تجلس الآن في مناسبة عائلية مليئة بالوجوه المألوفة وكثير من الوجوه الغريبة والأقرباء الذين تراهم في “السنة حسنة،” وبعد السلام والكلام والأحضان، ينسحب كل شخص إلى مكانه. ويبدأ الحديث عن الحال والأحوال ويتم ترديد بعض الإجابات المكررة والتي حفظناها عن ظهر قلب، ونرددها في كل المناسبات. وبعد أن تهدأ الزوبعة ويهدأ الحديث، ستصاب بحكة بسيطة و يراودك الشيطان ويؤنبك ضميرك لأن ما ستقوم به (عيب.) ماذا سيقول الناس عنك؟ قليل الذوق؟…

“حسنا دعني أقوم بها حين ينشغلون بحديث آخر،” وبمجرد أن تُفتح قضية ويتحمس لها شخص أو شخصان، تمد يدك بسرعة إلى جيبك لتخرج هاتفك الذكي وتتصفح أي شيء… آه، شعور جميل أن تتواصل مع العالم الخارجي بعيدًا عن هذا التواصل المحلي. والمضحك أنك لو رفعت رأسك لوجدت كثيرًا من الناس على شاكلتك، يمسكون هواتفهم الذكية إما للتواصل أو اللعب أو لأي سببٍ آخر. ما هذا الإدمان؟

جرعات من الدوبامين تجعلك تحس بالرضا عن هذا الفعل

هناك سبب علمي لهذا الإدمان ويطلق عليه الدوبامين (Dopamine). وهي مادة يفرزها الدماغ تزيد الإحساس بالمتعة وتنشط مراكز اللذة. وهذه المادة لها دور كبير في إدمان كل شيء ابتداءً من ألعاب الفيديو وحتى المخدرات والقمار وغيرها. ولهذه المادة علاقة أيضًا بإدماننا بالهواتف الذكية، إلاّ أنها ليست السبب بل هي نتيجة لأفعالنا.

تقدم لنا الهواتف الذكية طرائق تواصل سريعة ومتجددة باستمرار. وحين نكون في مكان ما لوحدنا أو محاطين بأناس لا نعرفهم حق المعرفة، وبحكم أن إنشاء تواصل مع من حولنا صعب ويأخذ وقتًا طويلاً، فإن الهاتف الذكي المسلح بتطبيقات التراسل الفوري والشبكات الاجتماعية يعطينا حلاً فورياً لهذه المشكلة ويسمح لنا بالتواصل مع من نعرف بلمح البصر. ولذلك تجد نفسك تتفحص هاتفك الذكي والتحدث مع أي شخص عن طريق WhatsApp أو التفاعل مع أي شبكة اجتماعية أخرى. ويتسبّب الإشباع الفوري لهذه الرغبة في إفراز جرعات من الدوبامين تجعلك تحس بالرضا عن هذا الفعل.

كم من مرة تفقدت هاتفك لتجد أن الرسالة ليست ذات أهمية

الحاجة إلى التواصل ليست السبب الوحيد. فقد أظهرت تجارب أخرى أنّ التنبيهات التي تصلنا باستمرار والأصوات التي تصدرها هواتفنا الذكية لها تأثير على سلوكنا. ففي كل مرة تسمع فيها صوت تنبيه يخبرك بوصول رسالة جديدة فإن دماغك يدخل حالة التحفز. وبمجرد التحقق من هاتفك الذكي، فسوف تشعر بنوع من الرضى لمعرفتك ما وصلك حتى وإن لم يكن مهمًا. فكم من مرة تفقدت هاتفك لتجد أن الرسالة ليست ذات أهمية. وكم من مرة وعدت نفسك بأنك ستتجاهل صوت التنبيهات، ولكن الفضول يقتلك لمعرفة ما هي الرسالة التي وصلتك. إنه الإدمان، ولكن بصورة مختلفة وبضرر أقل.

يوجد للمعلومات القصيرة دور إضافي في إدمانك للهاتف الذكي. فحين تقرأ معلومات قصيرة مثل تلك المنشورة في تويتر أو التي يقوم البعض بنشرها عبر Snapchat وغيرها من التطبيقات، فإن الدماغ يشعر بنوع من الرضى. ذلك يعود كون المعلومات القصيرة حتى وإن لم تكن مكتملة فهي تتسبب بإفراز الدوبامين. لذا تجد الكثير من الناس -وقد أكون أنا منهم- يدمنون تويتر وSnapchat. لأنها توفر لك جرعات خفيفة محفزة للدماغ والبعض منّا وصل إلى مراحل متقدمة بحيث يتنقل بين العديد من الشبكات الاجتماعية بسرعة للحصول على كل جرعات المتعة الممكنة دون أن يدرك أنه يتسبب في إرهاق دماغه.

أنت لا تدرك أنك حين تقوم بتكرار الممارسات التي سردتها، تقوم بتعويد دماغك وتدريبه على هذه المتع الصغيرة وربطها بالهاتف الذكي. والكثير منا قد يمر عليه وقت تجده يتفقد هاتفه الذكي باستمرار. خصوصًا، حين يحس بالضيق. وذلك لأن الدماغ يريد تقليل هذا الضيق عبر تحفيز مراكز المتعة. والسبيل الأسرع لذلك هو تفقد الهاتف لبعض الوقت. لكن هذا الشيء له آثاره على دماغك. فالتحفيز المستمر يتعب الدماغ ويقلل من إنتاجيتك وتركيزك وأنصحك بأن تقوم بتقنين هذا الشيء عبر التحكم في التنبيهات وتغيير إعداداتها بحيث تحرص عن أن تصلك التنبيهات الضرورية فقط. كي لا تُدخل دماغك حالة تحفيز مستمر تتعبه باستمرار دون أي فائدة.



القائمة البريدية اشترك وتصلك رسالة واحدة كل سبت، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.