لا تخطئ ملاحظة أبسط مستخدمي الإنترنت في السعودية، أن شركات الاتصالات لا زالت غير قادرةٍ على مواكبة وتلبية كل الاحتياجات لديه. فاليوم، أصبح الإنترنت جزءًا ثابتًا من أسلوب الحياة اليومية لدينا. لا يستطيع أحدٌ أن يوقف طوفان التقنية، ورغبتنا في الاعتماد عليها. وعندما يتم إيقاف أي خدمةٍ تسهّل حياتنا وتوفر المال علينا بحججٍ غير واضحةٍ ستجد أننا لن نتوقف عن المطالبة، بمعرفة الحقيقة.

الأمر الذي دعاني للبحث والتساؤل عن مدى جدية الجهات المختصة برفع جودة خدمات الإنترنت والاتصال لدينا. فباعتبار أنّ السعودية تحتل المركز الأول عالميًا من ناحية مؤشر المنافسة لخدمات الأنترنت، والمركز التاسع من ناحية مدى نجاح الحكومة في تشجيع استخدام التقنية. إلا أننا مازلنا نحتل المركز التسعين من حيث متوسط التكلفة، والمركز السادس والسبعين من حيث السرعة. فمالذي يحدث هنا؟

تابع قناة ثمانية على يوتيوب

عندما أعلنت أبل عن متجر التطبيقات في عام 2008، ظهر كمٌّ هائلٌ من التطبيقات التي غيرت نظرتنا للعالم. فبدلاً من أن تنزل في الشارع لإيقاف سيارة أجرة، أصبحت تطلبها من جوالك. وبدلاً من المكالمات والرسائل المكلفة والمحدودة، ظهرت تطبيقات الاتصال عبر الإنترنت والتي غيرت الطريقة التي نتواصل فيها مع الناس. بينما سمحت وزارة النقل لأوبر وكريم بتعزيز التقنية في نقل الناس، رفضت هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات، وبادرت بحجب التطبيق تلو الاخر، خلال السنوات الثلاث الماضية.

“يصنعون لهم تطبيقات VoIP خاصّة بهم، لا تطالها يد شركات الاتصالات”

قد نتوقع أنّ المسألة أمنية، وهذا وارد. لكن، هل حجب التطبيقات سيمنع المجرمون من الاتصال والتواصل فيما بينهم؟ يقول السيد محمد الدوب، الخبير الأمني: “لديها [المجموعات الإرهابية والعصابات] القدرة على صنع تطبيقاته الخاصة… يستطيعون تأجير مبرمجين بسعر زهيد، وليس حتى بالمستوى المحترفين، ويصنعون لهم تطبيقات VoIP خاصّة بهم، لا تطالها يد شركات الاتصالات… وليسوا بحاجة إلى WhatsApp أو تويتر أو غيره.”

وسط استياء الشارع السعودي من حجب التطبيقات. قابل هذا الأمر تجاهلاً مستمرًا من شركات الاتصالات الثلاث وهم مزودو للخدمة، وتنصّلٌ مستمرٌ من هيئة الاتصالات باعتبارها الجهة المنظمة لذلك. الأمر الذي دعاها لإصدار بيانٍ رسميٍ في أواخر 2016، تقول فيه إنها لم تعط أي توجيهاتٍ بحجب التطبيقات وأنها ستتابع الموضوع مع الشركات.

وأضافت تقول إنّ تقديم أي خدمةٍ جديدةٍ في السعودية يجب أن يخضع لقوانينٍ و متطلباتٍ تنظيمية. وحتى اليوم. نحن لا نعرف ماهي تلك القوانين والمتطلبات. إلا أن هذا البيان لم يكن الأول، ففي مارس 2013، أي في بدايات ممارسات الحجب. قالت إنها ستعمل على نشر الخدمات والتطبيقات لكافة المستخدمين في المملكة وحماية حقوق جميع الأطراف من أية جوانبٍ سلبيةٍ تؤدي إلى الإضرار بالمصلحة العامة. ما هي المصلحة العامة التي تتطلب حجب الخدمات؟

محافظ الهيئة للشركات: “اقتراحي… أنهم يبدؤون بداية حقيقية”

بالرغم من هذه التصاريح المتضاربة والتبريرات المختلفة والمطّاطة طوّال الفترة السابقة. فتارةً تنفي وتارةً أخرى تعمل على حل المشكلة. وأحدثها ما صرّح لثمانية به الدكتور عبدالعزيز الرويس، محافظ الهيئة: “قلت لهم [الشركات] يجب أن يكون هناك [نموذج ربحي]، اقتراحي لهم والزملاء معهم، أنهم يبدؤون بداية حقيقية في مسألة أنهم هم أنفسهم يتبنون هذا الموضوع ويقومون بتطبيقات معيّنة فيها الجانب التجاري يعوض عليهم خسائرهم، تصير خدمات مكالمات الصوتية وغيرها بدون مقابل”.

وأضاف بأنّ مجلس إدارة الهيئة قد طلب من الشركات أن تجري دراسةً عن الموضوع، وتقدّم مرئياتها النهائية للهيئة في تاريخ 25 يناير 2017. إلاّ أنها إلى حين نشر هذا التحقيق لم تكشف عن أي نتائج توصلت لها تحقيقاتها حول الأمر.

مركز الأمن الوطني في وزارة الداخلية: “موضوع حجب التطبيقات للمكالمات الصوتية عبر الإنترنت وغيرها من إجراءات الاتصالات هو خارج نطاق عمل المركز”

ولمعرفة الأسباب خلف قرار الحجب قد يتبادر لذهن الكثير أن هناك دوافع أمنيةٌ وتنظيمية، وهذا دعاني أن أسأل الجهة الأمنية الأولى في السعودية، وزارة الداخلية ممثلةً في المركز الوطني للمعلومات. فكانت أكثر تجاوبًا من الهيئة، وأكثر وضوحًا وهو ما ينقص الهيئة في كل تصاريحها تجاه هذه القضية. قال لي الدكتور عباد العباد، “إنّ موضوع حجب التطبيقات الخاصة بالمكالمات الصوتية عبر الإنترنت هو خارج نطاق عملها. وان هدف مركز الأمن الإلكتروني لديها هو السعي لحماية الفضاء الإلكتروني للمملكة، والمساعدة في حماية أنظمة وشبكات الجهات الحكومية وبياناتها من أي هجومٍ أو ضرر. كما أنّ موضوع حجب التطبيقات للمكالمات الصوتية عبر الإنترنت وغيرها من إجراءات الاتصالات هو خارج نطاق عمل المركز”.

الأكيد، أنّ رفع الحجب عن هذه التطبيقات سيكون ضربةً قويةً لشركات الاتصالات. وهذا الأمر، لا يختلف عليه أحد. إلاّ أنّنا نجد أن مراعاة شركات الاتصالات لدينا، جعلها اليوم، من أكثر الأسواق ربحيةً في العالم، مقارنةً بالمعدّل العالمي! فهل دول العالم لا تهتم لشركاتها؟ أم أن شركاتنا تحظى بما لا تحظى به غيرها في العالم؟

هناك من يجد أنّ هذه التطبيقات تساهم في تقليص أرباح شركات الاتصالات في السعودية، وفي نفس الوقت تحصل على أرباحٍ دون المشاركة في تشكيل أي عوائدٍ للاقتصاد الوطني. وعلاوةً على ذلك، فشركات الاتصالات لم تستطع أن تعمل في السعودية دون الحصول على رخصةٍ مدفوعة القيمة للهيئة، وكذلك هي توظّف الآلاف من المواطنين، وتساهم في الاقتصاد الوطني مساهمةً مباشرةً. وهذا ما لا ينطبق على Google وأبل وفيسبوك وغيرها.

“ما أظن فيه أحد في البلد يرغب في مثل هذه التطبيقات تكون موجودة”

يعلّق من شركة زين السيد عبدالمجيد الرشوي عن الأمر: “أي تطبيق خارجي لازم يطبق في السعودية لثلاث نقاط، أمنيًا، تنظيميًا، اقتصاديًا، إذا لم يطبق التطبيق الخارجي هذه الثلاث نقاط، لن يمر في السعودية، وفي أغلب البلدان. إذا ما فيه عائد لي [شركة زين]، ولا فيه تحقيق جوانب تنظيمية ولا أمنية، ما أظن فيه أحد في البلد يرغب في مثل هذه التطبيقات تكون موجودة”.

ورغم كل الجهود في حجب التطبيقات إلا أن ذلك يقابله زيادةٌ في عدد مستخدمي VPN لدينا، فما تسبب به حجب التطبيقات، أدى أن أصبحت السعودية في المركز الثالث عالميًا من ناحية الدول الأكثر استخدامًا.

لماذا تُستخدم هذه التطبيقات؟ لأنّ هناك حاجة أن يكلم الشخص عائلته وأصدقائه وعملاءه عبر الإنترنت. وسيزداد عدد مستخدمي تطبيقات VPN، حتى وإن جرم استخدامها. والمشكلة أنها قد تكون خطيرةً على المستخدمين، فهناك الكثير من التطبيقات ممن يسرق بيانات المستخدمين ويبيعها أو يستخدمها لأي مصلحةٍ كانت.

ويطول الأمر حين نود سرد قائمة الأطراف الخاسرة من هذه القضية لكن سيكون النصيب الأكبر لرواد الأعمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، بالرغم من أن ذلك ينافي رؤية المملكة في تقديم الدعم المستمر لهذه المنشآت، ورفع نسب مشاركتها في الاقتصاد الوطني بحلول عام 2030.

لذلك اليوم يجب أن تدرك شركات الاتصالات والهيئة بأن عليها تبني خطوةٍ جديدةٍ لهذه القضية. الصمت والتصاريح المتضاربة، لا تتماشى مع ما يطمح له المواطن والمسؤول. حتى الآن، حتى هذا اليوم، لا تزال هذه القضية عائمةً، وهناك مستفيدٌ منها، والمشرّع أكثر ضبابيةً من أجواء الرياض هذه الأيام. الناس بحاجةٍ لأن تكون الصورة واضحة. فإن كان هناك سببٌ وجيه لحجب هذه التطبيقات، فلنعرفه بكل وضوح، وحينها أجزم، بأن الناس ستقف مع مصلحة الوطن أينما كانت. لكن، يجب أن نعرف. فالمملكة اليوم، تعيش عصرًا فيه الشفافية، أفضل من أي وقتٍ مضى.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.