بناء المستوطنات

لعبدالرحمن أبومالح

في نهاية الستينات من القرن الماضي، أنشأ مهندس إيطالي وعالمٌ أسكتلندي ناديًا للحديث عن المشاكل الأكبر التي تواجه البشرية، كزيادة عدد البشر، والتلوّث البيئي، ونقص الموارد الطبيعية. ولما كان الاجتماع الأوّل في روما الإيطالية، سمي النادي بنادي روما. ومع مرور الوقت، انضم للنادي عددٌ من العلماء، والسياسيين، والاقتصاديين ورجال الأعمال من أصقاع الأرض.

كان اهتمام عددٍ من أعضاء النادي معرفة متى سيأتي اليوم الذي يزيد عدد البشر عن الطاقة التي تستوعبها هذه الأرض، وتنقرض الموارد الطبيعية التي تمكّننا من العيش. وللوصول للإجابة على هذا السؤال، كان العالم قد اكتشف حينها أداةً عظيمةً تساعدهم على ذلك: الحاسب الالي.

وأدخلوا كمًّا ضخمًا من البيانات في ذلك الحاسب الضخم، ومع تحليل تلك البيانات، وتغيير المتغيرات، وإجراء اختباراتٍ متواصلةٍ ومختلفة، بإدخال كلّ الاحتمالات الممكنة في نسبة نموّ البشر، والتلوّث البيئي وغيرها، وصلوا في كلّ مرةٍ، إلى ذات النتيجة. نتيجةٌ واحدةٌ فقط: في يوم ما في القرن الواحد والعشرين، ستصل طاقة الأرض إلى أقصاها، ما يسبب نقصًا في الموارد التي لا تكفي البشر، والذي سينتج انهيارًا رهيبًا للعالم كلّه.

The Limits to Growth

في عام 1972، نشر نادي روما كتابًا يرسم الخطوط العريضة لنتائج أبحاثهم، أسموه: The Limits to Growth. وقد لقى صدًى واسعًا حول العالم، وأصبح الأكثر مبيعًا حينها، وترجم إلى عشرات اللغات حول العالم. لم يكن هناك إجماع على ما حواه الكتاب، وكانت هناك انتقاداتٌ مختلفة، إلاّ أنّه رغم ذلك، أثّر تأثيرًا كبيرًا في صناعة القرار، وفي صناعة الأفلام والرواية والثقافة العامة حول العالم.

وفي وقتٍ كان العالم خلاله في نقاش حول تلك النتائج والتحذيرات، ظهر فيزيائيٌّ اسمه جيرارد أونيل، ليقدّم حلًّا للبشرية. قال فيه: “صحيحٌ أنّنا نعيش في عالمٍ محدود، إلاّ أنّنا نعيش في كون غير محدود. ولعلّ أغلب الأجوبة لمشاكلنا على هذه الأرض، لن تكون حلولها هنا، بل قد تكون في مكانٍ ما في هذا الفضاء الرحب.

إن كنت تحب هذه الأرض، فعليك أن تجد سبيلًا  لنقل البشر والصناعات من على سطح الكرة الأرضية

أراد أونيل أن نبني مستوطنات في الفضاء، مستوطنات ضخمةً جدًّا. كان يقول بأنّك إن كنت تحب هذه الأرض، فعليك أن تجد سبيلًا  لنقل البشر والصناعات من على سطح الكرة الأرضية إلى مكانٍ خارجها. لم يكن أونيل أوّل رجل يقترح أن ننتقل إلى العيش في الفضاء، إلاّ أنّه كان أوّل من استطاع أن يظهر معادلات وخطوات علمية لتصميم مساكنٍ في الفضاء.

وخلال فترة حياته، عمل أونيل على تحويل المشكّكين في أفكاره، إلى مؤمنين بها. حصل على دعمٍ من ناسا، وأنشأ حركةً مجتمعيةً للوصول إلى هدفه: بناء مستعمرات في الفضاء.

قبل أن يبدأ أونيل في التفكير ببناء مستعمراتٍ في الفضاء، كان أستاذًا للفيزياء في جامعة برينستون. لم يكن مهتمًّا بالأرقام والمعادلات الفيزيائية قدر ما كان يهتم بتطبيقها لتصميم وبناء مشاريع إبداعية.

في عام 1969 ميلادي، ذات العام التي صعد أوّل رجل إلى سطح القمر، سأل أونيل طلاّبه في الجامعة سؤالًا يريد أن يعرف من خلاله أيهم أقرب للمنطق، بناء مستوطنات بشرية على سطح كوكبٍ  آخر، أم بناء بيوت طافية في مكان في هذا الفضاء؟ وبعد أشهرٍ من البحث، وصل أونيل وطلّابه إلى نتيجة أنّ بناء مساكن طافيةٍ في الفضاء هو الحلّ الأمثل.

فأوّلًا، لست بحاجةٍ للتغلّب على الجاذبية في كلّ مرة تنقل البشر من وإلى تلك المساكن الطافية، في حين أنّها أصعب بكثير عندما تكون من وإلى كوكب آخر. الأمر الثاني، هو أنّنا بالمساكن الطافية في الفضاء ستكون الطاقة الشمسية متوفرًةً لنا بنسبة 100%، في حين أنّه يتطلب أن نبتكر شكلاً مختلفًا للطاقة إذا اخترنا العيش على كوكب آخر. عندما انتهى الفصل الدراسي، لم يتوقف تفكير أونيل في كيفية بناء مستوطنات في الفضاء. بل كانت نهاية الفصل، هي البداية لهذا المشروع.

Name

قرر أونيل أن يبني تلك المستوطنات في مكانٍ في مجموعتنا الشمسية يبعد عن الأرض قرابة 400 ألف كيلومترًا، سمى ذاك المكان بـ"لاجرانج بوينت 5". في هذا المكان من الفضاء، ستكون في منتصف المسافة بين الأرض والقمر، فتكون تلك المستوطنات دومًا قريبةً منهما.

كانت تصاميم أونيل لتلك المستوطنات مختلفةٌ ما بين أشكالٍ أسطوانية أو كروية. تشكّلت جلّ أفلام الخيال العلمي حول هذه التصاميم في كلّ مرةٍ تجد شكلاً من أشكال الحياة خارج هذه الأرض، كفيلم Elysium وInterstellar.

لك أن تتخيل تصميم تلك المستوطنات على أنّها.. عجلة، نعيش داخلها. يكون غطاؤها شفّافًا يدخل من خلالها أشعّة الشمس، وتزرع فيها الأشجار، وتبنى مساراتٌ للأنهار والجبال. يصعد الإنسان على قمة جبل فيرى الفضاء الفسيح حوله.

كان يأمل أونيل أن تكون أوّل مستوطنة تستوعب 10 ألاف إنسانٍ، ومن ثم تتفرع حتّى تأخذ ما يزيد عن ثلاثة ملايين إنسان. الهدف أن تحرر هذه المستوطنات الأرض من بعض السكّان، وتساعد الأرض في الحصول على الطاقة الشمسية من خلال الموجات الراديوّية.

المواد البدائية سيتم إيصالها بمساعدة ناسا، حيث أنّ ناسا حينها ستصنع ما يشبه القطار الفضائي. إلاّ أنّ بناء ما يكون بالحجم الذي يحتاجه، سيكون لزامًا أن يأتي بمواردٍ من مكان أقلّ جاذبية. كان المكان الأمثل بالنسبة له هو القمر.

وعندما انتهى من بحثه، نشر المذكّرة البحثية إلى المجلّات العلمية، إلّا أنّها رفضت. كلّ هذا تغير. حياة أونيل كاملةً تغيرت، عندما نشرت صحيفة نيويورك تايمز بحثه في الصفحة الأولى. حيث أنّ بحثه نشر بعدها في مجلّة Physics Today العلمية، واللقاءات الصحفية والتلفزية انهالت عليه. وتلاها أن دعمت ناسا عدّة برامج تتمحور حول فكرة أونيل في بناء تلك المستوطنات.

لن يبق الفضاء حصرًا على النخبة من العلماء وروّاد الفضاء

كان أونيل يشرح فكرته في الإعلام بشكلٍ مختلف تمامًا. لن يبق الفضاء حصرًا على النخبة من العلماء وروّاد الفضاء، بل سنذهب له جميعًا، أنا وأنت، لنكتشفه وقد نعيش به. هذا شكّل حراكًا في المجتمع الأميركي ظهرت بسببه مجموعاتٌ سياسيةٌ واجتماعيةٌ نشطةٌ داخل مجلس الشيوخ، وبين أسوار ناسا. أصبح حلمًا يعيشه كثيرٌ من علماء ذلك العصر.

وفي السبعينات، كان الإنسان قد صعد للقمر، وذلك جعل الناس تؤمن بأنّ كلّ شيءٍ أصبح ممكنا. فلم تكن فكرة المستوطنات في الفضاء تواجه رفضًا تامًّا، ولم تكن مستحيلة التنفيذ تقنيًا.

في عام 1977 ميلادي، نشر أونيل جميع أبحاثه في كتاب سماه The High Frontier. وعندها، ظهر في البرنامج التلفزي الشهير، 60 minutes، حينها قال إنّه يتوقّع أن يرى تلك المستوطنات حقيقةً خلال فترة حياته. إلاّ أنّ أمرًا تغير بعد اللقاء بفترة، بدأت المعطيات تختلف، فلم تستطع ناسا بناء قطار للنقل الفضائي كما كان متوقعًا. اتّضح لأونيل مؤخّرًا أنّ ناسا لم تكن مستعدّةً لدفع المليارات للعمل على مشروع الاستيطان. والتي دفعت أونيل لإنشاء معهد غير ربحيٍّ للأبحاث الفضائية، استطاع أن يحصل على الدعم لتلك الأبحاث.

توفي جيرارد أونيل في عام 1992ميلادي بعد معاناةٍ مع مرض السرطان. واليوم، بعد 25 عامًا من وفاته، نجد أنفسنا في عصرٍ جديدٍ للفضاء. هناك من يعتقد أنّنا أصبحنا أقرب من أي وقتٍ مضى لتحقيق أحلام أونيل.

كان يعمل مع أونيل شبابٌ في مقتبل العمر، اليوم هم في الخمسينات من العمر، يحملون ذات الهم. منهم بيتر دايمندس، الذي يرى أنّ الحكومات غير قادرةٍ على تحمل المسؤولية لإنقاذ البشرية. وكما أنّ دايمندس يجد في المستوطنات الفضائية حلًّا للبشرية، هو كذلك يجد أنّ الفضاء مليءٌ بالكنوز. يقول إنّ المعادن الثمينة التي نعرفها اليوم والموجودة في الأرض، تعدّ محدودةً جدًا مقابل ما سنجده في الفضاء.

وخلاف دايمندس، هناك إيلون ماسك وجيف بيزوس الّلذان يشاركانه ذات الحلم. حيث أنّ ماسك يرى المريخ ملاذً، وأنّ أوّل رحلة لنقل البشر لذاك الكوكب ستنطلق في عام 2024، نعم، في أقلّ من عشر سنوات. بينما يعمل بيزوس على نقل الصناعات كلّها من على سطح الأرض لتكون في الفضاء. فتكون الأرض للحياة، والفضاء للصناعة.