإهانة الجماعية هي أمرٌ لم يبزغ في عصرٍ أكثر من عصر الشابكة، إنّه لمؤثّرٌ في الحياة العامة لدرجة أنّ فئةً كاملةً من فئات البرامج التلفزية تخصّص جزءًا منها للسماح للمشاهدين بممارسته على مشاركيها، خذ كمثالٍ برامج الغناء التي تشتهر فيها لقطات الضحك والاستهزاء بمغنّيين لم يرقوا لذوق لجنة التّحكيم، نفس الأمر جارٍ مع برامج المواهب ومفتقري المواهب فيها، إنّ أحد جوانب هذه البرامج هو تعمد إحراج المتسابقين لا لشيءٍ إلّا ليشعر المشاهد بأنّ هنالك من هو أسوأ منه في العالم.

ثقافة الإهانة هذه دفعت جون رونسون Jon Ronson لنشر كتابه بعنوان “لقد أهنت جماعيًّا، إذن؟” So You’ve Been Publicly Shamed عارضًا فيه قصصًا غيرت فيه نقرةٌ كان لها صدًى أوسع من غرفة صاحبها مجرى حياة شخصٍ آخر، في حين لم يرى صاحب تلك النّقرة إلّا أنّه عاملٌ صغيرٌ لن يؤثّر في حياة أحد.

هنالك سعرٌ لكلّ ذنب

تبدو الإهانة الجماعية فعلًا منطقيًّا صحيحًا، وكثيرٌ من المشاركين في حملات التّشهير بشخصياتٍ مغمورة لا يرضون بأن يعتبروا متنمرين إلكترونيين، بل يرون أنّ خطأ هذا الشّخص كفيلٌ بمنح الجميع أحقّية القصاص، ولكنّ هذا خطأ، فلن ترضى أنت بأن تعاقب بالحبس مدى الحياة مع الأعمال الشّاقة لأنّك كسرت زجاج جارك بالخطأ.

هنالك سعرٌ لكلّ ذنب، وفي الإهانة الجماعية أنت تدفع سعرًا أكثر مما ارتكبت، لو أنّك قلت تعليقًا عنصريًّا وأنت بجانب صديقك فقد يغضب منك ويهينك وأنت تستحقّ ذلك وإن اعتذرت لاحقًا فسيسامحك، أما إن أخطأت على الشّابكة فسيظلّ خطأك محفوظًا مدى الحياة، ستطرد من وظيفتك، سيتبرأ أصدقاؤك منك، ستمتنع الشّركات عن قبولك لاحقًا، وقد ينتهي الأمر بك مفلسًا، وحيدًا، مكتئبًا، لا لشيءٍ سوى لأنّ أحدهم على الشّابكة أحب بأن يشعر بأنّ هنالك من هو أسوأ منه حالًا في جانبٍ من الجوانب، إن كنت مشاركًا في إحدى حملات الإهانة الجماعية فتوقّف، فقد يأتيك الدّور يومًا.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.