بيع المشاعر في الأسواق والسياسة

إعداد زيد إدريس

بكلمات مؤثرة، يقول أحدهم عن مفهوم الغنى والفقر: "أتحسب بأنّ الغنى في شراء أغلى ساعةٍ وألذّ طعام؟ صاحب الساعة الغالية يرى على ساعته نفس الوقت الذي يراه صاحب الساعة الرخيصة. وأكل الطعام اللذيذ في أفخم المطاعم يجعلك تشعر بالشبع تمامًا كما يشعرك أكل طعامٍ رخيص".

فكّرت بالأمر كثيرًا، يبدو كلامه منطقيًّا، ولكنّ الواقع يقول غير ذلك، رغم أنّ كلا الساعتين تظهران نفس الوقت إلّا أنّ الأغنياء لا يشترون ساعاتٍ رخيصةً مع علمهم بهذه الحقيقة. لماذا أحب أن أشتري ملابس Ralph Lauren في حين أنّ أي ملبسٍ بأي سعرٍ سيقدّم نفس الميزة: الكساء؟

في الواقع، نحن لا نشتري المنتجات لكي نستفيد من مزاياها المتطابقة باختلاف الأسعار، بل إنّنا لا نشتري المنتجات أصلًا، في المرة القادمة التي تذهب فيها للتسوّق، كن واعيًا بأنّك ذاهبٌ لشراء المزيد من المشاعر، لا المزيد من المنتجات.

تفكّر بأصدقائك وعائلتك الذين سينظرون إلى ما تملك بانبهار

حين تشتري المنتجات السابقة أنت لا تفكّر غالبًا في أنّها ستحلّ أزمةً في مجالاتها، بل تفكّر بأصدقائك وعائلتك الذين سينظرون إلى ما تملك بانبهار، وستفكّر في شعور الفخر الذي سيتملّكك حينها، هذه الشركات تعلّمت عبر السنين كيف توسم نفسها بمشاعرٍ يحبها من يستهدفونه.

أفضل الشركات والمنتجات هي تلك التي تمكّنت من فنٍّ تسويقيٍّ يدعى بيع المشاعر. ولكنّ هذا ليس محتكرًا من الشركات، بل يستعمله الأشخاص أيضًا.

حينما فاز دونالد ترمب بالانتخابات الرئاسية الأميركية صدم العديد من الأميركيين وغير الأميركيين حول العالم. دونالد ترمب بدا للناس وروّج في الإعلام على أنّه شخصٌ ثريٌّ عنصريٌّ جاهل لا يتحدّث بالحقائق أو المعلومات أو المنطق. في حين كانت منافسته امرأةً خبيرةً في المجال السياسي تتحدّث بالأرقام والحقائق والمنطق. كان هذا هو ما بدا للناس، لكنّهم في النهاية انتخبوا ترمب، لماذا ترمب؟ لأنّ ترمب يعرف كيف تباع المشاعر.

دونالد ترمب هو رجل أعمال، ورجال الأعمال المشابهين يعرفون من أين تؤكل الكتف. حين تفكّر في شراء منتجٍ فإنّك تفكّر حول المنتج ذي الجودة الأعلى، وقد تعلم ذلك المنتج، لكنّك لن تشتريه، بل ستشتري المنتج ذا الشعور الأفضل، نفس الأمر ينطبق على الانتخابات الرئاسية وقد فهمه ترمب، أنت قد ترى بنفسك أنّ كلينتون تتحدّث بالمنطق والحقائق وأنّ ترمب يتحدّث بكلامٍ أبسط من هذا بكثير وتتعجّب كيف اشترى الناس كلام ترمب، أي انتخبوه؟ لقد حصل ذلك لأنّ ترمب باع شعورًا أفضل.

يتحدّث ترمب بلغةٍ مستواها هو من مستوى طفل أميركي في الصف الرابع

يتحدث ترمب بلغةٍ بالغة البساطة، هو في الواقع أبسط المرشّحين من الناحية اللغوية، وهو لا يفعل ذلك لعدم قدرته على الحديث بكلامٍ معقّد بل لأنّه يريد بيع شعورٍ معين. يتحدّث ترمب بلغةٍ مستواها هو من مستوى طفلٍ أميركيٍّ في الصفّ الرابع حسب تقريرٍ نشر عن لغة كلّ مرشّح. ترمب يتحدّث بلغةٍ يستطيع أي شخصٍ أن يفهمها ويتعلّق بها، ترمب يعرف أنّ الناس يشترون شعور البساطة وقرب المتحدّث إلى قلوبهم أكثر من مشاعر أخرى، وقد استغلّ هذه المعرفة أحسن استغلال.

إذا حلّلت حديث ترمب فإنّك ستلاحظ نمطًا متكررًا، ترمب يستعمل كلماتٍ بالغة البساطة خلال جملٍ قصيرة ويختمها بكلماتٍ عظيمة التأثير. حين تسمع كلامًا كهذا ستشعر بالتعلّق مع المتحدّث، ستشعر بأنّك تفهم كلامه وستتأثّر بما يقوله، ترمب يقول أحيانا كلامًا من الواضح وضوحًا جليًّا أنّه منافٍ للحقائق، ترمب حسب أحد التقارير تتكوّن أكثر من نصف الحقائق التي يذكرها بنسبة واحدٍ وخمسين بالمئة من كلامٍ غير حقيقيٍّ بتاتًا، وإن جمعت لذلك الحقائق التي أغلبها غير حقيقي ولكن فيها شيءٌ من الصحّة فستصل النسبة إلى تسعةٍ وستّين بالمئة، بالمقابل لدى كلينتون نسبة صحّةٍ للحقائق تصل إلى خمسٍ وسبعين بالمئة وهذه النسبة هي مجموع الحقائق الصحيحة، والحقائق التي غالبها الصحّة، والحقائق التي نصفها صحيحة.

تتكوّن أكثر من نصف الحقائق التي يذكرها غير حقيقي بتاتًا

إذا كنت تتساءل عن سبب وجود اختياراتٍ غريبةٍ في حياتك أو حياة غيرك، ففكّر مرةً أخرى في هذه الخيارات من ناحية المشاعر التي تقدّمها، ستجد هنالك الحقيقة.